English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

القضية الفلسطينية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


حكومة حماس تحمل أوزار غيرها

21/05/2006

د. محمد خالد الأزعر**

مظاهرات فلسطينية حاشدة تستنكر الحصار الاقتصادي المفروض على الشعب الفلسطيني

أدبيات الاستعمار والتحرير تزخر بالخبرات ذات الصلة باستخدامات العنصر الاقتصادي المالي بين يدي القوى الطغيانية ومشروعاتها الاستعمارية، وكذا من لدن دعاة التحرر والانعتاق على حد سواء.

تقول هذه الخبرات بأنه لا يمكن تفهم سيرورة الحركة الاستعمارية من جهة وحركات التحرر من جهة أخرى مضادة، وحظوظهما من الظفر أو الفشل، بدون التعرف على حجم الموارد الاقتصادية والمالية التي توفرت لكل من هذين الطرفين والكيفية التي تم بها توظيف هذه الموارد.

نفهم من فقه التحرر ومسارات حركاته عموما أن الموارد التي أتيحت للمستعمرين بالمفهوم الاقتصادي أو المالي -فضلا عن الموازين المختلفة لصالحهم بالمفاهيم العسكرية والتقنية الحضارية- كان لها دور حاسم في تفوقهم مطولا وبسط هيمنتهم وسيطرتهم المباشرة على شعوب لا حصر لها في جهات المعمورة الأربع. كما نفهم أن حركات التحرر قد انطلقت وهي في معظمها على دراية بهذا الخلل، لكنها أدركت أن قدرتها على تصحيحه ومغالبة نواقصها تقوم على عوامل بعينها، أهمها: قوة الإرادة الذاتية للانعتاق ونشدان الحرية، وحسن توظيف الموارد المحددة وترشيد تعبئتها واستخدامها إلى أقصى الممكن، والتآزر بين بعضها البعض بحيث يصبح قليلُ ما تملكه كثيرا عبر تكثيف الاعتماد المتبادل.

خبرة النموذج الفلسطيني

الشاهد في كل حال أن حركة واحدة للتحرر لم تشق طريقها إلى الوجود، منذ اندلاع ثورات التحرير، وهي على يقين بأن موازين القوى الاقتصادية والمالية تميل إلى جانبها مقارنة بالمستعمر. وعليه كان على كل هذه الحركات أن تأخذ هذه الحقيقة المقبضة بعين الاعتبار وأن تعمل تحت سلطانها، محاولة التكيف معها وتجاوز ضغوطها. ومن المفترض أن حركة التحرر الفلسطينية المعاصرة لم تكن عند انطلاقها في منتصف ستينيات القرن الماضي ولا هي حتى اليوم بدعا من هذه النماذج، بل ويجوز الاعتقاد بأن هذه الحركة كانت مطالبة بالتحسب أكثر من قريناتها في عوالم الآخرين لضغط العنصر الاقتصادي المالي بسبب معطياتها وظروفها الموضوعية بالغة التعقيد؛ فالنكبة الفلسطينية بحيثياتها الشهيرة لم تدع لها فرصة تجنيد موارد ذاتية فلسطينية بمعزل عن إرادات فواعل آخرين.

يندرج تحت هذا الحكم كل ما يمكن وصفها بالموارد، جغرافيا وبشريا واقتصاديا وماليا.. لقد انطلقت هذه الحركة وهي لا تملك من أمر الحقيقة الوطنية الفلسطينية سوى إرادة التحرر المشفوعة بتعاطف عربي وإسلامي ودولي ظل عرضة للتذبذب نزولا عند عوامل ليس هنا موضع الإفاضة حولها.

وعندما نستعرض الآن بنظرة شاملة حال الموارد الاقتصادية المالية بالذات التي غذت الفعل النضالي الفلسطيني على مدار العقود الأربعة الماضية، نجد أن الفواعل الآخرين لا سيما من الأرومة القومية العربية، يستحوذون على النسبة الكبرى من هذه الموارد قياسا بالمكون الفلسطيني الذاتي، ولا يصعب هنا استنتاج التأثيرات السياسية الواسعة التي يفترض أن تكون قد صاحبت هذه المعادلة وترتبت عليها في صلب الكيانية الفلسطينية على صعيد التوجهات والأهداف والوسائل. ولعل الحالة الفلسطينية تعيش راهنا، وبخاصة غداة صعود حماس إلى مركز السلطة وصناعة القرار، أبرز تجليات هذه التأثيرات.

