 |
|
صراع المحاور بالشرق الأوسط رأساه أمريكا وإيران |
وقعت الهزيمة الأمريكية في مسلسل
حروبها الجديدة بأسرع مما كان يتصور
كثيرون ممن تحدثوا عن قرن أمريكي
وإمبراطورية أمريكية وزعامة انفرادية
مهيمنة ونظام دولي أمريكي، والمهم الآن هو
ما ينبغي رؤيته في المرحلة الآنية بمنظور
المنطقة المستهدفة، أي مساعي صانع القرار
الأمريكي، سيّان بأي تركيبة سياسية
داخلية، أن يقلّص عواقب الهزيمة، وأن
يثبّت وسائل بديلة، لتحقيق بعض ما لم
يتحقق من الأهداف على الأقل. وبتعبير آخر:
الاستهداف مستمر بوسائل يجري تحديدها،
فتبقى المواجهة مفروضة ومصيرية.
بين الهزيمة والمخرج
التغيير المحتمل هو -بغض النظر عن
التسمية التي تشتهر إعلاميا أو إخراجا
وتسويقا- تغيير يقتصر على "نسبة" تكبر
أو تصغر من وسائل يراد بها الوصول إلى
أهداف بعيدة ومرحلية، معظمها ثابت، وإن
قُدّم بعضها وأُخّر بعضها الآخر. وما يجري
البحث عنه في واشنطن، وتهتم به العواصم
الغربية -وعواصم بلادنا أيضا- ليس "مخرجا"
للعراق أو المنطقة العربية والإسلامية
عموما، ولا ينظر بمنظور الضحايا والدمار
والفوضى والشعوب والحكومات والتيارات
المحلية، بل هو مخرج للدولة الأمريكية
نفسها من حالة الهزيمة، أو الورطة، أو "المستنقع
العراقي" وفق تعدّد التسميات، وهذا ما
يجب أن يحكم استيعاب ما يتم طرحه، ليمكن
التعامل معه تعاملا قويما.
أفغانستان سبق تسليمها لقيادة
حلف شمال الأطلسي، وهو إجراء يضع أعباء
عسكرية على دول أخرى في الحلف، ومعظمها
متردّد عن زيادة حجم مشاركته في الحرب أو
تغيير نوعيتها، ولم يعد يُنتظر أن يحتفظ
الحلف بما بقي من سيطرته العسكرية على جزء
من الأراضي الأفغانية زمنا طويلا، مما
يفسّر مضاعفة المساعي من أجل إيجاد بدائل
سياسية وتنموية، بعد إهمالها طويلا، على
أمل توظيفها بديلا عن إخفاق استخدام
القبضة العسكرية لضمان استمرار ربط
أفغانستان بالغرب عموما.
أما العراق فلم يعد في إمكان صانع
القرار الأمريكي النظر إليه مستقلا عن
عوامل إقليمية أخرى، فإذا وضعناها جانبا
مبدئيا، فلن نجد لدى أي جهة أمريكية تصورا
متكاملا عما يمكن صنعه. ونجد بالمنظور
الأمريكي:
أولا أن الانسحاب العسكري مطلوب
وأيضا غير ممكن لخطورة عواقبه.
وثانيا أن تحويل المهام القتالية
وما يسمّى الأمنية لقوى عراقية والاكتفاء
بالوجود العسكري في القواعد والثكنات
بعيدا عن المواجهة المباشرة مع القوى
المضادة، مهما كانت تسميتها وأوصافها،
أمر مطلوب أيضا، ولكن الدعوة إليه ومحاولة
تحديد إطار زمني ضبابي له، لا تواريان ضعف
التوقعات بشأن قابلية تحقيقه أصلا.
ونجد ثالثا أن تفتيت العراق
داخليا دون أن يؤثّر إقليميا بما يتناقض
مع الأهداف الأمريكية والغربية، كان جزءا
من السياسة المتبعة، وأوجد فراغا عسكريا
وسياسيا، لم يشغله "حلفاء" محليون
لقوة الاحتلال، بل خصومها الأشد خطرا على
الوجود الأمريكي إقليميا، أي إيران في
الدرجة الأولى.
لبنان شهد الهزيمة العسكرية
الأمريكية بوقع أبعد مغزى من العراق نفسه؛
فالعدوان الإسرائيلي كان بمثابة استخدام
الثكنة العسكرية الأمريكية المحلية التي
اعتُبرت إلى وقت قريب هي الوسيلة الأكثر
استخداما و"الأضمن" من سواها
بالمنظور الصهيوأمريكي، وكان إخفاقها
مضاعفا إذ لم يكن في حرب نظامية، بل في
مواجهة "قوة مقاومة" محلية محدودة
نسبيا.
فلسطين أيضا شهدت تلك الهزيمة
بصورة أخرى، فهنا كانت حلقة الحصار أشد
إحكاما على المستوى الدولي والإقليمي
وحتى المحلي الداخلي، وكان البطش العسكري
أفحش وحشيةً تصاحبه درجة مخزية وخطيرة غير
مسبوقة من الاستخذاء الإقليمي وحتى
التواطؤ، وهنا أيضا كانت المواجهة
العدوانية مع "قوة مقاومة" مسلّحة
محدودة، وشعبية فدائية محاصرة، فتحت
بدورها بابا مستقبليا جديدا لا جواب عليه
بالمنظور الصهيوأمريكي حتى الآن.
بين الفتن والتناقضات
العوامل الإقليمية ذات العلاقة
بهذه القضايا ليست مجردة عن سواها؛ فقضية
أفغانستان مثلا لا تؤثر باتجاه واحد على
باكستان وإيران، إنما هي ذات تأثير متبادل
معهما ومع مستقبل قضايا المنطقة
الإقليمية الأخرى.
كذلك محاولة تهييج الفتنة
الطائفية لا تعتمد فقط على ما صُنع صنعا في
العراق وجرت محاولة صنعه في لبنان، إنما
تعتمد في الوقت نفسه على بذور أخرى ذات
منطلقات محلية تمتد من باكستان عبر منطقة
الخليج حتى مصر نفسها.
ومستقبل قضية فلسطين لا ينفصل عن
مستقبل معظم قضايا المنطقة، بدءا بجولات
الصراع للتخلّص من الاستبداد والاستغلال،
مرورا بالعلاقات الأوروبية والروسية
والصينية والأفروآسيوية مع المنطقة
الإسلامية، انتهاء بمستقبل الثروة
النفطية وتوظيفها.
على هذه الخلفية يبدو من
التحركات الجارية أمريكيا أن البديل الذي
وجده صانع القرار الأمريكي عن هجمة
الهيمنة العسكرية هو ترسيخ الهيمنة
السياسية بوسيلة أخرى هي إثارة صراع
المحاور الإقليمية كما كان فيما سمّي "سياسة
الأحلاف" في الحرب الباردة، أو سمّي
العصر الذهبي للقومية والاشتراكية في
المنطقة العربية وبلدان أخرى من المنطقة
الإسلامية.
وإثارة صراع المحاور ليست قضية
خلافية بين جمهوريين وديمقراطيين في
الولايات المتحدة الأمريكية، ولا قضية
خلافية بين أوروبيين وأمريكيين في حلف
شمال الأطلسي. وأمريكيا على وجه التخصيص
بدأ العمل على إثارة صراع المحاور إقليميا
مع سقوط آخر محاولات تجاهل معالم الهزيمة
الأمريكية، وقبل الإقرار بها واقعيا مع
نتيجة الانتخابات النصفية عام 2006 وتساقط
بعض رموز مَن صنعها. ولم تكن غائبة عن
مضمون تقرير لجنة "بيكر-هاملتون"،
وإن أعطيت فيه عنوان وضع التعامل الأمريكي
مع قضية العراق داخل إطار حل مشكلات
المنطقة.
هنا لا يهم كثيرًا النجاح أو
الإخفاق في ترسيخ الصبغة الطائفية
للمحاور، لا سيما بعد ظهور العجز عن تثبيت
الصبغة الشيعية على ما يوصف بمحور إيران
وسوريا وحزب الله، لوجود قوى لبنانية
وفلسطينية أخرى على النهج نفسه، لا يمكن
أن تسري هذه الصبغة عليها. كذلك لا يمكن
بالمقابل الاقتناع بأن ما تسعى إليه
اللقاءات الرسمية الأمريكية المتعاقبة مع
المسئولين من دول بعينها في المنطقة، وهي
مصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي،
هو سعي ينطلق من كونها تمثّل "التيار
السنّي" في المنطقة العربية والإسلامية.
إن عنصر الفتنة الطائفية يمكن أن
يكون عنصرا مساعدا حيث يمكن إشعال أواره،
ولكن العنصر الأساسي في إثارة صراع
المحاور هو تثبيت تناقضات حقيقية وموهومة
ما بين القوى التي يراد أن تتحوّل في
المنطقة إلى "جبهات بديلة" عن
الجبهات التي أوجدتها الحروب الجديدة
الصهيوأمريكية، وتزعزعت بأسرع مما كان
ينتظره خصوم صانع القرار بصددها.
