 |
|
الشارع الفلسطيني.. نار الصراع تشتعل بين فتح وحماس |
بدايةً ينبغي تحديد ما تعنيه
كلمة "الشارع"، فقد شاهدنا في ظلّ
كثير من الأنظمة الاستبدادية الحديث عن
"الشارع" و"صوت الشارع"
باستخفاف واستنكار، تأكيدا للإصرار على
صناعة القرار بمعزل عن الإرادة الشعبية،
التي تجد في المظاهرات والاحتجاجات في "الشارع"
وسيلة لا يتوافر سواها غالبا للتعبير سلما
عن نفسها. لقد بات "الشارع" كلمة شبه
اصطلاحية، لوصف ظاهرة نزول فئات شعبية إلى
الشوارع للتعبير عمّا تريد بهذه الوسيلة.
في الأوضاع غير الاستبدادية يمكن
أن تكون هذه الوسيلة تعبيرا عن التأييد
الحقيقي، أو الاحتجاج الحقيقي، أمّا في ظلّ
الأوضاع الاستبدادية فقد تُستغلّ الوسيلة
وتُوجَّه بأساليب معروفة، لاستعراض تأييدٍ
وهمي للحاكم المستبدّ، أو تكون احتجاجيّة
رافضة فعلا لاستبداده وما ينبني عليه. ومن
هنا ترتبط قيمة وسيلة "الشارع هو
الحَكَم" بعدّة عناصر:
1- يظهر العنصر الأوّل في حالة
الاستبداد عبر حجم القمع الذي يمارسه، فهو
يؤكّد أنّ النسبة التي تخاطر بالتعرّض له
تؤكّد وجود نسبة شعبيّة أعلى بكثير لمجموع
المعترضين على سياساته وممارساته
والرافضين لها.
2- ويتمثّل العنصر الثاني في
الانضباط، فبقدر ما يتوافر هذا الانضباط
ويمنع تسلّل جهات من خارج نطاق الفئات
المعترضة لتشويه سمعتها، يتأكّد ارتفاع
مستوى الوعي الشعبي العام من خلالها، ومن
ثم ترتفع قيمة المطالب المطروحة،
وفاعليّتها.
3- وسواء كان الحكم استبداديا أم
لا، فيبقى العنصر الثالث المهم، وهو كمّي
ونوعي، فبقدر ما ترتفع نسبة المشاركين في
الاحتجاج، وتتعدّد انتماءاتهم، بقدر ما
تعطي احتجاجاتهم مؤشّرا على الإرادة
الشعبية "المشتركة" التي تحرّكهم،
فتكتسب مطالبهم قيمة جماعية مؤثّرة.
أرضية معركة تدور في "الشارع"
بين أيدينا مع رحيل عام 2006 أكثر
من مثال في المنطقة العربية والإسلامية
على درجات متفاوتة ما بين انتشار متصاعد
لظاهرة "تحكيم الشارع"، واستمرار
الخنق الاستبدادي لهذه الظاهرة إلى حدّ
بعيد، يوهم بوجود "موات شعبي". وتوجد
نماذج بيّنة أكثر من سواها لحالات اللجوء
إلى الشارع حَكَما بين النظام والشعب، أو
بين حكومة قائمة بغضّ النظر عن طريقة
وصولها إلى السلطة، والجموع الشعبية التي
تستجيب لنداءات فئات حزبية أو "نخب"
معارضة ما؛ للتعبير عن مواقفها المتناقضة
مع سياسات الحكومة. ويلفت النظر أنّ
النموذجين الأكثر فعالية من سواهما قد
انطلقا في فلسطين ذات الظروف الخاصّة
المتميّزة "سلبيا" نتيجة وجود
الاحتلال وما يمارسه يوميا من اعتداءات،
وفي لبنان الذي لم يكد يخرج من أتون الحرب
العدوانية الإسرائيلية عليه.
كما تلفت النظر مفارقة أخرى وهي
أنّ الحكومة المنتخبة بفلسطين هي التي
تستعين بالشارع للصمود أمام ضغوط خارجية
وداخلية، ينطلق جزء منها من طرف آخر
يتشبّث بجانب من مفاصل السلطة، ولا ينقطع
سيل مواقف التأييد الرسمي الخارجي له ضدّ
الحكومة المنتخبة وجموع المؤيّدين لها
شعبيا.
وبالمقابل نجد الجهة المعارضة
بلبنان، التي كان بعضها جزءا من الحكومة
قبل العدوان الإسرائيلي، هي التي تستعين
بالشارع لتحقيق مطالبها تجاه الحكومة
القائمة، التي لا ينقطع سيل مواقف التأييد
الرسمي الخارجي لها ضدّ المعارضة وجموع
المؤيّدين لها شعبيا.
ويبرز للعيان حجم التناقض الصارخ
في التعامل الدولي مع أحداث البلدين،
عندما نستحضر كيفية تعامل العالم الغربي
خصيصا مع "الشارع" فيما عُرف
بالثورات البرتقالية وغيرها في دول تقع في
"شريط الشمال" من الكرة الأرضية.
تتداخل المشاهد في كلّ من
النموذجين المذكورين على حدة وبين نقاط
التماسّ العديدة بينهما، بما يطرح
تلقائيا تساؤلات عديدة، أهمّها:
1- أين موضع الحكومة والمعارضة و"الشارع"
بمقاييس المشروعية، لا سيّما الدستورية
المحلية؟ وما هي مواضع الالتقاء
والاختلاف بين أطراف النزاع بمنظور
المصلحة الوطنية المحلية، ومواطن تناقضها
وتقاطعها مع سياسات إقليمية ودولية؟
2- ما هي معايير التأييد ومعايير
الضغوط من جانب القوى الدولية والإقليمية
على هذا الطرف أو ذاك؟ وما هو تأثيرها على
التعبير عن الإرادة الشعبية وعلى صناعة
القرار وممارسته؟
3- ما المنتظر أن تسفر عنه "ورقة
الشارع" على صعيد صناعة القرار وصناعة
الواقع، وهل يمكن الاعتماد على هذين
النموذجين أو أحدهما بالنسبة إلى أقطار
عربية وإسلامية أخرى؟
الإرادة الشعبية
والمشروعية الدستورية
 |
|
وسط بيروت تحول لساحة اعتصام مفتوح للمعارضة اللبنانية |
مقولة "الشعب مصدر السلطات"
التي تتبنّاها نظريات دعاة الديمقراطية
الغربية، وأصبحت في هذه الأثناء جزءا من
الأطروحات الإسلامية انطلاقا من اليقين
أنّ الغالبية الشعبية في بلد إسلامي تختار
-من منطلقات عقدية وحضارية- "المرجعية
الإسلامية" لتلك السلطات.
هذه المقولة هي الأرضية التي
يُفترض أنّها جامعة نظريا لجميع أطراف
النزاع، وبالتالي فهي الأساس للحديث هنا
عن مشروعية ما تصنعه هذه الجهة أو تلك. ومن
هذا المنطلق:
1- الانتخابات الفلسطينية
النيابية أعطت الحكومة التي توصف -عمدا-
بحكومة حماس بدلا من الحكومة الفلسطينية،
مشروعيةً شعبية راسخة في حدود الممكن في
ظلّ الظروف الاستثنائية لفلسطين، وتضمّنت
تلقائيا رفضَ ما سبقها في نطاق "مشروع
أوسلو" ونقضَ ما أفرزه، باعتبار أنّ تلك
الانتخابات جرت على أساس الوعي الشعبي
الفلسطيني بثوابت المشاركين في
الانتخابات وسياساتهم ومواقفهم
وممارساتهم ونواياهم بكلّ وضوح. وهنا تسقط
حجج الطرف الآخر الذي يقول إنّ الانتخابات
السابقة على مستوى الرئاسة، توازي -رغم ما
شابها ورغم ارتفاع نسبة مَن قاطعها-
الانتخابات النيابية من حيث "تثبيت
صبغة المشروعية" لمؤسسة الرئاسة، وما
صنعت من قبل بمشاركة حكومات سابقة تشكّلت
من لدن المشكاة نفسها.
2- الانتخابات اللبنانية التي
أوصلت إلى حكومة يرأسها السنيورة، كانت
مشروطة بعدّة اعتبارات أساسية، في
مقدّمتها أنّها جرت في حينه لتملأ الفراغ
السياسي لفترة زمنية معقولة، بعد حدث
اغتيال الحريري وإنهاء الوجود السوري في
لبنان، كما جرت ثانيا تحت ضغط عنصر الزمن
والخشية من عواقب ذلك الفراغ السياسي، على
أساس قانون انتخابي تقول جميع الأطراف من
قبل الانتخابات بضرورة تعديله، وجرت
ثالثا في دولة تقوم على ما يُسمى "الديمقراطية
التوافقية"، أي تلك التي لا تستقرّ في
حالة حظر المشاركة في صناعة القرار فيها
عن فئة أساسيّة أو طائفة من السكان، وإن
كانت تمثّل إحدى الأقليّات عددا، وهذا ما
استقرّ في الوعي السياسي والنص الدستوري
اللبناني وما يُعرف باتفاق الطائف،
كحصيلة لا غنى عنها بعد الحرب الأهلية
الماضية. ويعني ذلك أنّ مشروعية الحكومة
اللبنانية مرتبطة بما يتجاوز النصوص
الدستورية المجرّدة إلى هذه الاعتبارات
الثلاثة، التي لا تتناقض مع النصوص على كلّ
حال، كما أنّها أصبحت مرتبطة أيضا بما
شهدته الحرب العدوانية الإسرائيلية بعد
الانتخابات من سياسات وممارسات.
3- فيما عدا ما سبق لا ينبغي
الوقوف طويلا عند الأساليب الانتقائية
المتّبعة من جانب أطراف النزاع للاستشهاد
بهذا النصّ أو ذاك من المواد الدستورية،
ففي فلسطين مثلا يستشهد أنصار وضع "صلاحيات"
الرئاسة فوق "صلاحيات" الحكومة،
بسلسلة من "الثوابت والنصوص والمنطلقات"
التي كانوا هم أنفسهم من وراء الحدّ منها
لصالح صلاحيات الحكومة والمجلس النيابي،
في عهد "عرفات"، أي عندما كانوا
يرفضونها وهم -داخل نطاق السلطة- في موقع
المعارضة لحجم صلاحيات الرئاسة ونوعيّتها،
وكانوا يجدون على ذلك دعما خارجيا واسع
النطاق كما هو معروف، في اتّجاهٍ معاكسٍ
تماما لِما أصبح عليه الحال بعد
الانتخابات النيابية الفلسطينية.
وفي لبنان يرفض أنصار الحكومة
ربط مشروعيتها بنقطة "الديمقراطية
التوافقية" وفق مقدّمة الدستور و"اتفاق
الطائف"، رغم أنّها هي التي كانت
المعتمدة لديهم عند تشكيل الحكومة ذاتها،
عقب الانتخابات الماضية، وحتى من قبلها
أثناء الوجود السوري في لبنان.
المشكلة الحقيقية ليست في البُعد
الدستوري، ناهيك عن لعبة الرجوع
الانتقائي إلى نصوصه، بل هي في لعبة
موازين القوى، في فلسطين وفي لبنان على
السواء، لصناعة القرار وصناعة الواقع. ومن
هنا يجب التركيز على أنّ ظاهرة الاستقواء
بالشارع لا تكتسب بُعدها الحقيقي من خلال
جدل -أصبح سفسطائيا- حول نصوص دستورية، بل
تكمن قيمتها الكبيرة في أنّ الطرف الذي
يرى الشارع -أي الإرادة الشعبية- من ورائه
يريد الاعتماد عليه في تحويل مجرى معركة
صناعة الواقع، وهو المجرى الماضي منذ فترة
في اتّجاه معيّن، اعتمادا على إرادة القوى
الإقليمية والدولية، كي يتّخذ اتّجاها
آخر، يكون لقوّة الإرادة الشعبية فيه وزن
جديد، وتعني كلمة "جديد" هنا أنّ
الإرادة الشعبية لم تكن تؤخذ بعين
الاعتبار بما يكفي سابقا. المطلوب إذن هو
أن يعادل الاتّجاه الجديد -أو الاستقواء
بالشارع- ما كانت تصنعه القوى الإقليمية
والدولية من خارج الحدود الوطنية ولا تزال
تريد صنعه، أو يصنعه محليّا الاستقواء
بتلك القوى.
إنّ القيمة الذاتية لمشروعية "صوت
الشارع" أو مشروعية الإرادة الشعبية -والشعب
في الأصل هو مصدر تحديد النصوص الدستورية
على كلّ حال- قيمة جديدة في "واقع"
الساحة السياسية العربية والإسلامية، قد
دخلت ميدان جولات صراع، كانت تدور من
دونها في هذه الساحة نفسها، منذ عقود
عديدة، وبات السؤال الحاسم المرتبط
بالظاهرة الجديدة هو: ما مدى قابلية أن
تسفر أحداث فلسطين ولبنان، عن إعطاء
الإرادة الشعبية موقعا راسخا؟ ليس من حيث
تثبيت نصوص دستورية وقانونية ما فحسب، بل
في الوقت نفسه من حيث تثبيت البنية
الهيكلية لصناعة القرار من منطلق "ثوابت"
المصلحة الوطنية المشتركة والعليا،
وتنفيذه، ومراقبته، والمحاسبة عليه، رغم
وجود قوى أخرى تعمل في اتّجاه معاكس، أي
الحفاظ على "ثوابت" وضعٍ سابقٍ مرفوض،
هو وضع "صناعة القرار عموما في عواصم
خارج الحدود" وإخراجه محليّا فحسب
وتسويقه بمختلف الوسائل.