أزمة فارقة

قد يقال بأن الحركة الوطنية الفلسطينية تكاد تكون وقعت منذ نشأتها الأولى، حتى فيما قبل نكبة 1948، فريسة العصب الاقتصادي المالي العاري، وأنها لم تنشط يوما في كنف ظروف مواتية لها اقتصاديا وماليا، كشأنها مع بقية المعطيات الأخرى، العسكرية والسياسية والاجتماعية التي غالبا ما كانت مدعاة للتثبيط والإحباط. ومع ذلك فإنها تمكنت من الحياة والمرور وتحقيق إنجازات لا يستهان بها. ورب مجادل بأن ضائقة الحاضر في ظل حكومة حماس لن تكون سوى تجربة أخرى يجري التغلب عليها وإزاحتها بصبر الشعب الفلسطيني وعضه على البطون والنواجز، وبفضل تداعي ظهيره العربي والإسلامي لنصرته وإسناده، علاوة على حكمة قيادته الجديدة، عالية الطهرية والنزاهة شديدة التقشف والزهد والقدرة على ترشيد الموارد المتاحة على قلتها وشحها!.

ربما كان ذلك كله صحيحا.. ولعله من الصحيح أيضا أن تحالف النيل من الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، تأسيسا على نكء عصبه العاري ماليا، فشل سابقا في تحقيق غاياته ولن يواجه راهنا ومستقبلا إلا بالنتيجة ذاتها، بيد أن هذه المنهجية في التفكير والتعاطي مع الأزمة المتفاعلة ينبغي لها ألا تسقط المتغيرات (المستجدات) التي جرت في نهر القضية الفلسطينية ومحدداتها التي تمنح هذه الأزمة سمات خاصة تدعو للحذر من إسقاط تجارب الماضي عليها، بزعم تكراريتها وتشابهها مع دورات الأزمات التي عايشتها الحركة الفلسطينية في عمرها المديد.. ويعن لنا من هذه السمات ما يلي:

- زيادة اعتمادية الحركة الوطنية، القطاعات المتوخية بالتفاوض والمقاومة المدنية (نخبة أوسلو ومناصريها) بالذات، على مانحين دوليين لهم أجندتهم التي لا تتسق وأهداف الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية أو القانونية؛ بل وثمة بين هؤلاء المانحين من هو منحاز عضويا إلى الطرف الصهيوني الإسرائيلي بلا تحفظ أو خجل.

- تراجع دور الظهير العربي الرسمي في التمكين للحركة الوطنية الفلسطينية اقتصاديا وماليا ودرء الضغوط الصارمة الواقعة عليها من المانحين الدوليين. ولا يبشر بخير على هذا المضمار بلادة النظام العربي في تعويض المنح الدولية، وتجاهله الاستجابة لنداء الشعب الفلسطيني بعدم إيداعه نهبا للابتزازات الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية التي تروم تركيعه تحت ضغط العوز والفاقة وتهديده في قوته ودوائه وتعليمه.

- تغير نمط الحياة الفلسطينية من الأخذ بمنهجية التقشف والاقتصاد المقاوم بعامة إلى التعلق بالسلوكيات الاستهلاكية الترفية بكل ما ترتب على هذه النقلة النوعية الاجتماعية النفسية من ظواهر ضارة بصورة المجتمع وتفاعلاته الداخلية علاوة على الأعباء المالية المضافة على كاهل الفرد والأسرة والمجتمع.

- وجود نخبة داخلية فلسطينية متواطئة مع أهداف الضاغطين الخارجين، مشغولة بصيانة مكتسباتها المتحصلة في زمن حديث التسوية السلمية و"ثقافة السلام"، وتستحوذ هذه النخبة على موارد سياسية وإعلامية خارجية تمدها بأسباب محاولات استقطاب الجمهور ضد خطاب "الصلابة الوطنية والرباط الجهادي" الذي تدعو إليه حماس ومحازبوها داخل الحكومة الحالية وخارجها، ولا تتورع قطاعات من هذه النخبة عن التلاقي مع الخطاب الابتزازي الخارجي بما من شأنه إحباط الرأي العام. فيما الحقيقة أن هذه القطاعات تستشرس في مناوئتها للصمود الوطني خشية وقوعها تحت سياسة فتح ملفات الفساد ومسائلتها عما راكمت من مكانات وثروات في أوقات سابقة غير بعيدة.

