|

|
|
إسرائيل وإيباك توجهان اهتمامهما الأول صوب إيران
|
لم
يكن من المفترض أن تتحول حرب العراق إلى ورطة
مكلفة؛ بل كان المراد أن تكون خطوة أولى لمخطط
أوسع لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، وكان اللوبي
وإسرائيل القوة الدافعة الحاسمة وراء هذا
الانتقال من العراق إلى الشرق الأوسط، في تخل
صارخ عن السياسة السابقة للولايات المتحدة.
فقد
رأى قادة إسرائيل والمحافظون الجدد وإدارة
بوش، جميعا، أن حرب العراق خطوة أولى في معركة
طموحة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. ومع أول
إشارة انتصار حولوا أنظارهم نحو أعداء
إسرائيل الآخرين في المنطقة.
عنوان
الصفحة الأولى من صحيفة "وول ستريت جورنال"
بعد بدء حرب العراق يشير لهذه الحقيقة ويوضح
القصة كاملة؛ حيث جاء فيه "حلم الرئيس: لا
تغيير نظام وحسب، بل تغيير منطقة.. إيجاد
منطقة ديمقراطية موالية للولايات المتحدة
هدف له جذور عند إسرائيل وعند المحافظين
الجدد".
وكانت
القوى الموالية لإسرائيل مهتمة منذ وقت طويل
بتوريط الجيش الأمريكي بصورة مباشرة في الشرق
الأوسط، بحيث يستطيع المساعدة في حماية
إسرائيل، ولكن ظلت معظم القوات الأمريكية
المخصصة للشرق الأوسط، مثل قوة الانتشار
السريع "عند الأفق" وبعيدا عن طريق
الخطر، وحافظت واشنطن على توازن مفضل للقوة
بضرب القوى المحلية بعضها ببعض، وهذا هو سبب
دعم إدارة ريجان لصدام حسين ضد إيران الثورية
في أثناء الحرب الإيرانية العراقية (1980- 1988).
أما
في عام 2002 وعندما أصبح غزو العراق قضية تحظى
بأولوية عليا، كان إجراء التحول في المنطقة
قد غدا عقيدة في أوساط المحافظين الجدد. ويصف
"تشارلز كروثامر" هذه الخطة الكبرى
بأنها وليدة أفكار "ناتاني شارانسكي"
السياسي الإسرائيلي، الذي لم يكن صوتا منفردا
في إسرائيل؛ إذ إن الإسرائيليين على مختلف
أطيافهم السياسية كانوا يعتقدون أن إطاحة
صدام سوف تغير الشرق الأوسط لمصلحة إسرائيل.
وقد كتب "ألوف بن" في صحيفة هاآرتس (17
فبراير 2003) إن كبار ضباط الجيش الإسرائيلي
والمقربين من رئيس الوزراء شارون يرسمون صورة
زاهية للمستقبل الرائع الذي ينتظر إسرائيل
بعد الحرب، ويتصورون أثرا يشبه حركة أحجار
الدومينو، بسقوط صدام حسين ومن بعده أعداء
إسرائيل الآخرون.
المدفع
صوب سوريا
لم
يبدأ قادة إسرائيل في دفع إدارة بوش لاستهداف
سوريا إلا بعد سقوط بغداد؛ لأنهم كانوا
مشغولين في دفع الحرب ضد العراق؛ ففي إبريل 2003
وبمجرد سقوط بغداد بدأ شارون يطالب الولايات
المتحدة بممارسة ضغط "ثقيل جدا" على
سوريا. وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن إسرائيل
كانت "تشعل الحملة" ضد سوريا بتغذية
الولايات المتحدة بتقارير استخباراتية عن
أعمال الرئيس السوري بشار الأسد.
وبدأ
اللوبي يسوق الذرائع للضغط على سوريا؛ حيث
أعلن "ريتشارد بيرل"، وهو من الوجوه
البارزة في اللوبي، لأحد الصحفيين: "نستطيع
أن نرسل رسالة صغيرة من كلمتين (للنظم الأخرى
المعادية في الشرق الأوسط): أنتم التالون".
وأعلن "وولفويتز" أنه يجب إحداث تغيير
للنظام في سوريا، بل بلغ الأمر بـ لورنس
كابلان في صحيفة "نيو ريبيلك" أن كتب أن
الرئيس السوري يمثل تهديدا خطيرا لأمريكا.
وفي
الكونجرس كان اللوبي وراء إصدار قانون محاسبة
سوريا، فنائب نيويورك "إيليوت إينجيل"
قدم قانون معاقبة سوريا واسترداد السيادة
اللبنانية، وتدخل اللوبي لمباركة هذا
التشريع، فتبنته إيباك بقوة وصاغت أطره، حسب
صحيفة "جويش تلجراف" اليهودية من قبل بعض
مخلصي أصدقاء إسرائيل في الكونجرس.
وكان
هذا التشريع مهملا إلى حد ما لبرهة من الوقت،
ولم تكن إدارة بوش متحمسة له، غير أنه جرى
تمرير هذا التشريع المناهض لسوريا بأغلبية
ساحقة (398 صوتا إلى 4) في مجلس النواب، وبنسبة 89%
إلى 4% في مجلس الشيوخ، وصدق بوش عليه ليصبح
قانونا في 12 ديسمبر 2003.
ويمكن
فهم ازدواجية بوش وتأرجحه حيال هذه القضية؛
إذ إن الحكومة السورية دأبت على إمداد
الولايات المتحدة بكم ضخم من المعلومات
الاستخباراتية المهمة عن تنظيم القاعدة منذ
هجمات سبتمبر، وحذرت واشنطن أيضا في الوقت
المناسب بشأن هجوم إرهابي كانت القاعدة قد
خططت لشنه في الخليج... إلخ.