مصدر التأثير الخارجي
معيار حاسم
في خضم النزاع الدائر يتلقّى
أطراف النزاع مواقف الدعم والعون من جهات
إقليمية ودولية، ولا يمكن وضع جميع تلك
المواقف في سلّة واحدة، ولا التعامل معها
على قدم المساواة.
عندما يعلن رئيس الوزراء
الإسرائيلي مثلا دعمَ الحكومة اللبنانية،
لا يعلن ذلك قطعا من منطلق "عدوّ عدويّ
هو صديقي" وعدوّه الأوّل في المرحلة
الراهنة هو منظمة حزب الله، بل ينطلق من
رؤيته هو لخطورة تبديل معادلة صناعة
القرار وصناعة الواقع، بما يشمل تفعيل
الإرادة الشعبية والالتزام بها.
كذلك عندما يعلن الرئيس الأمريكي
دعم الرئاسة الفلسطينية، لا يمكن قطعا
القول إنّه ينطلق من "الحرص على الشعب
الفلسطيني" الذي يعاني من الحصار
والاحتلال معا، وهو -أي الرئيس الأمريكي-
من وراء ترسيخ تلك المعاناة وزيادتها.
كذلك عندما تصدر عن دول عربية بعينها
مواقف الدعم لطرف دون آخر، لا يمكن القبول
بما تشيعه عبر الوسائل التقليدية لتسويق
مواقفها وسياساتها، أنّ ذلك يأتي حرصا
منها على مواجهة "تيّار شيعي" إقليمي
لحساب "أهل السنّة"، فعلاوة على
تناقض ذلك مع واقع ساحة المواجهة
اللبنانية، لا أحد يجهل أنّ الأنظمة
المعنية في تلك الدول لا تمارس سلطاتها من
منطلق الالتزام بالسنّة ومنهجها ولا
دفاعا عنها.
بالمقابل لا يمكن القول إنّ
الدعم السوري أو الدعم الإيراني للطرف
الآخر في المعادلة الفلسطينية والمعادلة
اللبنانية، يخلو من اعتبارات المصلحة
الذاتية كما يراها المسئولون السياسيون
في سوريا أو إيران، التي لا يمكن القول
إنّها -بمجموعها- تصبّ في المصلحة العليا،
على المستوى العربي والإسلامي، ففي
الدولتين كما في دول "المحور الآخر"
ما يستدعي الحديث عن منطلقات ومعطيات
ونتائج أخرى لا يتّسع المجال لتفصيل فيها
في هذا الموضع.
إنّ الدعم من أيّ طرف خارجي ينطلق
أوّلا وأخيرا من معايير الصراع السياسي
وغير السياسي، الإقليمي والدولي، بمنظور
كلّ طرف على حدة، أي من المعايير التي
انطلقت حتى الآن دون أن يكون للإرادة
الشعبية موقعٌ "توجيهي فاعل" في
صناعتها، ولا يقابل ذلك سوى حالات نادرة،
أو حالات توافقٍ غير مخطّط له مسبقا.
في دولٍ تسودها أوضاع قويمة -نسبيا-
من صنع الإرادة الشعبية، التي تأخذ آنذاك
موقع تثبيت مرجعيّة الدولة، واختيار
السلطة، وصناعة القرار، ومراقبة تنفيذه
والمحاسبة عليه، يمكن في الحديث عن ظاهرة
"الاستقواء بالشارع" المفاضلة بين
خيارات متعدّدة لكلّ منها إيجابياته
وسلبيّاته، أمّا وهذه الأوضاع القويمة
مفتقدة إقليميا ودوليا فلا تسهل المفاضلة،
ولا يمكن الحديث إلاّ على سبيل المقارنة
بين حجم ما يمكن دفعه من المساوئ والأضرار
والأخطار.
هنا يكمن التأكيد أنّ تلاقي
شرائح سياسية وشعبية في لبنان وفلسطين، مع
قوى إقليمية تناهض العدوان الخارجي
والهيمنة الأجنبية، هو الأقرب إلى تحقيق
المصلحة العليا، على المستويات الوطنية
والإقليمية، وتستحيل رؤية ما يعادل ذلك أو
يفضله عبر التلاقي بين شرائح سياسية في
لبنان وفلسطين مع قوى أجنبية، كانت وما
تزال تعمل لفرض الهيمنة، وتمارس العدوان.
|