إن
العنف في العراق مبعثه الأساسي هو
الصراع حول الحكم؛ ومن ثم، فإن الحل
الأمثل لاجتثاث هذا العنف إنما يتمثل في
إيجاد وتشكيل حكومة وحدة وطنية. وهو أمر
ليس بهذه السهولة أو البساطة التي قد
تبدو للبعض. فهناك الكثير من العوامل
غير السياسية التي تؤثر في طبيعة
وديناميكيات الصراع. وبناء عليه، فإن
تعريف هذه العوامل وتشخيصها هو المفتاح
الحقيقي لفهم مدى إمكانية احتواء العنف
الطائفي، سواء على يد الإدارة
الأمريكية أو على يد الحكومة العراقية.
فما هي تلك العوامل؟ وكيف يمكن
استخدامها لاحتواء العنف الطائفي؟.
وتتلخص
هذه العوامل في الآتي: قاعدة التجنيد
لدى المقاومة، وآثار "التطهير العرقي"،
والسكان المدنيين، و"قوات الأمن
العراقي"، والمد الشيعي الراديكالي،
واقتصاد الحرب، والمساعدات الخارجية
عبر القومية. وسنرى الآن، كيف يمكن
للولايات المتحدة أن تدرك تلك العوامل،
فتطوعها لوأد الصراع الداخلي العراقي،
ومن ثم التأثير في ديناميكيات الصراع.
تقليص
قاعدة التجنيد لدى المقاومة
لا
تحوز المقاومة على جاذبية حقيقية خارج
المجتمع العربي السُني، وتعبئتها للعرب
السُنة لم تتعد بضعة آلاف، ذوي تدريب
عسكري كامل أو جزئي. إلا أنه في حالة
تمكن المقاومة من الغوص أكثر في داخل
المجتمع العربي السُني -للتفتيش
والتنقيب عمن هم قابلون للاستقطاب
والتجنيد- فإن وتيرة العنف سيُتوقع لها
الصعود دون أدنى شك. وهذا يُعلل مدى
أهمية توفير بديل سياسي عن الكفاح
المسلح للعرب السُنة، كما يعلل مدى
أهمية منع المقاومين من الوصول إلى
الفئات المُحبطة في المجتمعات الأخرى،
والتحالف معها تكتيكيا. وقد يتربع
المجتمع الشيعي الراديكالي التابع
لمقتدى الصدر على قمة تلك المجتمعات،
التي يسهل تجنيدها من قبل المقاومة.
التقليل
من آثار "التطهير العرقي"
غالبا
ما يعجز ضحايا "التطهير العرقي" عن
العودة إلى أشغالهم السابقة ومساكنهم
القديمة، وهو ما حدث في أثناء الحرب
الأهلية اللبنانية على سبيل المثال.
وكانت النتيجة، أن وجد هؤلاء الضحايا
البديل في الميليشيات الطائفية التي
استخدمتهم في الانتقام من الطوائف
الأخرى، وذلك من خلال إرسالهم إلى أماكن
معاشهم القديمة، واستهداف أولئك
المنتمين إلى الطوائف المعادية
للميليشيات المعنية. ومن ثم، فإن منع
حدوث مثل هذه الديناميكية في العراق
يتطلب -وهو أمر صعب للغاية- إيجاد أشغال
ووظائف شرعية لأولئك الذين يتم "تطهيرهم"
أو اجتثاثهم من أماكن معاشهم.
حماية
السكان تحت الخطر
توجيه
العنف ضد المدنيين -في أثناء الحروب
الأهلية- يعتبر جزءا من الإستراتيجية
المقصودة، وليس فعلا تلقائيا أو
عشوائيا كما يتصور البعض. وقد تكثر
المذابح في المناطق المزدحمة بقوات
المقاومة والحكومة. فبينما يوجه
المقاومون هجماتهم صوب المدنيين بهدف
وضع الحكومة في موقف حرج، توجه الحكومة
هجماتها صوب المدنيين بهدف "تجفيف
البحر" الذي يسبح فيه المقاومون. ومن
ثم، فإنه بإمكان القوات الأمريكية أن
تفعل الآتي لحماية المدنيين: 1)تشكيل
لجان "التحذير المبكر" و"رد
الفعل السريع" في المناطق التي
يُتوقع فيها حدوث مذابح أو مجازر أهلية،
واستخدام الطائرات الهليكوبتر والقوات
البرية في بعض الحالات التي تستلزم ذلك.
2)استخدام حواجز الطرق لتعويق العنف
الهمجي وتعطيل تحركات الميليشيات. فعلى
سبيل المثال، يستخدم "جيش المهدي"
سيارات النقل (الأوتوبيسات) لتوصيل
أعضائه من مكان إلى مكان، وفي هذه
الحالة يمكن للقوات الأمريكية أن تقيم
مثل هذه الحواجز.
