 |
|
د. عبد الوهاب المسيري |
يرجع الفشل الذي منيت به
الدبلوماسية العامة الأمريكية في تحسين
صورة الولايات المتحدة لدى الرأي العام
العربي والإسلامي إلى أن أسلوب عمل هذه
الدبلوماسية لا يهدف إلى فتح حوار مشترك
نقدي وندي في آن معا، بقدر ما يهدف إلى
إيصال رسائل أمريكية لتقديم نفسها كنموذج
للمجتمع الديمقراطي، وأن سوء الصورة عن
الأمريكيين إنما تعود لسوء أو قلة فهم
المجتمع الأمريكي.
ومن جانب آخر تتمثل مشكلة الجانب
العربي في رؤية الغالبية العظمى من جمهوره
أن الولايات المتحدة تبدو ككتلة واحدة
تأخذ من صراع الحضارات مجالا للتحرك،
بينما يتم تغافل كتلة أخرى ترى الحوار
ممكنا.
ذلك ما خلصت إليه ندوة "الدبلوماسية
العامة الأمريكية تجاه العالم العربي"،
والتي نظمها برنامج حوار بكلية الاقتصاد
والعلوم السياسية بجامعة القاهرة يوم 18
مايو 2006
الدبلوماسية العامة
وتحسين الصورة
وقد أوضحت د. نادية مصطفى، المشرفة على برنامج
حوار
الحضارات، أن الدبلوماسية العامة تعني
التوجه بالنقاش والحوار نحو القطاعات غير
الحكومية الرسمية، مثل مؤسسات المجتمع
المدني والقوى والتيارات السياسية
والصحفية؛ وذلك بهدف التعبئة لمساندة
سياسات الدولة المعنية أو بهدف التأثير في
مسار الإصلاحات في بعض الدول، باعتبار أن
هذا سبيل إصلاح وضمان الأمن العالمي.
أما السفيرة منى خشبة، مساعدة
وزير الخارجية المصري للشئون الثقافية،
فقد ذكرت أن هذا المفهوم تم استخدامه
للمرة الأولى عام 1965، وتهدف الولايات
المتحدة من خلال الدبلوماسية العامة إلى
زيادة تقبل الرأي العام في الدول الأجنبية
للسياسات الأمريكية والمجتمع الأمريكي
وتعميق الحوار بين المواطنين الأمريكيين
والهيئات الأمريكية ونظائرها في الدول
الأخرى، كما تهدف أيضا إلى زيادة معرفة
الولايات المتحدة بغيرها من المجتمعات
خاصة المجتمعات العربية والإسلامية.
وأوضحت السفيرة أنه بعد غزو
العراق خاصة، اتجهت الدبلوماسية العامة
الأمريكية إلى تعميق التواصل مع فئات
محددة في المجتمعات الإسلامية وهي فئات
الشباب والمتعاملين معهم؛ وذلك من خلال
أساليب وآليات كثيرة، ومع ذلك هناك عديد
من التقارير التي تشير إلى أن الصورة
السيئة للولايات المتحدة تعود بالأساس
إلى سياسيات الولايات المتحدة وليس
الإخفاق في إيصال الرسالة للمسلمين.
من جانبها، أشارت الباحثة
السياسية منى عقيل إلى أن الدبلوماسية
العامة في أمريكا تتضمن كافة الجهود
المنتظمة للتواصل مع الشعوب وليس
الحكومات الأجنبية، والهدف الأساسي من
ذلك يتمثل في صناعة عالم أكثر أمانا لصالح
الولايات المتحدة ومواطنيها وحلفائها،
ورأت أن مفهوم القوة الرخوة أو الناعمة
مساوي لمفهوم الدبلوماسية الشعبية، ولهذه
الدبلوماسية أبعاد ثلاثة هي:
أولا: بُعد الاتصال اليومي، ويتم
تحقيقه من خلال السفارات الأمريكية في
الدول العربية والإسلامية وخاصة المراكز
الثقافية، من خلال ما تنظمه من لقاءات
وندوات ثقافية للتعريف بثقافة وحضارة
المجتمع الأمريكي.
ثانيا: بُعد الاتصال
الإستراتيجي، وهو يرتبط بالدعاية
السياسية، ويهدف إلى وضع إستراتيجية
للدبلوماسية العامة لكي تتسق مع الوسائل
الأخرى لتحقيق السياسة الخارجية
الأمريكية، ويأتي في هذا السياق قيام
الولايات المتحدة بإنشاء إذاعة "سوا"،
وقناة "الحرة" الإخبارية ومجلة "هاي"،
غير أن عدم تلقي هذه الأخيرة قبولا لدى
القارئ العربي أدى إلى إيقافها.
ثالثا: البعد الخاص ببناء
العلاقات بين الشعوب، وهو يأتي في قلب
الدبلوماسية العامة، من خلال إرسال
البعثات الدراسية للدراسة في الولايات
المتحدة.
وفي هذا السياق، يرى كل من السيد
"هاينز ماهوني" والأستاذة "ماجدة
برسوم"، من خلال خبرة عملهما بالمركز
الثقافي الأمريكي بالقاهرة، أن المراكز
الثقافية الأمريكية تهدف إلى إمداد
الباحثين والصحفيين بالمعلومات الصحيحة
والدقيقة عن المجتمع الأمريكي على عكس
الصورة غير الصحيحة وغير الواقعية التي
تعرضها أفلام هوليوود. وتشير "برسوم"
إلى أنه في ظل تكثيف جهود الدبلوماسية
العامة، فقد عملت المراكز الثقافية في مصر
على توسيع الشريحة العمرية المستهدفة
لتشمل طلاب المدارس، ووجود أدوات كثيرة
للتعريف بحقيقة المجتمع الأمريكي من
بينها التبادل الثقافي، ودعوة محاضرين من
الولايات المتحدة لإلقاء بعض المحاضرات،
وترجمة العديد من الكتب الأمريكية إلى
اللغة العربية، منها كتب موجهة بالأساس
للأطفال والشباب الأقل من 25 سنة.
محتوى الرسائل الأمريكية
وفاعليتها
وفي إطار تحليل مضمون الرسائل
الأمريكية التي تهدف الولايات المتحدة
إلى رسمها لدى العربي، تقدم أ. داليا أحمد،
المعيدة بكلية الاقتصاد، تحليلا لنحو 892
مقالا أمريكيا نشر في الفترة من نوفمبر 2005
وحتى مارس 2006، على موقع وزارة الخارجية
الأمريكية باللغة العربية، والموجه حصريا
للناطقين بالعربية. ويبين التحليل أنه قد
تم التركيز على أربعة مؤشرات هي:
1- الدور الأمريكي في مجال مشاكل
التنمية ومكافحة الفساد والأمراض عالميا.
2- التعريف بالمجتمع الأمريكي
ثقافيا وسياسيا ودستوريا واقتصاديا
واجتماعيا.
3- جزء خاص بالسياسة الأمريكية
تجاه الدول غير العربية.
4- جزء خاص بالسياسة الأمريكية
تجاه الدول العربية.
ويخلص تحليل مضمون هذه المقالات
إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى رسم
صورة جيدة للمجتمع الأمريكي؛ حيث وصلت
نسبة التركيز على هذا المحور إلى 41% وهي
الأعلى، وجاء في المرتبة الثانية من
الاهتمام الجزء الخاص بالسياسة الأمريكية
تجاه الدول العربية بنسبة 35%، كما أظهر
التحليل سعي الولايات المتحدة إلى تقديم
نفسها كقائد للنظام العالمي نحو الحرية
والديمقراطية، وأنها نموذج للمجتمع
الليبرالي الديمقراطي الذي يحترم حقوق
الإنسان، كما أنها نموذج للانفتاح
الثقافي على دول العالم الثالث، وأن
الصورة السيئة المأخوذة عنها ترجع إلى سوء
الفهم بالمجتمع الأمريكي والسياسية
الأمريكية العالمية.
وحول معرفة مدى استعداد الشباب
المصري لتقبل هذه الرسائل الاتصالية
الأمريكية، والعوامل التي تساعد أو لا
تساعد على تقبلها، قام د. معتز بالله عبد
الفتاح، المدرس المساعد بكلية الاقتصاد،
بعرض نتائج لدراسة ميدانية أجراها لعدد 441
شابا وفتاة مصرية من طلبة كليات جامعة
القاهرة -باستثناء طلبة العلوم السياسية-،
حيث تم تحديد عدد من القضايا وتحليل آراء
المستطلع آراؤهم حولها قبل وبعد قراءة
العديد من المقالات المنشورة على موقع
وزارة الخارجية الأمريكية.
وكانت النتيجة على النحو التالي:
بالنسبة لقضية مدى جدية دعم الولايات
المتحدة لحل عادل للقضية الفلسطينية، وجد
أن معدل التغير قبل قراءة المقالات وبعدها
ضعيف جدًّا، وبلغ فقط 5% من العينة رأوا
جدية الولايات المتحدة في إيجاد حل عادل
للقضية الفلسطينية. وبالنسبة لقضية جدية
الولايات المتحدة للانسحاب من العراق كان
معدل التغير مرتفعًا، وبلغ 41% أي أنه حدث
تغير بعد قراءة المقالات. وبالنسبة لقضية
جدية ضغط الولايات المتحدة على الدول
العربية لتحقيق التحول الديمقراطي كان
معدل التغير كبيرًا أيضا، ووصل إلى 46%. وقد
وجد د. معتز أن هناك عوامل تساعد أو لا
تساعد على تقبل الرسائل الاتصالية
الأمريكية منها:
أولا: الديانة؛ حيث إن المسيحيين
(بالرغم من قلة نسبتهم في العينة) هم أكثر
استعدادا لتقبل الرسائل الأمريكية من
المسلمين.
ثانيا: الالتزام الديني؛ حيث إن
الشباب الأكثر التزاما بتطبيق الشعائر
المفروضة كانوا أقل استعدادا لتغيير وجهة
نظرهم.
ثالثا: الاشتغال بالسياسة؛ فقد
أظهرت الدراسة أن الشباب غير المشتغل
بالسياسة أكثر استعدادا لقبول الرسائل
الاتصالية الأمريكية وتغيير رأيهم بناء
على ذلك.
ومن جانب آخر، توضح الدراسة أن
مضمون الرسائل الأمريكية للجمهور العربي
تركز كثيرا على خصائص المجتمع الأمريكي
وقيمه، بينما تجاهل قضيتين جوهريتين
بالنسبة للعرب هما: القضية الفلسطينية،
وقضية الإرهاب.
الأمريكي والعربي.. كيف
تصنع الصورة؟
وقد تطرقت الندوة إلى صناعة
الصورة الذهنية لدى كل من الطرفين عن
الآخر، وتناولت خبرة التبادل الأكاديمي
والطلابي ودور وسائل الإعلام في هذا الأمر.
الدكتور عبد الوهاب المسيري يشرح كيفية
تكون الخريطة الإدراكية لدى الأمريكيين،
ويرى أن الصور النمطية التي يكونها
الإنسان عن الآخر ليست وليدة لأحداث
معاصرة، وإنما ترجع بالأساس إلى الخريطة
الإدراكية التي تتكون من خلال تراكمات
فكرية طويلة، وهذا ما تدركه المؤسسات
الرسمية الأمريكية، التي عملت على
المساهمة في تشكيل هذه الخريطة الإدراكية
عند الأمريكيين من خلال تبني فلسفة
برجماتية تقوم على إنكار الماضي والتعامل
مع الواقع في إطار تحكمي، حيث يتم تقديم كل
ظاهرة سياسية أو ثقافية مجردة من سياقها
التاريخي والاجتماعي، وبالتالي يمكن أن
تفرض عليها أي معنى، وقد نجحت أمريكا أيضا
في استغلال الدين.
ويرى المسيري أن ذلك قد لعب دورًا
كبيرًا في تكوين الخريطة الإدراكية عند
المواطن الأمريكي، اتسمت بالذاتية
واختفاء القدر اللازم من الموضوعية في
الحكم على الآخرين، هذه الخريطة
الإدراكية بالتتابع أثرت بشكل كبير على
تشكيل المصالح الإستراتيجية الأمريكية
التي توجه السياسات التي تحرك
الدبلوماسية الأمريكية، ويعد موقف
الولايات المتحدة الأمريكية من الإرهاب
وربطه بالإسلام دليلا على هذه الذاتية.
ويضع "المسيري" مجموعة من
العناصر لتغيير هذه الذاتية الأمريكية في
إصدار الأحكام تتلخص جميعها في إقامة حوار
مع الطرف الأمريكي. هذا الحوار له ثلاثة
مستويات متدرجة إذا لم يفلح أولها نأخذ
بما يليها، وهي:
المستوى الأول: الحوار الندِّي،
أي الحوار بين أنداد، ولكن الولايات
المتحدة لا تنظر للعالم الإسلامي على أنه
ند.
المستوى الثاني: الحوار النقدي،
ويتضمن إرسال رسائل لنقد السياسة
الأمريكية العالمية.
المستوى الثالث: هو الحوار
المسلح، ويضرب المسيري مثالا عليه
بالمقاومة العراقية التي أثرت بالسلب على
شعبية الرئيس بوش، وقادت إلى إدخال
تعديلات على سياسة إدارته.
وحول كيفية صناعة الصورة
الأمريكية في العالم العربي، كانت شهادات
وخبرات بعض الخبراء المصريين:
القس د. إكرام لمعي، أستاذ مقارنة
الأديان، وواحد من أبرز المشاركين في
جولات الحوار العربي مع الأمريكيين، يرى
أن الحوار قد فرض على العرب، وهم غير
مستعدين له، ولا يملكون أدواته، ويعود ذلك
إلى وجود أزمة داخلية وأخرى خارجية يعاني
منها المجتمع العربي.
وأكد لمعي أن العرب يعاملون
الولايات المتحدة ككتلة واحدة وفي ذلك
تبسيط مخل، فالأمريكيون منقسمون في مجال
النظر إلى العالم العربي إلى كتلتين:
إحداهما مع تصادم الحضارات
والإيمان فقط بنموذج الديمقراطية
الأمريكي، وأن الإسلام هو العدو البديل
بعد سقوط الشيوعية، ومن ثم بلغت من
القناعة درجة عدم الضغط على الحكومات
المستبدة الموجودة حاليا خوفا من البديل
الإسلامي.
أما الكتلة الأخرى، والتي على
العرب تعزيز التعاون معها، فهي مع حوار
الحضارات، ورغم أنها ترى أن الإسلام يمثل
تحديا جديدا أمام أمريكا، فإنها ترفض
التعميم في الحكم على المسلمين، وتنفي
خطورة الإسلام على الحضارة الغربية،
ولديها قناعة بأن وصول الإسلاميين للحكم
لا يعد مشكلة بل ربما سيتعاملون مع الواقع
الدولي بشكل أفضل لأنهم يميلون للتحاور مع
الولايات المتحدة.
وتقترب د. منار الشوربجي، مديرة
مركز الدراسات الأمريكية بالجامعة
الأمريكية بالقاهرة، من هذا الرأي؛ حيث
ترى أن غالبية الدراسات العربية تقوم على
الصور النمطية المأخوذة عن الولايات
المتحدة، والتي تختزل كل الاختلافات
والتنوعات داخل الولايات المتحدة في قالب
واحد يتمثل في السياسية الأمريكية "المحافظة"،
مشيرة إلى وجود العديد من الحركات
الاجتماعية المناهضة للسياسية الأمريكية
الحالية، وهى تتخذ أشكالا متعددة، مثل
مجموعة مناهضة العولمة، ومجموعة مناهضة
الحروب الإمبراطورية، ومجموعة الحوار
الثقافي التي تدعو إلى احترام التنوع
الإثني والديني.
وتشير د. منار إلى أن كل هذه
المجموعات تتداخل مع بعضها حركيًّا
وفعليًّا ولا يقتصر عملها على الداخل
الأمريكي فقط، بل تسعى أيضا إلى التواصل
مع نظائرها في الخارج؛ الأمر الذي يدفع
بضرورة أن تعمل مراكز الأبحاث المصرية
والعربية من أجل إرساء دعائم التعاون مع
هذه الحركات، والقيام بدراسات مشتركة من
أجل التعرف على أمريكا الأخرى، التي يمكن
التعامل والتواصل معها، وكذا من أجل
الإسهام في تصحيح الصورة المغلوطة عن
العرب والمسلمين في أمريكا.
ومن جانبه، يرى الأستاذ عاطف
الغمري، الكاتب الصحفي بالأهرام، أن هناك
مجموعة من العناصر تتحكم في طريقة توجيه
الإعلام الأمريكي منها النفوذ اليهودي،
وطبيعة ملكية وسائل الإعلام في أمريكا
لشركات كبرى توجه الإعلام بما يتلاءم مع
مصلحتها ومصلحة القوى التي تمولها، كما
يرى أن المناقشات التي تدور في أمريكا بين
ليبراليين وديمقراطيين تلعب دورا في
توجيه الإعلام الأمريكي، ومن ذلك النقاش
حول إعادة النظر في إستراتيجية بوش للأمن
القومي الأمريكي، والتي أسهمت بشكل ما في
قيادة حملة إعلامية تنتقد الحكومات
العربية فيما تجريه من إصلاحيات سياسية
واقتصادية، وتغيير وجهة النظر بشأن ما
يعرف بـ "الإرهاب الإسلامي"، والبحث
بدلا من ذلك عن جذوره المتمثلة في غياب
الديمقراطية والحرية في العالم العربي.
وأخيرا، وكما يشير د. عبد الموجود
الدرديري، أستاذ مساعد بقسم اللغة
الإنجليزية بجامعة جنوب الوادي، والذي
درس بالولايات المتحدة لمدة 15 عاما، فإن
المشكلة بين الطرفين الإسلامي والأمريكي
ما زالت تتمثل في وجود نقص كبير في
المعلومات المتبادلة بين الطرفين، ذلك أن
المعلومات المتوافرة عن المسلمين في
أمريكا أكثرها مغلوطة، وثمة من يستفيد من
وجودها بهذا الشكل.
ويرى الدرديري أن الحوار كي يكون
مثمرًا بين الولايات المتحدة والدول
العربية والإسلامية، فلا بد أن يخلو من
الانبهار بالبديل الأمريكي، وأن يقدم
المسلمون صورتهم كما هي، وليس كما هي
مصورة في أذهان الآخرين، وبدون ذلك لن
يسهم المسلمون بشكل إيجابي في الحوار.
|