إن التناقضات الحقيقية
والموهومة بين إيران وسوريا من جهة
والسعودية ومصر من جهة أخرى -على سبيل
المثال- لا تقوم على أساس ترسيخ الاتجاه
الشيعي أو الاتجاه السني في الحياة
والحكم، إنما يراد لها أن تكون تناقضات
سياسية وأمنية واقتصادية، قد تؤدّي إلى
مواجهات مفتوحة تحقّق الأغراض
الصهيوأمريكية، دون حرب عدوانية يشنّها
طرف أجنبي، أو تؤدّي إلى إنشاء مزيد من
السدود والعراقيل والحواجز في وجه تعاون
إقليمي مصيري، لاستحالة الوصول دونه إلى
نهضة حقيقية شاملة للجميع، وإلى قوة
إقليمية على أساس تكتّل لا غنى عنه في
الأصل للتعامل مع عصر التكتلات الدولية.
وهذا ما قد يؤدّي على الأرجح إلى تكثيف
الحديث قريبا عما سقط من قبل تحت عناوين
"تسويات وتطبيع ومشاريع شرق أوسطية".
المحاور بين الألغام
اعتماد سياسة صراع المحاور على
غرار سياسة الأحلاف قبل عدة عقود لا يكشف
عن إبداع سياسي قدر ما يكشف عن العجز أيضا،
والتاريخ يشهد أن الأحلاف المعادية، مثل
ما عُرف بحلف بغداد ثم الحلف المركزي، لم
يؤدّ في حينه إلى كسر شوكة المسيرة
القومية والاشتراكية، بل ساهمت في
تقويتها وفي ولادة ما عُرف بحركة عدم
الانحياز، إنما كان انكسارها من بعد نتيجة
عوامل داخلية في مقدّمتها الاستبداد.
والآن أيضا لا يمكن أن يؤدّي
إنشاء محور أو تحالف مرتبط بأمريكا إلى
كسر شوكة المحور المستهدف الممتد من طهران
إلى دمشق وبيروت وغزة، بل سيساهم في
تقويته، وربما في انتشار العنصر الحاسم
الذي يعتمد عليه وهو ما يُسمّى ثقافة
المقاومة وممارستها، وإن سمّيت "ممانعة"
للتهوين من شأنها.
إنما يمكن أن تنكسر شوكة هذا
المحور نتيجة عوامل داخلية وذاتية، مثل
الوهم بإمكانية الاكتفاء بالمقاومة مع
استمرار الاستبداد، ودون مشروع نهضوي
شامل، ولهذا نجد الاستماتة في العمل على
تحويل الأزمة الداخلية الفلسطينية إلى
اقتتال داخلي، وعلى تحويل المعضلة
اللبنانية إلى مواجهة مفتوحة، ناهيك عن
إسقاط شعارات "نشر الديمقراطية وحقوق
الإنسان"، وجميع ذلك بعد أن أمكن بفعل
الاحتلال تحويل المقاومة العراقية إلى
عمليات ما زالت جارية نتيجة العجز عن
منعها، ولكن تطغى عليها أخبار التقتيل
الفاحش والتعذيب الإجرامي والتصريح
المتكرر بأن ما يجري هو حرب أهلية أو فتنة
طائفية، كوسيلة من وسائل العمل لإشعالها
فعلا.
إن عنصر الخطر على المحاور
الإقليمية داخليا -وهو ما لا يقتصر على
المحور المستهدف ولا تحمل المسئولية عنه
"الأصابع الأجنبية" فقط- هو عنصر
تثبيت الاستبداد، ومحاولة تصنيف العمل
لتحرير الإرادة الشعبية والرسمية على أنه
مجرد "فترة عابرة"، بحجة أن السعي
الأمريكي لذلك قد خبا واضمحل. وتعميم ذلك
مقصود للقضاء على الآمال الشعبية
المتجددة من وراء هدف التحرر "ذاتيا"
من الاستبداد والاستغلال الداخليين،
وبالتالي التحرر من الهيمنة والاستغلال
الخارجيين، علاوة على استخدام هذه
المقولة في ترسيخ الرؤية التبعية
الانهزامية على المستوى السياسي.
إن سياسة صراع المحاور لا يمكن أن
تخدم أي طرف محلي أو إقليمي في أي محور
منها، ولا يمكن أن تصيب بأضرارها وعواقبها
طرفا دون الأطراف الأخرى، ولكن قد تخدم
صانع القرار الصهيوأمريكي، ومن يماشيه
دوليا لمصالح ذاتية، وهذا ما يُرجى أن
يستوعبه صانع القرار داخل حدود بلادنا
العربية والإسلامية؛ فمن المستحيل أن
يتحرّر وتتحرّر السياسة التي يمارسها
صانع القرار من الهيمنة الصهيوأمريكية
إذا استمر على تلقّي ما يُلقى إليه، على
حسب الحاجة والظروف، حروبا عدوانية،
وتسويات ملغمة، وتهديدات متعجرفة،
وإغراءات زائفة، وهو ما يسري على عروض
الأحلاف والمحاور، سواء في ذلك مَن يبدو
مدعوما في إطارها أو مَن يبدو مستهدفا بها.
|