|
الفصل الأحادي.. جذور قديمة |
|
ديفيد
ماكوفسكي**
ترجمة موجزة: مروى صبري
|
27/05/2006
|
|

|
|
إريل شارون نفذ أول عملية انسحاب أحادي إسرائيلية بدعم أمريكي.. هل يكررها أولمرت؟ |
|
اقرأ
محاور الدراسة، وهي:
|
تأتي
خطة "أولمرت" في وقت يؤيد فيه
الرأي العام الإسرائيلي كلا من
الانفصال عن الفلسطينيين والإجراءات
الانفرادية لتحقيق ذلك. وتعتبر الخطة
بمثابة حصاد نقاش داخلي تم لفترات
طويلة، إضافة إلى تجارب التفاوض مع
الفلسطينيين.
إن
التوجهات أحادية الجانب التي برزت مرة
ثانية عام 2006 ينبغي النظر إليها في
الإطار الأوسع للصورة التي جاءت عليها
جهود تحقيق السلام. فقد شكلت الجهود
الثنائية مع وجود وساطة أمريكية
التوجه المفضل فيما يتصل باتفاقات
السلام مع مصر والأردن والمفاوضات مع
سوريا، وأصبحت النموذج لجهود صنع
السلام بين الإسرائيليين
والفلسطينيين منذ اتفاقات أوسلو عام
1993 حتى نهاية فترة رئاسة "كلينتون"
عام 2000.
بيد
أن تلك الجهود الثنائية التدريجية
لتحقيق السلام انهارت بانهيار اتفاقات
أوسلو، وما أعقبها من اندلاع أعمال عنف
وإرهاب خلال الفترة ما بين عامي 2000 و2004.
وقد خلق ذلك أزمة ثقة كبيرة بين
الجانبين لدرجة جعلت كل منهما يشك في
جدوى فكرة عملية صنع السلام نفسها.
ويعد ذلك إلى جانب قلق إسرائيل من
انعدام الشعور بالمسئولية لدى الطرف
الآخر، السبب وراء قرار إسرائيل بناء
الحاجز الأمني والانسحاب من غزة
والتفكير بشأن المزيد من فك الارتباط
في الضفة الغربية.
جذور
جهود الفصل
فكرة
الفصل ما بين الشعبين الإسرائيلي
والفلسطيني تتسم بالقدم. وترجع إلى
الشعور بأن كلا من العرب واليهود
الإسرائيليين يتمسك بادعاءات قومية
حول أحقية السيطرة على قطعة صغيرة من
الأراضي، وقد تفاقمت الفجوة نتيجة
الاختلافات في الديانة واللغة
والثقافة، مما ترتب عليه بذل أطراف
ثالثة لجهود للفصل الجغرافي بين
الجانبين.
ومن
أولى تلك المحاولات تقرير لجنة "بيل"
التابعة للحكومة البريطانية الصادر
عام 1937. وبعد عقد دعا قرار التقسيم
الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947 لإقامة
دولتين عربية ويهودية منفصلتين في
فلسطين والربط بينهما من خلال اتحاد
اقتصادي. وفي كلا الحالتين قبل التيار
الرئيسي داخل الحركة الصهيونية بفكرة
التقسيم بينما رفضها الفلسطينيون.
وقد
عادت فكرة الفصل بين الجانبين للظهور
بعد ذلك كأساس لسياسة حزب العمل
الإسرائيلي خلال الفترة اللاحقة لحرب
عام 1967. خلال تلك الفترة كانت لدى الحزب
رؤية للتوصل إلى تسوية مع الأردن التي
سيطرت على الضفة الغربية على مدار
العقدين السابقين. لكن رؤية حزب العمل
لم تتحقق نتيجة تردد الأردن حيال فكرة
الدخول في مفاوضات مع إسرائيل، ولأنه
بحلول عام 1974 خشي الإسرائيليون من أن
يؤدي قيام دولة فلسطينية بقيادة "عرفات"
إلى تهديد وجود إسرائيل. ونتيجة تلك
المخاوف، إلى جانب عوامل أخرى، فاز حزب
الليكود بالسلطة بعد فوز ساحق في
الانتخابات عام 1977 وتلاشت فكرة
التقسيم، حيث عارض الحزب مثل تلك
التسويات، بل إن حركة بناء المستوطنات
التي أيدتها القيادة الجديدة للحزب
داخل الضفة الغربية جعلت مسألة الفصل
أمرا أشبه بالمستحيل.
ثم
عاودت فكرة التقسيم الظهور في مؤتمر
مدريد للسلام عام 1991. ومع انتخاب "إسحاق
رابين" رئيسا للوزراء في إسرائيل
عام 1992، كان بمثابة الأب الروحي لفكرة
الفصل بين الجانبين.
وقد
بدأ "رابين" في الإعلان بصورة
أكثر وضوحا عن فكرة الفصل في أعقاب
وقوع عدد من أعمال العنف منها تفجير
انتحاري في تل أبيب، وشكل لجنة "شحال"
برئاسة وزير الداخلية وزميله في الحزب
"موشيه شحال" لتحديد سبل بناء
حاجز أمني في الضفة الغربية للفصل بين
الإسرائيليين والفلسطينيين. وأوصت
اللجنة ببناء حاجز أمني به العديد من
نقاط العبور. وفي عام 1995 بدأ العمل
بالفعل في بناء حاجز فصل حول غزة. غير
أنه لم يتم بناء حاجز فصل في الضفة
الغربية في ذلك الوقت، ويعد ذلك بصورة
جزئية نتيجة اغتيال "رابين" في
نوفمبر عام 1995. علاوة على ذلك اتسمت
مسألة بناء جدار بالحساسية خلال تلك
الفترة لأنه كان من الممكن النظر إليها
باعتبارها تحمل في طياتها ضمنيا بناء
حدود بين الجانبين.
ثم
تم تجميد فكرة الفصل لعدم تفضيل خلفاء
"رابين" لها لأسباب مختلفة. فعلى
الرغم من أن "شيمون بيريز" الذي
تولى رئاسة الوزراء في أعقاب اغتيال
"رابين، أيد شفاهة الفكرة، فإنه من
الناحية الفعلية كان يخشى من أن تعوق
التكامل الاقتصادي بين الإسرائيليين
والفلسطينيين، الذي رأى أنه عامل
جوهري وراء تحقيق السلام بين الجانبين.
أما "بنيامين نتنياهو" الذي خلف
"بيريز" عام 1996 فقد تجنب فكرة
الفصل لمعارضة الفرق الممثلة
للمستوطنين داخل ائتلافه لها.
وقد
عادت فكرة الفصل من جديد بتولي "إيهود
باراك" رئاسة الوزراء عام 1999،
فبحلول وقت انتخابه بات الرأي العام
الإسرائيلي ينظر إلى الفصل باعتباره
الجائزة وقيام دولة فلسطينية باعتباره
الثمن الذي يتعين تقديمه. اقترح "باراك"
محاولة تحقيق الفصل من خلال التعاون
الثنائي، وفي حال تعذر ذلك، يمكن اتخاذ
تحركات في هذا الاتجاه بصورة انفرادية.
وعلى سبيل المثال تعهد "باراك" في
حملته الانتخابية عام 1999 بمحاولة
التوصل إلى سلام مع سوريا، ولكنه تعهد
كذلك بالانسحاب من لبنان في حالة عدم
التوصل إلى اتفاق خلال عام. وبالفعل
غادرت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي
لبنان في مايو 2000. وبمرور الوقت بدأ "باراك"
في تطبيق نفس التوجه في التعامل مع
الضفة الغربية. ففي أعقاب فشل قمة "كامب
دافيد" عام 2000، بات يفضل فكرة بناء
حاجز على أن تكون به بوابات لتنظيم
التفاعل الاقتصادي بين الإسرائيليين
والفلسطينيين.
وقد
كان من شأن فشل "كامب دافيد"
واندلاع الانتفاضة الفلسطينية
الثانية أن تزايدت شعبية فكرة الفصل
لدى الرأي العام الإسرائيلي، رغم تحطم
"باراك" سياسيا ومعه آمال تحقيق
السلام.
شارون
وفك الارتباط
جاءت
الخطوة التالية على طريق التوجه
الانفرادي في مطلع اندلاع الانتفاضة
الفلسطينية الثانية، فخلال السنوات
التي تمتعت فيها اتفاقات "أوسلو"
بالقوة أوكلت إسرائيل مسئولية محاربة
الإرهاب داخل المناطق الفلسطينية إلى
السلطة الفلسطينية وحاولت عدم الدخول
إلى المناطق الخاضعة للسلطة، لكن
أثناء الانتفاضة الثانية، قررت
إسرائيل مطاردة الإرهاب أينما يقع وفي
عام 2002 دخلت مدن الضفة الغربية. وذلك
بصورة منفردة. كما مثل البدء في بناء
الجدار العازل في نفس العام طريقا آخر
للتحركات أحادية الجانب، وحمل هدفين
هما مكافحة الإرهاب وإمكانية تطبيق حل
قيام دولتين.
وبالفعل
بدأ "شارون" بعد توليه رئاسة
الوزراء في مطلع 2001 في بناء حاجز في
الضفة الغربية، وهو أمر ينطوي على
مفارقة كبيرة بالنظر إلى معارضة "شارون"
على مدار فترة طويلة لتلك الفكرة
باعتبار أن مثل هذا الحاجز من شأنه خلق
دولة فلسطينية فعلية في الضفة الغربية
وسيترك الكثير من المستوطنات
الإسرائيلية داخلها.
ويمكن
القول بأن أحد العوامل الجوهرية وراء
هذا التحول في فكر "شارون" يتمثل
في التأثير الذي خلفته أعمال العنف على
الرأي العام الإسرائيلي. فعلى مدار
عقود عديدة اعتبر "شارون" أن قيام
دولة فلسطينية يهدد المشروع الصهيوني،
غير أنه خلال السنوات الأخيرة تغيرت
وجهة نظر "شارون"، حيث أصبح
مقتنعا بأن مبدأ وجود كيانين سياسيين
إسرائيلي وفلسطيني منفصلين هو أمر
مرغوب فيه لعدة أسباب. منها، الحفاظ
على هوية إسرائيل باعتبارها دولة
يهودية، وتخليص إسرائيل من الأعباء
الاقتصادية والأخلاقية على الصعيد
الداخلي، والسماح لها بالخروج من
دائرة الدولة المنبوذة على صعيد
المجتمع الدولي والتخفيف من مشاعر
الكراهية العربية تجاهها.
علاوة
على ذلك، يبدو أن تفكير "شارون" في
الانسحاب من غزة تأثر بالعديد من
الاعتبارات الإستراتيجية التي
بمقدورها مساعدة إسرائيل في صياغة حل
قائم على فكرة وجود دولتين، ومنها:
أولا، الوضع السلبي المرتبط
بالتوازنات الديموغرافية بين اليهود
والعرب، وثانيا، رأى "شارون" أنه
بتنازله عن غزة التي لا يعتقد أنها
تشكل أهمية حيوية من الناحية
الإستراتيجية لإسرائيل، سيصبح في
إمكانه ضمان أصول إستراتيجية داخل
الضفة الغربية مثل التكتلات
الاستيطانية. ثالثًا: كان هناك تحول في
المناخ الدولي العام، حيث أنه بحلول
عام 2003 والحرب في العراق، عملت
الولايات المتحدة على أن تظهر للعالم
أنها جادة في سعيها لإحراز تقدم على
صعيد عملية السلام وأصدرت وحلفاءها
خطة "خارطة الطريق" وأصبح الرئيس
"بوش" أول رئيس أمريكي يعلن بصورة
واضحة أن الحل القائم على وجود دولتين
جزء من السياسة الرسمية لبلاده. وفي
أغسطس 2005 قاد "شارون" فك الارتباط
الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة
وبعض المستوطنات في شمال الضفة
الغربية.
اقرأ
أيضا:
**
زميل ومدير
مشروع عملية السلام بالشرق الأوسط
بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
والدراسة نشرت على موقع المعهد في شهر
مايو 2005، ضمن سلسلة Policy Focus، العدد رقم
55، تحت عنوان: "خيار أولمرت الأحادي:
تقييم أولي". طالع
أصل الدراسة
|