منع
تفسخ "قوات الأمن العراقي"
في
حالة حدوث عنف بين السُنة والشيعة أو
بين العرب والأكراد، فإن "قوات الأمن
العراقي" لن تكون مُعرضة للانقسام أو
التفسخ على المستوى الطائفي، وذلك لأن
معظم وحدات "قوات الأمن العراقي"
تتكون غالبا من موظفين شيعة أو أكراد.
أما في حالة حدوث عنف في وسط المجتمعات
الشيعية أو الكردية، فإن هذه المؤسسة
ستُعرض حتما للانقسام والتفسخ، وهو
الأمر الذي يُلزم الإدارة الأمريكية
بمنع وصول المجتمعات الشيعية والكردية
إلى مثل هذا المنحنى.
منع
تصاعد المد الشيعي الراديكالي
يُخشى
تطور الوضع الفوضوي في العراق، على
شاكلة الوضع الفلسطيني في أثناء
الانتفاضة الثانية، إذ ظهرت نماذج
جديدة من النخب الفلسطينية "الفتحاوية"
"غير المسئولة"، التي أعلنت تمردها
على السلطة الفلسطينية وعلى سلطة "فتح"،
وكان من هذه النخب "الحرس الجديد" و"لجان
المقاومة الشعبية"، التي صعبت مهام
السلطة الفلسطينية في السيطرة على
العنف والفوضى في شوارع الضفة الغربية
وغزة.
وقد
تلوح نفس الصورة في الأفق العراقي؛
فهناك صعود واضح للميليشيات الشيعية
"غير المسئولة" والمتمردة على سلطة
المؤسسة الشيعية التقليدية. هذه
الميليشيات -التي منها "جيش المهدي"
و"فيالق بدر"- تعمل في ظل "قوات
الأمن العراقي" أو خارجها، والبعض
منها يعمل في داخل وزارة الداخلية
العراقية. ويتمثل خطر تلك الميليشيات في
إحداث انقسامات أكثر عمقا في داخل
السلطة السياسية العراقية، مما يُعرض
البلاد لمزيد من العنف. ومن أجل مجابهة
ذلك التيار الشيعي الراديكالي، فعلى
الولايات المتحدة أولا بذل كل الجهد
للتعرف على تلك العناصر الشيعية
الراديكالية المتمردة، سواء في داخل
وزارة الداخلية العراقية أو في داخل "قوات
الأمن العراقي"، وعليها ثانيا منع
وصول أية مساعدات أو تمويلات لجميع
الأفراد والهيئات المتشابكة مع العلماء
الشيعيين الراديكاليين المتمردين أو مع
الميليشيات الشيعية الراديكالية،
ومنها منعهم من حق الحصول على أية عوائد
نفطية.
تخريب
اقتصاد الحرب
غالبا
ما تفتح الحروب الأهلية الباب لتلك
الأنشطة الاقتصادية التي تستهدف تمويل
شراء السلاح وصرف رواتب المقاومين،
وبالطبع يخلق ذلك مصلحة لدى المستفيدين
اقتصاديا من تلك الأنشطة، مما يجعلهم
يعملون بدأب على استمرار تلك الحرب.
وفي
العراق، تتواطأ الكثير من العناصر
الإجرامية مع المقاومة، حيث تعمل تلك
العناصر في خطف العراقيين والأجانب،
وفي تهريب النفط، وفي تمويل جماعات
المقاومة؛ ومن ثم، يكون تخريب ذلك النوع
من الاقتصاد هو الخطوة الأمريكية
المُتوقعة في ظل الفترة القادمة. وهو
أمر يتطلب التحكم بشدة في النفط العراقي،
حتى لا يتسرب إلى أيدي الجماعات
المقاومة والميليشيات سواء.
منع
المساعدات الخارجية
من
المعروف، أن الحروب الأهلية ذات أبعاد
عبر قومية. فالدول المجاورة غالبا ما
تمد يد العون السياسي والاقتصادي
والعسكري للأطراف المتنازعة في الدولة
المعنية. والعراق لا يمثل خروجا عن
القاعدة، فالصراع الدائر هناك يتم شحنه
من قبل الجيران.
ولكي
تتحكم الإدارة الأمريكية في العنف
الطائفي العراقي، فعليها أن تضع هذا
العامل في الاعتبار. صحيح أن "قوات
التحالف" والحكومة العراقية قد بذلتا
كل "الجهد" لمنع المجاهدين
المتسللين من سوريا، إلا أن "الجهد"
ما زال باقيا فيما يخص المجاهدين
المتسللين من إيران. فالحدود العراقية
الإيرانية ليست بقصيرة، الأمر الذي
سيُصعب من المهمة الأمريكية، خاصة في ظل
التطورات الأمريكية الإيرانية الراهنة.