- تتوازى الأزمة المالية مع حالة احتقان واحتشاد سياسي بين حركتي فتح وحماس داخل السلطة (النظام)، مصحوبة بمظاهر وتجليات لعدم استبعاد اللوذ بالقوة والعنف لفرض الإرادة؛ الأمر الذي يوسع فرص الصدام الأهلي في مشهد غير مسبوق تتلاقى فيه الضغوط الخارجية مع عمليات الكيد التي يشارك بها قطاعات من أهل البيت.

دور المجتمع المدني

إلى هذه السمات التي تثير الأسى إزاء فرص حماس في الإفلات بثوابتها الوطنية، لنا أن نلاحظ كيف تواكبت حرب التجويع المعلنة عليها من السياقات الرسمية مع أوضاع لا تسمح لها بالاعتماد على السياقات الشعبية المدنية فلسطينيا وعربيا في هذه المواجهة غير المتكافئة وإحداث التوازن المطلوب. لقد انعقد لواء هذه الحرب فيما تعاني أطر المجتمع المدني الفلسطيني من هشاشة وتشرذم كبيرين، بحيث تثور الشكوك في قدرتها على اجتراح بدائل تعزز القدرة على تفكيك الحصارات الخارجية والداخلية متعددة المصادر.

ويعزي بؤس هذه الأطر فلسطينيا إلى سيطرة السلطة عليها وضم اختصاصاتها تحت جناحها من ناحية، وتقوية القوى الخارجية المانحة لتغلغلها في أداء المؤسسات المدنية عبر المدخل المالي من ناحية أخرى.

والشاهد أن المتابع لا يمكنه الاطمئنان إلى طاقة القوى المدنية على تفعيل خطابها التعبوي واستفزاز ثقافة الاقتصاد المقاوم على غرار أجواء الانتفاضة الأولى في أواخر ثمانينيات القرن الماضي عندما استغلت المساحات الصالحة للزراعة بشكل كامل، وعندما تم التوقف عن استيراد اللحوم والاعتماد على تربية الدواجن بالحظائر المنزلية، فضلا عن مقاطعة البضائع الإسرائيلية.

ولا تقل هذه المخاوف عندما نستعرض حجم الأموال أو الموارد عموما المطلوب الوفاء بها بسبب التوسع المذهل في الالتحاق بقطاعات وظائف السلطة منذ قيامها عام 1994. ثم إن انتشار الثقافة الاستهلاكية وتفشي ثورة التوقعات بمجتمع "الرفاهة" في عهد التسوية السلمية، تعقد السبل أمام تفعيل أي خطاب تعبوي باتجاه الاقتصاد المقاوم البديل قد تطرحه بعض القوى المدنية التي ما زالت أمينة على منهج المقاومة ومقتضياته التضحوية.

ولا يدعو حال المجتمع المدني في المحيط العربي والإسلامي بدوره إلى التفاؤل عند استطلاع بدائل مجزية للمانحين الدوليين ماليا. حقا تتمتع قوى هذا المجتمع بجهوزية ثقافية ومعنوية مرموقة لدعم الصلابة الوطنية الفلسطينية على خلفية من التآزر القومي والديني العقدي والإنساني، لكنها تعاني من نقص في الجهوزيات التنظيمية والسياسية، وتقع تحت قيود رسمية جبارة.

والحق أن حملات الدعم والتبرع متعددة العناوين والمصادر التي تضطلع بها الأطر المدنية، تفعل فعلها في تذكير الشعوب العربية والإسلامية بدورها في رفع الظلم عن فلسطين وشعبها وتوكيد حضور فلسطين في الوجدان الجمعي العربي الإسلامي، غير أنها لا تفي حتى الآن بتغطية حاجات الشعب الفلسطيني تحت الحصار والاحتلال بالكامل. وما يمكن أن يفعل ذلك هو اجتراح قنوات ثابتة وأطر دائمة للدعم، بحيث يصبح لا مقطوعا ولا ممنوعا، وذلك بالتوازي مع ضغوط تمارس على النظم الرسمية بالقدر الذي يجبرها على التخلي عن عجزها وبلادتها تجاه ما يجري في فلسطين.

الظهير الاقتصادي.. كعب أخيل المقاومة الفلسطينية

لا تعد حماس، الحركة والحكومة، مسئولة عن الأزمة الاقتصادية المالية الفلسطينية؛ فهذه الأزمة وما يدور في فلكها من تراشق وحوارات وضغوط، هي بعض تجليات الطبيعة المعقدة للقضية الفلسطينية وتوابعها. وللحقيقة فإن شقا منها يعود إلى ممارسات معيبة ذاتية للحركة الوطنية في مراحل سابقة من حياتها؛ إذ افتقدت هذه الحركة قواها المتقدة والمتسيدة للمشهد السياسي النظامي طويلا، لبرنامج اقتصادي مالي معمق يعمد إلى فك أسار الاعتمادية على موارد تحركها الأهواء والنوازع السياسية المتغيرة. بكلمات أخرى: لم تنشغل هذه الحركة بالأبعاد الاقتصادية المالية للتحرر الوطني بالقدر اللازم، الكفيل بتحجيم نطاق الاعتمادية على الخارج، بل ربما شهدت عهد السلطة الوطنية اتجاها معاكسا لهذا الانشغال.

على أن وصول حماس إلى مركز السلطة، كان كاشفا بقوة لهذه النقيصة، فهو فضح عجز النظام الفلسطيني وهشاشته المالية ومستوى اتكاله على المانحين الدوليين وفضح شروط هؤلاء المانحين من الناحية السياسية والثمن المطلوب أداؤه من صلب الحقوق الوطنية إذا ما أريد لمنحهم المالية المغموسة بالسياسة أن تستمر. وفضح عجز النظام العربي حتى من الناحية المصرفية إزاء القوى الدولية، لا سيما حين ألمحت الجامعة العربية عن قلة حيلتها في توصيل ما تيسر من الدعم المالي إلى الرحاب الفلسطينية، كما أفصح عن حدود قدرة المجتمع المدني الفلسطيني والعربي في تظهير المقاومة الفلسطينية بالمحتوى المادي المنظور، أي أنه أظهر عموما كم تبدو القضية الوطنية الفلسطينية النبيلة مكشوفة اقتصاديا وماليا.

في هذا الإطار المقبض، لا يزمع تحالف الحرب على حماس إعطاءها فرصة لاستدراك هذا الانكشاف ومداواة عيوبه، ولا هو بوارد منحها شرف المساهمة في انتشال شعبها من أزمته المالية المستعصية. يشي بذلك اتجاه "الرباعية الدولية" إلى القفز من فوق حكومتها والتعامل المالي المباشر مع الشعب الفلسطيني عبر آليات بعينها يرعاها البنك الدولي أو الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي.. ومع ما ينطوي عليه هذا التوجه من خبث ونيات لفك الارتباط بين حكومة حماس وشعبها، فإنها ستكون في التحليل النهائي من المستفيدين! فأغلب الظن أن سواد الفلسطينيين واعون تماما لما يدور حولهم بهذا الخصوص، وهم لن يسلموا هذه الحركة ولا حكومتها لسيف التحالف إياه بمجرد إعادته لتسييل الدعم لهم... إنهم يدركون أن تخليهم عن هذه الحركة وحكومتها لن يعني عندئذ سوى قناعة قوى هذا التحالف بأنه يمكن شراء حقوق وطنية فلسطينية ظاهرة لقاء ثمن دولاري معين.

نقول ذلك وفي الخاطر أن "المال السياسي" لم يفلح في كسر إرادة التحرر والخلاص الوطني الفلسطيني على مدار الصراع على أرض فلسطين منذ مائة عام ونيف، غير أن هذه القناعة لا تعني الاطمئنان إلى أن الفلسطينيين ينتمون إلى المخلوقات الخارقة التي لا تخضع لمحددات وشروط الحياة المعروفة؛ فالخط البياني للمقاومة الفلسطينية تعرض تقليديا للتذبذب صعودا وهبوطا ورتابة، نزولا عند مستوى الصلابة في مواجهة ظاهرة الاستتباع الاقتصادي والمالي المديدة. ونحسب أن من يرد خيرا لقضية فلسطين عليه أن يجتهد في إزالة هذه الظاهرة.

وإذا كانت الدوائر الأمريكية تتوقع أن تسقط حكومة حماس في غضون 3 أشهر أو بعد ذلك بقليل!.. فسيكون ردا بليغا على هذا الموقف المؤذي أن تشهد هذه الفترة إنشاء متكآت اقتصادية مالية تحبط النيل من الحقوق الفلسطينية من مدخل إسقاط حكومة تؤثر التمنع في التنازل عن هذه الحقوق.

اقرأ أيضا:


**كاتب ومحلل سياسي فلسطيني.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع