|
أكراد تركيا.. استعصاء عسكري وسياسي
|
|
محمد
عبد القادر**
|
16/04/2006
|
|

|
|
جانب من المواجهات بين متظاهرين أكراد وقوات الأمن التركية في مدينة ديار بكر
|
إذا
كانت حكومة حزب العدالة والتنمية
استطاعت أن تؤكد أن تركيا تعد نموذجا
لدولة إسلامية وديمقراطية، وأن
الإسلام والديمقراطية لا ينفيان
أحدهما الآخر، فإن التحدي الماثل
بالنسبة لتركيا آنيا يتمثل في إثبات أن
"الترك" و"الكرد" لا ينفيان
أيضا أحدهما الآخر.
فأعمال
التظاهر الجارف والعنف المتبادل بين
الأكراد وقوات الأمن التركية في جنوب
شرق تركيا، والتي أزهقت أرواح زهاء 15
مواطنا ومئات الجرحى، إثر مواجهات تعد
الأعنف في هذه المنطقة منذ عقد مضى،
جعلت القضية الكردية في تركيا تبدي
حالا من الاستعصاء على الحلول سواء كان
العسكري منها أو السياسي "غير
المكتمل"، ولتعكس بذلك مدى الهوة
الساحقة بين طروحات سياسيي تركيا
وآمال مواطنيها الأكراد وطموحاتهم.
وهذا
الأمر يطرح تساؤلات عدة لا تتقيد بمحض
دوافع وتداعيات أعمال العنف تلك وإنما
تتعلق كذلك بتوقيتها والسياق الداخلي
والإقليمي الذي أتت على خلفيته
وتزامنت معه في آن معا.
تأخر
الاستجابة
فقد
شهدت أعياد النوروز في تركيا والتي
تزامنت مع هذه الأحداث "المأساوية"
على مدى سنوات بائدة مظاهرات صاخبة
للأكراد تعبيرا عن قوميتهم وتضمنت
كذلك إعلان الأكراد لمطالبهم بمزيد من
حرية التعبير وضمان حقوقهم الثقافية
والسياسية، غير أن صخب احتفالية هذا
العام في مدينة ديار بكر -كبرى المدن
الكردية في تركيا- وامتدادات مفاعيلها
وتداعياتها بين المحافظات التركية بل
بلوغها مدينة إستانبول ذاتها، جعلها
تبدو فجائية وهوجائية، لتلوح في الأفق
ملامح المواجهات الطاحنة التي تفجرت
منذ عام 1984 وأسفرت عن إزهاق أرواح
قرابة 300 ألف مواطن، والتي ما كادت تضع
أوزارها في العام 1999 عقب اعتقال عبد
الله أوجلان والهزيمة العسكرية التي
أحاقت بحزب العمال الكردستاني حتى
عادت لتشتعل في منتصف عام 2004، عقب
الإعلان عن عودة حزب "العمال"
وانتهاء وقف إطلاق النار من جانب واحد،
نتاج تعنت الحكومة التركية إزاء مطالب
المواطنين الأكراد، وعدم وجود أية
جهود جدية للتوصل إلى تسوية سياسية
للمشكلة الكردية تشمل حزب العمال
الكردستاني.
وكان
زعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم رجب
طيب أردوغان قد أخذ على عاتقه اتباع
نهج مغاير يرسخ المواطنة التركية لدى
سائر مكونات الشعب التركي، استجابة من
ناحية لاشتراطات العضوية في الاتحاد
الأوربي بانتشال ملف حقوق الإنسان
التركي من وطأته، وانعكاسا من ناحية
لعقلية برجماتية حاكمة بدا عليها سمات
التسامح مع الذات والآخرين في الوقت
عينه. وتجلى ذلك في زيارته لمدينة ديار
بكر ليعترف من قلبها بأن ثمة مشكلة
كردية في تركيا تستلزم منح المواطنين
الأكراد مزيدا من الحقوق وضمان ممارسة
حريتهم كسائر فئات الشعب التركي.
بيد
أن مردود الزيارة الإيجابي لم يكن
ليقبع طويلا في مجابهة تأخر التلازم
بين القول والفعل ليتشكل مشهدا شديد
التعقيد ينذر بعصف أركان سلامة النسيج
الاجتماعي والتفاعلات البينية
السلمية بداخله لتتعمق الشروخ
الاجتماعية في الدولة التركية. ذلك أن
التحسن الحقوقي النسبي الذي طرأ على
وضعية الأكراد في تركيا، عقب إقرار
البرلمان التركي لمجموعة إصلاحات شملت
استخدام اللغة الكردية في البث
الإذاعي التليفزيوني في أوقات محددة
في إطار برامج بدأت على نفس الشكل
للغات أقليات أخرى مثل البوسنية
والعربية، لم يكن يعني أن ثمة بادرة
تلوح في الأفق. فالإصلاحات الكبيرة
التي وُعد بها الأكراد باعتبارهم
الأقلية الأهم والأكبر والتي يناهز
تعدادها 20 مليونا لم تتحول إلى واقع
ملموس ومعيش يأخذ بأيديهم إلى حال أفضل،
ويمنع عنهم الاقترافات "المشبوهة"
من قبل جنرالات الجيش ورجالاته، في ظل
سيطرة عقلية أتاتوركية إلغائية تجاه
الأقليات العرقية والمذهبية.
وإذا
كان من المنطقي أن يدفع هذا الوضع إلى
مزيد من الاضطرابات والتوتر في مناطق
تمركز الأكراد، فإن انقلاب الوضع إلى
حال من العصيان المدني، بعدما لبست
المواجهات بين قوات الأمن التركية
وقوات "كريلا" الجناح العسكري
لحزب العمال الكردستاني زيا شعبيا
ومدنيا، ينذر بأن سياسات "المنع"
والإقصاء للمطالب الكردية لن تأتي إلا
بمزيد من تعميق المأزق الداخلي، ولن
تفضي إلى حل يرضى عنه ساسة تركيا
وعسكريوها ويقنع به أكراد الدولة
الأتاتوركية في آن واحد.
دوافع
العصيان
|

|
|
تشييع جثمان أحد الضباط الأتراك بعد مقتله على يد متمردين أكراد
|
إن
التطور اللافت في أحداث الاضطرابات
الكردية الأخيرة مقارنة بالسنوات
العشر الأخيرة يستوجب إدراك دوافعها
وتداعياتها، دون الوقوف كثيرا أمام ما
تبادر إليه المؤسسات الرسمية التركية
وتأويلاتها لتلك الأحداث من أن ثمة
مؤامرة حيكت من قبل حزب العمال
الكردستاني، أو الركون أيضا إلى ما ذهب
إليه أردوغان بتحميل الدانمارك
مسئولية جزئية عن الاضطرابات لسماحها
لمحطة تليفزيون "روج" الموالية
لحزب العمال الكردستاني بالبث من
أراضيها، بدعوى أن الدعايات التي
انطلقت من هذه المحطة حرضت السكان
الأكراد على اللجوء للعنف والقيام
بأعمال تدمير وشغب. ذلك أن ثمة عوامل
أكثر أهمية ومحورية في تشكيل دوافع هذه
الاضطرابات والاحتجاجات العنيفة التي
أخذت مظاهر إحراق المباني والحافلات
العامة وإلقاء الحجارة على الشرطة،
ويمكن إيجاز أهمها على النحو التالي:
أولا:
إن ما جرى في ديار بكر وغيرها من مدن
الأكراد تكرار للسيناريو الذي شهدته
من قبل مدينة شمدينلي في محافظة هكاري
في أقصى جنوب شرق تركيا قرب الحدود مع
العراق وإيران في نوفمبر 2005، حين وقعت
صدامات عرقية بين قوات الأمن التركية
والأكراد، أعقبتها تعبئة بين السكان
وفرز على أساس الانتماء العرقي.
ولا
تنفصل أحداث ديار بكر عن هذا السياق
والضجة والسابقة التاريخية التي تمثلت
في تقديم قائد القوات البرية الجنرال
"ياشار يويوك أنيت" إلى المحاكمة
بالقضاء المدني بتهمة تشكيل عصابات
مسلحة خارج القانون تحرك وتحرض على
الفتنة والنزاع بين الأتراك والأكراد،
ليتكشف بذلك الدور الذي يلعبه قادة
الجيش التركي في تأجيج الاضطرابات في
المدن الكردية سعيا إلى استعادة نفوذ
تقلص بفعل وقف إطلاق النار الذي كان
أعلنه عام 1999 حزب العمال الكردستاني،
وجراء سياسات حزب العدالة، التي سعت
طوال ما لا يتجاوز السنوات الثلاث إلى
تقليم سلطات جنرالات الجيش وتدخلاتهم
في صناعة القرار التركي، وهو ما دفع
الجيش إلى تعظيم حضوره على الساحة
السياسية في تركيا عبر جذب البلاد إلى
أجواء أمنية جديدة، بما يؤذي جهود
الحكومة المدنية، ويفشل أية خطوة
ديمقراطية على طريق الحل، ويظهرها
بالعاجزة عن معالجة القضايا بالطرق
السلمية.
ثانيا:
يشكل أسلوب تعامل الحكومة التركية مع
ملف الأكراد في تركيا أحد أهم الدوافع
وراء هذه الاضطرابات، فعلى الرغم من
نزوع حكومة حزب العدالة إلى تحسين
علاقاتها الإقليمية مع دول الجوار
وكذا الأطراف الفاعلة في منطقة الشرق
الأوسط، فإن هذا النزوع وإن ترافق مع
تحسين أوضاع الدولة الاقتصادية وتطوير
الأوضاع السياسية لم يترافق مع تحسين
وضعية مناطق تمركز الأكراد، وهي
الأسوأ من حيث الأوضاع الاقتصادية
والاجتماعية، حيث يصل معدل البطالة في
ديار بكر إلى ما يتراوح بين 40 و60%،
وتقدر نسبة الأمية في هذه المناطق بنحو
35%، ويرزح معظم سكانها تحت خط الفقر
والحرمان والتهميش، وهو ما يرتبط
بعدم وفاء الحكومة بوعودها في إقامة
مشروعات تنموية، وإحجام كبار رجال
الأعمال الأكراد عن الاستثمار في
محافظاتهم وتفضيلهم إستانبول
ومحافظات غربي تركيا بسبب الأمان الذي
تتمتع به.
ثالثا:
تحتم النظرة العملية التي باتت تحكم
طريقة تعامل تركيا مع الوضع المستجد في
العراق، عدم الانجرار إلى عمل عسكري ضد
فلول حزب العمال الكردستاني عبر
اجتياح شمال العراق لما سيترتب على ذلك
من مواجهات طاحنة مع أكراد العراق،
ونتاج ما قد يترتب عليه من توترات
شديدة في العلاقات مع الولايات
المتحدة التي يبدو أنها تبغي عدم
الوفاء بتعهداتها على مدى السنة
المنقضية بأنها ستعمل على استبعاد 4000
مقاتل من حزب العمال يتدربون في جبال
قنديل بشمال العراق، ما حد من قدرة
تركيا على مواجهة عمليات حزب "العمال"،
وتسلل عناصره إلى الأراضي التركية،
وهو الوضع الذي بات يؤتي أكله بالنظر
إلى ما أعلنته السلطات التركية قبل
اندلاع الاضطرابات في مدن تركيا
الكردية من أن قرابة 3000 مقاتل كردي
دخلوا أراضيها لإعادة إشعال الوضع.
وقد
يضاف إلى ذلك تأثير ما يتابعه الأكراد
في تركيا عن كثب بشأن وضعية أبناء
عمومتهم في العراق، حيث ترسخت
الفيدرالية "رسميا" تزامنا مع
مناسبة أن يغدو أول رئيس للعراق منتخب
ديمقراطيا منذ بداية الخليقة شخصا
كرديا؛ ما يدفع على الأقل لدى قطاعات
منهم إلى أن تكون محصلة الصراع
التاريخي بين القومية الكردية
والمواطنة التركية غلبة الأولى على
الثانية.
رابعا:
عدم وجود أية جهود جدية للتوصل إلى
تسوية سياسية للمشكلة الكردية تشمل
حزب العمال الكردستاني، أو تسحب
البساط من تحت أقدامه وتفقده نفوذه في
جنوب شرقي تركيا، والإصرار على
الحل العسكري والأمني برغم أن الظروف
المعيشية والجغرافية والإقليمية لا
تسمح بانتصار نهائي على المتمردين
الأكراد. ولعل نمط التعاطي التركي هذا
قد عكسته تصريحات رجب أردوغان، حينما
أعلن تهديده بأن القوات التركية
ستتدخل لحل الأزمة بالوسائل العسكرية
ولن تأخذ بعين الاعتبار وجود أطفال أو
نساء في صفوف المتظاهرين.
وإجمالا،
فإن التحدي الكردي داخل تركيا لا يحتمل
خطوات خاطئة تؤثر على الداخل التركي أو
أن تكون تصفية حسابات بين الجيش ورجال
السياسة، ناهيك عن أثره السلبي على
مسار المفاوضات بين تركيا والاتحاد
الأوربي، والأهم أنه ليس في مصلحة
تركيا أن تسمح لهذا التمرد الكردي بأن
يكتسب مزيدا من الزخم الشعبي بين
مواطني تركيا الأكراد ذاتهم أو
انتقاله إلى مثلهم من الأكراد في
البلدان المجاورة.
اقرأ
أيضًا:
أكراد
تركيا يطالبون بدولة فيدرالية
الحالة
الإسلامية في تركيا.. تعددية صحية
الصراع
الكردي- التركي.. ثقوب في التحالف
الأمريكي
الجيش
التركي والإسلاميون.. هل اقترب
الانقلاب الرابع؟
أكراد
العراق يلعبون بالنار
**
باحث سياسي.
|