 |
|
التوزيع الجغرافي للقبائل الصومالية |
فاجأت المحاكم الإسلامية في
الصومال الكثيرين في الداخل والخارج
بنجاحها السريع وتواصل انتصارها على
التحالف من أجل إرساء السلام ومكافحة
الإرهاب، وتمكنها من كسب تأييد شعبي عريض
في غضون فترة وجيزة بعد أن وقعت معظم أحياء
العاصمة تحت سيطرتها، وتنامى دورها بشكل
ديناميكي في أقاليم صومالية أخرى؛ وهو
الأمر الذي فسره المراقبون بأنه عملية
تخلق أجواء جديدة ربما تأخذ إثرها
التطورات منحى آخر في المراحل المقبلة.
ورغم ثبوت حقيقة هامة وهي أن
الخارج وخاصة الغرب والولايات المتحدة لن
يدع الأمر يمر مرور الكرام أمام سيطرة
الميليشيات الإسلامية على البلاد، فإن
نظرةً إلى الداخل الصومالي تؤكد أن مسألة
سيطرة الميليشيات التابعة للمحاكم
الإسلامية تخضع لاعتبارات ترتبط بطبيعة
التركيبة القبلية في الصومال، وما قد
تفرزه هذه التركيبة من تأييد أو معارضة
للمحاكم الإسلامية.
القبيلة تشكل السياسة
بالصومال
فالعامل القبلي هو الحاضر الغائب
في أداء المحاكم ووجودها وتشكيلاتها، وهو
الذي يشكل المنهجية التي تسير عليها كل
المعادلات السياسية الصومالية التي تعيش
منذ 15 عاما خلت في عصر أطلق عليه "ما بعد
الدولة". وتتكون المحاكم الإسلامية
الإحدى عشرة في الصومال، عدا واحدة فقط،
من تجمعات عشائرية تنحدر من بطون قبيلة
"الهويي" كبرى القبائل في البلاد،
والتي يقطن أبناؤها في العاصمة وأجزاء
أخرى من الوسط والجنوب.
والحقيقة الهامة التي لا يختلف
عليها اثنان هي أن من يتحكم في حركة
العملية السياسية في البلاد هي القبيلة
بما لها من علاقات معقدة تتداخل وتتشابك
فيها المصالح والمشاكل، ويمكن أن ترتفع أو
تهبط بكل مبادرة أو فعل يحدث في ذلك البلد.
وحتى الحكومة والبرلمان وموظفو الدولة
يتم تقسيمهم وتصنيفهم بشكل دقيق وفق هذه
التوازنات القبلية المعقدة، وعلى هذا
الأساس يتوقف نجاح أي طرف كان، وهو ذات
الاختبار الذي يسري ويمر اليوم على
المحاكم الإسلامية إن أرادت أن تتمكن من
تحويل سيطرتها إلى واقع حقيقي ملموس في
المستقبل المنظور.
من هنا فقد أظهرت عملية بروز
المحاكم في المسرح الصومالي مؤخرا
تساؤلات عديدة تتمحور حول مدى التأييد
الذي تتمتع به وسط القبائل، وما هو موقف
القبائل من المحاكم، على الأقل تلك
القبائل التي تقطن المناطق التي تسيطر
عليها ميليشيات المحاكم حاليا، وخاصة أن
إحدى العشائر في شمال مقديشو احتضنت بعض
أعضاء تحالف "مكافحة الإرهاب"
المهزوم؛ لأنهم من أبناء قبيلتهم، بل
وأكثر من ذلك أصدرت تحذيرات صارمة تجاه
زحف المحاكم إلى مدينة جوهر، معتبرة أي
محاولات للمحاكم في بسط سيطرتها على ما
تبقى من شمال العاصمة إنما هو عدوان سافر
على قبيلتهم؛ وهو ما سيكون سببا في قيام
حرب قبلية طاحنة لا تحمد عقباها.
وكي نقترب من المسألة أكثر لا بد
من الإشارة السريعة إلى التركيبة القبلية
في الصومال وتقسيماتها العشائرية؛
فالصوماليون ينقسمون إلى خمسة تجمعات
قبلية كبيرة وهي: (الهوية، الإسحاق،
الدارود، دير، والرحنوين)، إضافة إلى
العديد من المجموعات الأخرى الأصغر.
وحاليا لا تمثل المحاكم
الإسلامية القائمة إلا قبيلة واحدة هي
قبيلة "الهوية" التي تشكلت أساسا
المحاكم من عشائرها المختلفة، والتي كانت
يتصارع زعماؤها الحربيون غالبا في
السيطرة على العاصمة منذ إسقاط حكومة محمد
زياد بري عام 1991.
اللعب على وتر التعصب القبلي
 |
|
الشيخ شريف شيخ أحمد رئيس اتحاد المحاكم الإسلامية |
ولا يعني ذلك أن معظم القبائل
الصومالية تجد غضاضة في بروز المحاكم
الإسلامية وإحكام سيطرتها على الأقاليم
التي ينتشر فيها أبناء هذه قبيلة "الهويي"،
وعلى رأسها العاصمة مقديشو، أم المشاكل في
الصومال، لذا فإن القبائل الأخرى التي لا
تخصها الحرب الدائرة بين المحاكم
والتحالف، قد ترى في سيطرة المحاكم على
العاصمة تحركا مهما حتى يتمكن أهالي
مقديشو من ترتيب بيتهم الداخلي، تمهيدا
لفتح الطريق للتوصل إلى وصول وفاق وطني
حقيقي وقيام حكومة وحدة وطنية مركزها
العاصمة، تستطيع لملمة الأطراف.
ومع ذلك لا يستبعد أن تثير
التحركات الرامية إلى تأليب بعض القبائل
على المحاكم الإسلامية من خلال اللعب على
وتر التعصب القبلي بعض المشكلات أمام بسط
نفوذ المحاكم وسط القبائل، فثمة تحركات
لبعض السياسيين السابقين وعدد من
الشخصيات التي لا تتمتع بنفوذ حقيقي في
المرحلة الحالية، تتم وفق الأوامر
الأمريكية خاصة بعد تردد أنباء حول قيام
مسئولين من السفارة الأمريكية في نيروبي
بالاتصال بهم للتعاون من أجل إنهاء نفوذ
المحاكم وسط قبائلهم، مستخدمين العامل
القبلي الخطير بعد فشل التحالف وتلاشي
قوته أمام المحاكم.
أما داخل قبيلة "الهويي" في
مقديشو، فعلي الرغم من أن السواد الأعظم
من سكان العاصمة أبدوا ارتياحهم
لانتصارات المحاكم، وعبروا عن تأييدهم
لها عدة مرات من خلال مظاهرات صاخبة خرجت
للشوارع، فإن المشهد الأخير الذي تكرر في
بعض أحياء مقديشو كان لافتا؛ حيث شهدت
أكثر من مرة قيام مظاهرتين متعارضتين في
حي واحد في شمال العاصمة؛ إحداهما تؤيد
المحاكم، والثانية تندد بها؛ وهو الأمر
الذي يؤشر إلى ظهور بوادر لتمرد بعض
القبائل في العاصمة على المحاكم، وإن
اتسمت حركتها بالبطء ومحدودية التأثير
حتى الآن؛ نظرا لأسباب كثيرة، منها: أن
القبيلة التي تقود هذا التمرد هي نفس
القبيلة التي ينتمي إليها رئيس اتحاد
المحاكم الشيخ شريف شيخ أحمد، وأن عددا
كبيرا من رجال أعمالها يؤيدون المحاكم
ويمدونها بالمال والسلاح، كما انضم مئات
من أبنائها إلى صفوف المحاكم، ثم إن معظم
أفراد القبيلة يشعرون بالمرارة والأسف
لاحتضان قبيلتهم شخصيات متهمة بأنها "تتعاون
مع أمريكا" وتتلقى الأموال بهدف تسليم
مسلمين إلى جهات يرون أنها "معادية
للإسلام والمسلمين".
وأمام هذه المشكلات بدأ اتحاد
المحاكم الإسلامية يرمي بأوراقه للصمود
أمام الطغيان القبلي الذي يحاول معارضوه،
وبتواطؤ أمريكي، أن يشعلوه؛ حيث تعد
التصريحات الأخيرة لرئيس المحاكم شريف
أحمد، بمثابة قطع الطريق أم هذه التحركات،
وذلك حين أعطى مهلة للقبائل التي تحتضن
بعضا من أعضاء التحالف؛ إما لإجبار هذه
الشخصيات على إلقاء أسلحتهم ومغادرة
العاصمة بشكل فوري، وإلا فسوف تتحرك
المحاكم عسكريا لحسم الموقف بالقوة،
إضافة لذلك فتح شريف الباب أمام ما وصفه
بتوبة أمراء الحرب الذين بدءوا في التخلي
عن عضوية مجلس التحالف لمكافحة الإرهاب.
وبين الفعل ورد الفعل السابقين،
فإن المناقشات التي ربما سيجريها
البرلمان الصومالي الانتقالي في مقره
المؤقت في مدينة "بيداوا" حول
استدعاء قوات أجنبية وفق خطة أعلنها رئيس
وزراء الحكومة الانتقالية علي محمد جيدي
يوم 14 يونيو 2006، وتقضي الاستعانة بقوات
حفظ سلام من أوغندا والسودان، ستحدث تطورا
جديدا حول الموقف القبلي تجاه المحاكم
الإسلامية في المراحل المقبلة، فرغم أن
الموافقة على استقدام هذه القوات سيضيف
كثيرا من التأييد للمحاكم الإسلامية، وسط
تحذيرات يطلقها رجال المحاكم بأن مثل هذا
الإجراء يعد بمثابة خيانة عظمى، كما يمثل
أي تدخل عسكري أجنبي على الأراضي
الصومالية استعمارا جديدا يجب مقاومته،
فإن المواجهة بين المحاكم والحكومة إذا
حدثت فعلا، فسيكون لرجال القبائل موقف
متأرجح بين هذا وذاك؛ نظرا لانعكاسات
التكوين الطائفي القبلي على تشكيلة
الحكومة الانتقالية ذاتها، وهو ما يجعل
قادة المحاكم الإسلامية تصر على استمرار
الحوار مع الحكومة، وتصرح بأنها تعمل معها
من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في الصومال.
ومن ثم يبقى السؤال الذي يطرح
نفسه على مستوى الداخل الصومالي هو: هل
يتجاوز الصوماليون روح القبيلة وثقافتها
وقوة تنظيمها وعصبيتها بحثا عن الصالح
الصومالي العام، دون استثناء للنمط
القبلي ذاته؟. بمعنى آخر: كيف يمكن لقادة
القبائل أن يقدموا طرحا يحافظ على خصائص
القبيلة الذاتية دون أن يمس ذلك فكرة
الصالح العام والاستقرار المنشود
بالصومال؟.
|