ولم
تكن علاقات دمشق سيئة مع واشنطن قبل الحرب على
العراق؛ فقد بلغ تعاونها أن صوتت للقرار 1441 في
مجلس الأمن، ولم تكن تمثل بأي حال خطرا على
الولايات المتحدة. وأخيرا فإن الزج بسوريا في
لائحة الدول التي تستهدفها الولايات المتحدة
كان يشجعها بالتأكيد على إحداث اضطراب. من هنا
كان ثمة ألف سبيل للضغط على سوريا وإن كان غير
مبرر، كما أن من الحكمة قبل التصعيد مع دمشق
إنجاز المهمة في العراق أولا.
ومن
هنا، ورغم معارضة وكالة الاستخبارات
المركزية ووزارة الخارجية هذا التوجه، فقد تم
توجيه المدفع إلى سوريا. ولو لم يكن هناك لوبي
لكانت سياسة الولايات المتحدة تجاه دمشق أكثر
اتساقا مع المصالح الوطنية للولايات المتحدة.
استهداف
إيران
تعتبر
إسرائيل أن إيران هي أخطر أعدائها، وفي حقيقة
الأمر فإن الإسرائيليين كما دفعوا لمعاقبة
سوريا على اعتبار أنه إذلال للدول العربية،
فهم أيضا يرون في أي بلد إسلامي في الشرق
الأوسط يحوز أسلحة نووية تهديدا مصيريا داهما.
وقد بدأ شارون يدفع الولايات المتحدة علنا في
نوفمبر 2002 لمواجهة إيران، واصفا إياها بأنها
"مركز الإرهاب العالمي"، وأعلن أنه
يتعين على إدارة بوش أن تفرض ذراعها القوية
على إيران "غداة" غزوها للعراق.
وفي
أواخر إبريل 2003 أوردت صحيفة هاآرتس في تقرير
لها أن السفير الإسرائيلي في واشنطن صار يدعو
اليوم إلى تغيير النظام في إيران. وعبّر
السفير عن وجهة نظره في أن الإطاحة بصدام لم
تكن "كافية". وحسب كلماته، فإن أمريكا
"ينبغي عليها أن تمضي قدما وتتابع، فما
زالت هناك أخطار جسام تحدق بنا من صوب سوريا،
وأعظم منها من جهة إيران".
وعلى
الفور بدأ المحافظون الجدد حملة لاختلاق
الذرائع وتلفيق الأمور من أجل المطالبة
بتغيير النظام في طهران؛ ففي 6 مايو 2003 احتضن
معهد المشروع الأمريكي مؤتمرا حول إيران
استغرق يوما كاملا، وشارك في رعايته المنظمة
المناصرة لإسرائيل "مؤسسة الدفاع عن
الديمقراطيات" ومعهد هدسون. وكان
المتحدثون كلهم موالين لإسرائيل، ودعا كثير
منهم الولايات المتحدة إلى استبدال النظام
الإيراني بديمقراطية.
واستجابت
إدارة بوش لضغط اللوبي وعملت بحماس لوقف
برنامج إيران النووي، لكنها لم تحرز نجاحا
يذكر، وتبدو إيران مصممة للحصول على ترسانة
نووية، ونتيجة لذلك صعّد اللوبي ضغوطه على
حكومة الولايات المتحدة مسخرا كل ما في جعبته
من إستراتيجيات وألاعيب، فانهال سيل من
المقالات كتبها محافظون جدد بارزون يحذرون من
الأخطار الوشيكة التي ستحدث بالعالم إذا
امتلكت إيران السلاح النووي، وتنذر المجتمع
الدولي من خطورة أي تغاض أو استرضاء أو مهادنة
لنظام "إرهابي"، وأنه ينبغي التحرك
للقيام بعمل استباقي وقائي في حال إخفاق
الدبلوماسية.
وعمل
اللوبي للضغط على الكونجرس ليصدق على تشريع
دعم حرية إيران، الذي سوف يوسع نطاق الحظر
الحالي المفروض على إيران. ويحذر المسئولون
الإسرائيليون أيضا من أنهم سيقدمون على عمل
استباقي إن مضت إيران قدما في مشروعها
النووي، وهي تلميحات تقصد في جزء منها الحفاظ
على تركيز واشنطن على هذه القضية.
قد
يقول البعض: إن تأثير إسرائيل واللوبي على
السياسة الأمريكية تجاه إيران محدود؛ لأن
الولايات المتحدة لديها أسبابها لمنع إيران
من امتلاك السلاح النووي. قد يكون ذلك صحيحا
جزئيا، لكن طموحات إيران النووية لا تمثل
تهديدا وجوديا للولايات المتحدة، فإذا كانت
واشنطن قد تمكنت من التعايش مع اتحاد سوفيتي
نووي، وصين نووية، بل وحتى كوريا شمالية
نووية، إذن يمكنها أن تتعايش مع إيران نووية.
ولذلك
كان يتعين على اللوبي أن يواصل ضغطه على
الساسة الأمريكيين لمواجهة إيران. ولو أن
اللوبي غير موجود، ورغم أنه يصعب تصور
الولايات المتحدة وإيران كحلفاء، لكن كان من
الممكن أن تصبح السياسة الأمريكية تجاه إيران
أكثر اعتدالا، وما كانت الحرب الوقائية لتصير
خيارا جادا.
اقرأ
في هذه الدراسة:
اقرأ
أيضًا: