يرى أ.أنور أن القضاء يستطيع أن يكون قضاء مستقلا وحديثا، وأن أمام القضاة مهمات لإصلاح القضاء، وهنا يقع جزء كبير على عاتق القضاة أنفسهم، والجزء الآخر على عاتق النظام. وقد اقترح قانون استقلال السلطة القضائية في عام 1991، وإقراره حق للقضاة، وواجب على الدولة، ومن غيره تضعف دولة القانون، ويفقد القضاء جزءا من استقلاليته، وفقدان هذا الجزء يسمح بتدخل السلطات الأخرى في نفوذه بنفس المقدار.
وفي
هذا السياق يوكل للقضاة مهمة الإشراف
على الانتخابات، والقضاة يمارسون عملهم
بما يمليه عليه ضميرهم، وهنا تنتهي مهمة
القضاء باعتباره سلطة من سلطات الدولة،
من حقه أن يمارس سلطته، ويفصل بينها
وبين سلطات الدولة الأخرى، ولا يتدخل في
شئونها، وألا يتحول إلى سلطة رأي عام،
وهي سلطة رابعة توجد مجازيا في الصحافة
وبقية وسائل الإعلام وقوى المجتمع
المدني.
ومن
ثم ينبغي للقضاء أن يكون من حوله سور،
لكن القضاة في لحظة سيولة ولحظة اضطراب
وفوضى، انزلقت منهم الأمور وانهارت
كثير من الحواجز دخل بعضها في بعض،
وأولى بالقضاة أن يعودوا لمحراب
القضاء، فلو نزل القضاة إلى الشارع، فإن
ذلك لا يقل خطورة عن نزول العسكر، وهو
يمثل انقلابا على الشرعية، لأن شرعية
الدولة تأتي من عدة مؤسسات رئيسية، منها
(القضاء، والجيش، والدبلوماسية،
والبيروقراطية)، ونزول القضاة للشارع
هو انقلاب على الشرعية.
وحين
تنقلب على الشرعية تبحث عن شرعية بديلة
قد تكون في الشارع، وهو ما حدث في
الحقيقة، فانهارت الحواجز وفاض الطوفان.
ودليل ذلك أن هناك قاضيين رفعا أيديهما
مشيرين بعلامات النصر، في تقليد غير
سائد حتى بين رجال السياسة في مصر، ولم
يعرفه العرب إلا من الراحل ياسر عرفات.
ويرى
الهواري ضرورة أن يعمل القضاة من داخل
مؤسسة القضاء، وأنهم لو نجحوا في إضفاء
القدر اللازم من الاحترافية القانونية
والاستقلالية المهنية والأخلاقية،
فسيكونون قد أنجزوا عملا إصلاحيا عظيما.
وحول
أسلوب تعامل الأمن المصري مع
المتظاهرين، يؤكد الهواري على أمرين،
الأول: أن هذا الأمر ليس جديدا، لكن
الجديد أن الناس قد صار لديها تخيل بأن
هناك روادع خارجية تغل يد النظام، وهذا
غير صحيح، فالجهات الأجنبية انصرفت عن
المطالبة بالديمقراطية، وأعطت أمريكا
شهادة ميلاد جديدة لنظام عربي (ليبيا)
يبعد كل البعد عن أي ممارسات ديمقراطية،
وعلى القوى السياسية المصرية أن تخرج من
هذا الوهم سريعا ولا تراهن عليه.
وأما
الأمر الثاني فهو أن اشتداد قبضة الأمن
اليوم ليس سمة مصرية أو مقتصرا على
العالم الجنوبي المتخلف، لكنها سمة
باتت تميز عوالم الشمال الديمقراطي
المتقدم، كما في فرنسا والولايات
المتحدة حيث أصبحت تشدد القبضة الأمنية
تجاه أحداث كانت تقابلها في السابق بقدر
من التسامح، وهذا بدوره يعود إلى
الطبيعة العالمية التي نحياها اليوم
جراء ما يسمى بالحرب على الإرهاب.
وحول
انعكاس هذه الأحداث على قضية الإصلاح في
مصر، يرى الهواري أن السلطة المصرية هي
سلطة مركزية مستقرة لسبعة آلاف عام،
وهناك شعب مصر ساكن لسبعة آلاف عام، وأن
ما يجري الآن ليس حراكا سياسيا ولا حركة
من أجل الإصلاح، لكنه صراع نخب على
السلطة والامتيازات والمنافع العامة
والخاصة.
وحركة
كفاية تجمع في غالبيتها شراذم احترفت
التظاهر بسبب وبغير سبب منذ ثلاثين
عاما، والإخوان هم الإخوان يطلون
برءوسهم في كل مرحلة ليربكوا الأوراق
وتعود الأمة للمربع رقم واحد.
ويضيف
الهواري أن الشعب المصري في الأقاليم
وحتى في ضواحي القاهرة لا يبالي، وأن
الساحة السياسية المصرية يسودها طقس
ربيعي عادي مشمس نهارا لطيف مائل
للبرودة ليلا إلا من بؤر قليلة في
العاصمة تسودها بعض الزوابع في فنجان،
وأن "الديمقراطية لا طلب عليها
للمستهلك المصري حتى لو وصلت إليه جاهزة
على باب المنزل".
**
الدكتور: عبد الله الأشعل الخبير
القانوني والسياسي، والدبلوماسي
المصري السابق:
يؤكد
الأشعل بداية أن القضية كلها تركزت في
خلاف صارخ بين فريق من الشرفاء في وزارة
العدل المصرية، وبين الدولة المصرية،
وهو خلاف حول رغبة القضاة في أن تكف
السلطة التنفيذية يدها عن التدخل في
شئونهم، ورغبتهم في معاقبة المزورين،
وبين رغبة الدولة المغايرة التي لا تريد
محاسبة المقصرين.
ويرى
الأشعل أن "موقف الدولة إجمالا قد
اتسم بالسلبية من مطالب القضاة،
فالإصرار على المحاكمة في حد ذاته، ثم
المحاكمة، رغم الاعتراض والإثارة التي
انتابت الشارع المصري، وعدم أخذ الرأي
العام في الحسبان، هو دليل على تمسك
الدولة بعدم محاكمة المزورين في
الانتخابات التشريعية السابقة، وتحويل
أصل القضية لمسارات أخرى، الأمر الذي
يشكل إدانة للنظام من جانب، ووضوح عدم
جديته على السير في طريق الإصلاح من
جانب آخر، وتلك رسالة واضحة وجهها
النظام إلى المعارضين عبر قضية محاكمة
القاضيين الإصلاحيين".
ويضيف
الأشعل: "إن الدولة تعتبر نفسها
المنتصرة في هذه القضية رغم طبيعة الحكم
الذي صدر، والذي رآه البعض مخففا. إلا أن
الحكم في حد ذاته إدانة للدولة التي لم
تغير موقفها من المتظاهرين ولم تتحاور
مع قطاعات الرأي العام رغم الغموض الذي
يكتنف المستقبل المصري".
وبالنسبة
لموقف القضاة بعد انتهاء هذه القضية،
يعتقد الأشعل أنه وإن كان الحكم قد قصد
به التفريق بين القضاة، فإنه غير وارد
حدوث أزمة داخلية، بل على العكس سيزيد
هذا الحكم من حالة الاحتقان داخل الهيئة
القضائية ويزيد من الاعتراض على المجلس
القضائي، وعلى رئيس محكمة النقض.
وأضاف:
"إن القضاة هم أمل الإصلاح ورجاله،
وإن المعركة الإصلاحية بينهم وبين
النظام لم تحسم بعد بل ستتخذ منحى أكبر،
إلى القدر الذي قد يجعل من حركة القضاة
ما يشبه حركة الضباط الأحرار مع فارق
واحد أنهم يستخدمون القانون وليس القوة
المسلحة".
وحول
سؤاله عن محاذير يطلقها البعض حول
مخالفة بعض القضاة ومحاولتهم القيام
بلعب دور سياسي، أجاب الأشعل بالنفي
قائلا: "القضاة متهمون بممارسة نشاط
سياسي، وهذا غير صحيح. فالشاهد هو قيام
بعض الشرفاء منهم بالإبلاغ عن وقوع
مخالفات وتزوير في الانتخابات
التشريعية لدى وزارة العدل، ولما لم تتم
الاستجابة لجأ القضاة إلى الرأي العام.
ولدى حديثهم إلى بعض الفضائيات كان ثمة
موضوع جوهري قابل للنقاش، وهم لم يقولوا
بأنهم ضد الدولة أو النظام، وعلينا أن
نعلم أن القضاة هم مواطنون لهم حق
المشاركة وليس الانغلاق على الذات".
**
الدكتور: جهاد عودة رئيس قسم العلوم
السياسية بجامعة حلوان:
يرى
عودة أن الحكم القضائي الصادر بشأن
القاضيين مكي والبسطويسي قد جاء
متوازنا وعادلا، وليس له مغزى سياسي أو
مغزى أيديولوجي، فهو حكم قانوني بحت، تم
وفق مسألة قضائية يتم من خلالها تقديم
الأوراق وبعض الحجج القانونية
وتفنيدها، فيتم الاستجابة لمقولات
واستبعاد أخرى. وذلك بغض النظر عن رأي
المستشار مكي في الحكم، إذ دائما ما يرى
أي متهم في أي قضية أشياء من وجهة نظره
يرى القاضي نقيضها".
وحول
سؤاله عن قيام قوات الأمن المصرية
بإجراءات عنيفة لمقابلة التظاهرات
التضامنية مع القاضيين مكي والبسطويسي،
يذكر د.جهاد أن "مسألة حفظ النظام
العام هي من شأن وزارة الداخلية، وقد
قامت بعمل بيان مسبق بعدم التظاهر،
وبالتالي فإن محاولة كسر أوامر السلطة
العامة هو رغبة من الإخوان ومن غيرهم
ممن لا يريدون استقرار النظام للقضاء
على فكرة النظام العام واحترام القانون.
فالتظاهر حق بالطبع، لكنه مثل أي حق آخر
كحق الملكية مثلا له قواعد وقوانين
معينة تنظمه، ولا يجوز الخروج عليها".
ويضيف
عودة: "إن البعض حول المسألة من قضية
قانونية إلى صراع سياسي، والبعض قد خرج
عن استخدام الموارد القانونية المتاحة،
فالحق شيء، وممارسة الحق شيء آخر،
فالقضاة من حقهم التعبير عن الرأي، ولكن
ليس من حقهم قانونا أن يعلنوا من فاز
بالانتخابات ومن لم يفز". ويشير د.جهاد
إلى أن الحادث هو أن نادي القضاة، وهو في
النهاية مؤسسة اجتماعية خاصة بالقضاة،
وليس من هيئات الدولة أو جزءا رسميا من
السلطة القضائية، قد اغتصب حقا من حقوق
محكمة النقض، ما يدل على أن المسألة
صارت في نطاقها القانوني نظرا لوقوع
مخالفة قانونية".
وحول
السؤال عن حقوق القاضي في التعبير عن
آرائه، يذكر د.جهاد أن المسألة لها
شقان، الأول أن القاضي مواطن، والمواطن
له الحق في التعبير عن رأيه، والشق
الثاني أن هناك مهنا معينة يجري فيها
تنظيم المواطنة في إطار المهنة (شأن
التنظيم العام)، وهنا تكون لمسألة
ممارسة الاعتراض وضعية خاصة ينظمها
القانون، ويسري ذلك على القضاة وضباط
الجيش وضباط الشرطة. ويعطي د.جهاد مثلا
على ذلك بأنه لا يحق قانونا للمنضمين
إلى هيئة البريد في الولايات المتحدة
ممارسة حق الإضراب، ومخالفة ذلك يمثل
جريمة فيدرالية في القانون الأمريكي".
**
الأستاذ: بهي الدين حسن مدير مركز
القاهرة لدراسات حقوق الإنسان:
يرى
حسن أن "ما حدث مع القضاة هو أحد
تطبيقات قرار سياسي واضح تم اتخاذه منذ
أسابيع، بعدم التسامح مع الحراك
السياسي الموجود بمصر، ومحاولة من
النظام لإرجاع الأمور إلى المربع رقم
واحد لما قبل منتصف عام 2004 عندما نشأت
حركات احتجاج وتأسست مجموعة من الصحف
الجديدة المستقلة. ويكمل هذا المشهد
الممارسة الفعلية التي قامت بها وزارة
الداخلية من إعلان عدم التظاهر، وقبل
ذلك اعتقالات 24 إبريل الماضي، وقبلها
ممارسة عدة انتهاكات أثناء الاستفتاء
على المادة 76، ثم في الانتخابات
التشريعية".
بكلمات
أخرى: "يتمثل المغزى من هذه المحاكمة
في تركيع وقمع وإخضاع حركة المقاومة
السياسية التي ولدت في العامين
الماضيين".
وحول
سؤاله عن أن المحاكمة هي في الأصل
قانونية الطابع، يجيب أ.بهي بأنه "من
يريد التحدث عن القانون فعليه أن يتساءل
عن موقع هذا القانون من أحداث التحرش
الجنسي (25/5/2005) ومن الاعتداء على القضاة
والصحفيين والإعلاميين أثناء
الانتخابات التشريعية، ومن مذبحة
السودانيين عندما قتل 30 شخصا في ثلاث
دقائق، فأين القانون؟".
ويضيف
بهي: "إن العسف العلني بالقانون
وبالقضاء خلال العام الماضي هو الذي حول
مسألة استقلال القضاء لمطلب شعبي، وليس
مطالب محدودة، فالدولة لا تستخدم
القانون إلا وفق توجهاتها السياسية،
ولنا أن نتساءل نحن: كيف تنشأ قوة تابعة
للأمن وترتدي زيا مدنيا؟ هذا اعتداء على
القانون ربما لم يحدث مثيله بهذا القدر
سابقا".
أما
عن مشروعية نزول بعض القضاة إلى الشارع،
يؤكد بهي على أن "القضاة قد أجبروا
على ذلك، فإما الإشراف على الانتخابات
بنزاهة أو لا".
"وما
طلب من القضاة في الواقع هو أن يكونوا
شهداء زور -أو على الأقل قصد تورطهم في
عمليات التزوير- فضلا عن تعرضهم لمعوقات
عدة لأداء دورهم المنوط بهم أثناء
الانتخابات وتعرض بعضهم للضرب، إضافة
إلى الاعتداء على الإعلام ومنع
الناخبين من الوصول إلى مراكز الاقتراع.
لذا لم يكن للقضاء بد بعد أن نفدت جميع
الوسائل".
ويضيف
بهي: "إن القضاة في الواقع لم يمارسوا
السياسة، لكنهم مارسوا حرية التعبير عن
رأيهم بعيدا عن أي انتماء لبرنامج
سياسي، وهذا حق يتيحه القانون
والدستور، ولم توجد أي من المواد
القانونية التي تنزع منهم حرية
التعبير، وهنا تجدر الإشارة إلى أن
مذبحة القضاة التي تمت في عهد عبد
الناصر كانت بسبب رفض القضاة الوقوف إلى
جانب حزب سياسي بعينه".
ويؤكد
أ.بهي أنه حتى من الناحية القانونية، لو
كان هناك خروج عن القانون من القاضيين
مكي والبسطويسي لما خرج الحكم بهذه
الكيفية، ولعوقب القاضيان أشد عقاب.
وعن
مدلول تحرك القضاة والالتفاف حولهم من
قبل فئات مختلفة من الشارع السياسي
المصري، يذكر بهي أن "القضاة لم يسعوا
لذلك، لكنهم بشكل أو آخر باتوا مركز
آمال ملايين المصريين لكسر شوكة احتكار
السلطة التنفيذية للحكم".
ويرى
بهي أنه "بغض النظر عن طبيعة من ناصر
القضاة في مطالبهم أو حتى ناصرهم لتحقيق
أغراض سياسية بعينها، فإن النظام قد
تعامل بضراوة هائلة في معركته مع القضاة
كي لا يهتز الوضع المهيمن للسلطة
التنفيذية منذ قيام ثورة يوليو وحتى
اليوم.. والسؤال المشروع ليس عن
المستفيد ولماذا ساند، ولكن حول
مشروعية وعدالة مطالب القضاة، وهل هي
خطوة صحيحة لإعادة الأوضاع لنصابها
الصحيح؟ وهل هي خطوة على طريق انفتاح
شرايين الحياة السياسية في مصر أم لا؟..
ذلك كله يجعل من التساؤل عن المستفيد
وعن الأجندات الخاصة شيئا هامشيا
يبعدنا عن الجوهر".
وحول
الجو السياسي في مصر، وما يلي هذه
الأزمة، يرى أ.بهي أنه "فيما يخص
النظام، فإنه لم تكن هناك نوايا جادة أو
إرادة نحو الإصلاح، وإن الذي طرح في عام
2005 كان مناورة هائلة ومنظمة لاستيعاب
الحراك الذي يجري ولخداع الرأي العام
الداخلي والدولي، وإن جلّ هدف النظام
سياسيا هو تعزيز نفس الأسس الاستبدادية
للحكم".
ويستطرد
بهي قائلا: "إن المشكلة الأساسية لا
تزال تكمن في غياب المصريين -لمدة زادت
عن أربعة عقود- عن بلورة بدائل أخرى
لنظام تجاوز عمره الافتراضي منذ الثورة
وحتى اليوم، كما لم تتمكن القوى
السياسية من بناء تحالف سياسي يشكل
بديلا عن هذا النظام، ولا يوجد حتى الآن
بديل سياسي يلتف حوله المواطنون".
"وبالتالي
فمصر مضطرة أن تعيش سنوات في ظل نظام
متهاو مليء بالأمراض والمشكلات بل
والأخطار التي قد تفتح الباب على ما هو
أسوأ.. وأسوأ ما قد يكون هو إبرام صفقة ما
بين النظام وقوى الخارج لإغماض العين
عما يرتكبه، وأن تكتفي هذه القوى وعلى
رأسها الولايات المتحدة باستصدار
بيانات تحفظ ماء الوجه فقط، وهو ما
يفاقم الوضع أكثر وأكثر أمام حركة
الإصلاح المصرية الوليدة".