|
|
|
الرئيس المصري حسني مبارك أثناء حديثه لقناة العربية
|
التحذيرات
التي تصدر من بعض القادة والرؤساء العرب بين
الفينة والأخرى حول التأثير الإيراني على
شيعة العراق والخليج، أو حول وجود "هلال
شيعي" يتكون من حركات أو حكومات شيعية يمكن
أن يمتد من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان،
أو عن تغير التوازن التقليدي للسلطة بين
الطائفتين الإسلاميتين الرئيسيتين
بالمنطقة، رغم أنها في ظاهرها تحذر مما بات
يعرف بالخطر الشيعي، فإنها في باطنها ليست ذا
تأثير سلبي بقدر ما تنعكس فوائدها الضمنية في
أنها تخرج الحديث المكتوم، وللمرة الأولى،
إلى العلن، وتفتح الباب واسعا أمام مناقشة
موضوعية وعقلانية لجملة من الأمور.
ومن
بين ما تفتحه هذه التحذيرات من نقاش هو ما يخص
مطالب مشروعة للشيعة العرب في بعض البلدان
العربية بممارسة دور سياسي أكبر، وقضية
الخلاف الشيعي السني المذهبي وقضايا الاتفاق
والاختلاف بين الطرفين، إضافة إلى حقيقة
المخاوف من حرب أهلية شيعية سنية في العراق أو
دول مجاورة يتواجد فيها الطرفان.
في
هذا السياق، لم تكن تحذيرات الرئيس المصري
"مبارك" (التي أطلقها في حديثه لقناة "العربية"
الفضائية حول أن ولاء الشيعة لإيران وليس
لدولهم الأولى)، ولن تكون هذه التصريحات هي
الأخيرة، فقد حذر الملك الأردني عبد الله
الثاني في ديسمبر 2004 من قيام "هلال شيعي".
وكان
الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين ذاته قد
حذر سابقًا من هذا الخطر الذي أطلق عليه خطرا
"فارسيا" كي لا يثير حفيظة شيعة العراق
حينئذ.
لا
للمبالغة في فهم التحذيرات
ويمكن
القول إن هذه التحذيرات حتى وإن بالغت لفظيا
في رصد التأثير الإيراني أو سعيه للتمدد
بالعراق والخليج وسوريا ولبنان، فإنه ليس من
الحكمة لدى أي من الأطراف أن يحملها أكثر مما
تحتمل، فأيا كانت الصيغة اللفظية للتحذير،
فإنها مما لاشك لا يمكن أن تقفز على معطيات
تاريخية ثابتة تؤكد السمة العروبية للشيعة في
الأقطار العربية، وأن المرجعيات الشيعية في
العالم العربي في العراق ولبنان وغيرهما قد
اختلفت كثيرا في طروحاتها عن أفكار المرجعيات
الشيعية في إيران.
تحذير
الرئيس المصري تكمن أهميته إذن في أنه صادر عن
رئيس أكبر دولة عربية، وأنه بدا أشبه بصرخة
تنبيه ليس إلى الخطر الشيعي في حد ذاته كما
يقرؤه البعض، لكنه قد جاء في سياق القضية
الكبرى، وهي بداية حرب أهلية بالعراق لا
يستطيع أحد إنكار اشتعال جذوتها هناك، بما
تشهده من تداخل ملموس بين ما يحدث بالعراق وما
لإيران من دور مركزي على الساحة السياسية
العراقية لم يستطع الأمريكيون ذاتهم إنكاره
أو استبعاده إلى حد دخول الطرفين في حوار
ثنائي حول الوضع بالعراق، رغم ما بينهما من
أزمات ربما تخلق حربًا جديدة بالمنطقة.
حديث
الرئيس المصري عن الخطر الشيعي لا ينفصل
بدرجة أو أخرى عن أوضاع العراق واحتمالية ما
قد يحدث مثيله بالبلدان العربية المجاورة.
ومن جانب آخر لا يمكن تناوله دون وجود مخاوف
حقيقية وتحديدا خليجية قد يكون قد نقلها إليه
قادة دول الخليج في جولته الخليجية الأخيرة.
فالواقع
أن أول حرب شهدتها منطقة الخليج مع مطلع
الثمانينيات من القرن الماضي كانت في إحدى
أسبابها تعود إلى مخاوف تمدد النفوذ الشيعي
باتباع الجمهورية الإسلامية لمبدأ تصدير
الثورة إلى دول الجوار، وهو ما قد يثور مجددا
إثر النفوذ الإيراني المتصاعد بالعراق،
والذي أصبحت تسانده قوة عسكرية إيرانية
متطورة وقدرات نووية قد تتطور مستقبلا لصنع
سلاح نووي. ذلك كله وسط غياب فعلي لحوار سني
شيعي حول أوضاع المنطقة وترتيباتها، وعدم
التغلب على فكرة بسيطة تبدو أقرب إلى السذاجة
وهي أن ثمة تصورات سنية بأن كل الشيعة خطر،
وتصورات شيعية بأن كل السنة يعادونهم.
من
ثم يمكن فهم تصريحات بعض القادة العرب مثل مصر
والأردن ودول خليجية بأنها تحمل قلقًا
عربيًّا مشروعًا. وليس من قبيل المبالغة
القول إن هناك "فوائد" لهذه التحذيرات
ربما تتمثل في فتح باب المناقشة علنا حول قضية
الشيعة وعلاقتهم بإيران ومخاوف الحرب
الأهلية الفعلية التي بدأت إرهاصاتها في
العراق، والتي يمكن أن ينتقل هشيمها إلى
الخليج ودول أخرى. وبالتالي فهي سياسة
إيجابية تبتعد عن دفن الرءوس في الرمال،
ومواجهة هذه الإرهاصات قبل استفحالها.
ماذا
عن الشيعة العرب؟
|
|
المرجع الشيعي العراقي آية الله علي السيستاني |
الجانب
الآخر الذي لا يمكن إغفاله، وربما تكون هذه
التحذيرات مقدمة لنقاشه واتخاذ خطوات فاعلة
في سبيل تصحيحه، هو وضع الشيعة داخل البلدان
العربية ذات الأغلبية السنية. فطالما اشتكى
الشيعة من تجاهلهم وتجاهل مطالبهم، وهم هنا
شأن سواهم من الأقليات الأخرى، فالواقع أن
الدول العربية لم تتمكن من إنجاز مفهوم شامل،
جامع مانع، للمواطنة، مع أي من الأقليات التي
توجد على أراضيها، وأن ثمة تهميشا فعليا
لقطاعات واسعة شعبية من الأغلبية أيضا خاصة
في مجريات السياسة وأمورها. لكن الواقع
بالنسبة للشيعة أن الوضع يتجاوز المحلي ليماس
الإقليمي، وأن للشيعة العرب مخاوف لها علاقة
بذكريات مؤلمة من بعض المواقف الرسمية وغير
الرسمية العربية تتصل بقضية الفرز الطائفي
واستبعادهم من المناصب أو التحسب منهم رغم أن
غالبية السنة والشيعة في العالم العربي
يتفقون على أن هناك خطرا خارجيا واحدا
يواجههم، وهناك تنظيمات شيعية سنية مشتركة
خصوصا في العراق مثل "هيئة مقاومة الاحتلال"
تضم علماء شيعة بجوار السنة.
والمشكلة
هي في هذا الربط العربي الرسمي بين مطالب
للشيعة وبين إرجاعها إلى عامل محفز وتأثيري
خارجي ربما يبدو صحيحا وربما يبدو غير ذلك
أحيانا، فيختلط ما يبدو أنه مطالب مشروعة بما
قد يتصور أنه امتداد للنفوذ أو الخطر.
والحقيقة أن الشيعة في كافة الدول العربية
شأن غيرهم من الحركات الأخرى قد سعوا
للاستفادة قدر الممكن من حالة الانفتاح
السياسي المحدود التي تعيشها غالبية النظم
العربية في الأعوام الثلاثة الأخيرة.
بيد
أن المشكلة تكمن في كيفية ترسيخ مفهوم "المواطنة"
لدى النظم العربية ذاتها، ولدى أقلياتها من
ناحية أخرى ومنهم الطوائف الشيعية، وهي لا شك
معضلة كبرى تقف حائلا أمام إنجاز إصلاح سياسي
جدي بالمنطقة.
وإذا
كانت تحذيرات القادة العرب تعكس مخاوف الخطر
الطائفي، فإن ردود الفعل الشيعية في الدول
العربية توضح أمرين: أولهما المخاوف من خطر
التشدد العربي، وثانيهما التأكيد على وحدة
السنة والشيعة وولاء الشيعة العرب لبلادهم.
وليس
إعلان حكومة الجعفري بالعراق عن رفض المشاركة
في اجتماع لوزراء الخارجية العرب في 12 إبريل
المقبل والمخصص لدول الجوار العراقي (11 دولة)
وكذلك انزعاج بعض القيادات الشيعية بالعراق
ودول خليجية من تصريحات مبارك - إلا رد فعل
طبيعيا لا يخرج عن إطار الرد على الاتهام لهم،
كما لا يخرج عن إثبات انتمائهم العربي، حتى
وإن كانت بعض ردود الفعل قد عقدت مقارنات بين
ولاءات الشيعة لبلادهم وولاءات بعض السنة.
لقد
ركز معظم غالبية علماء الشيعة في ردود
أفعالهم على تصريحات مبارك على الخطر
الأمريكي الأصلي، ونادوا بتضافر جهود السنة
والشيعة في البلدان العربي لمواجهة الخطر
الخارجي. ومن ذلك تحذير العلامة اللبناني
محمد حسين فضل الله من اعتماد خطاب رسمي عربي
مذهبي، أو التركيز على الجانب الطائفي أو
المذهبي والانسياق وراء الأوضاع التي يعمل
المحتل الأمريكي لتعزيزها على حساب الواقع
الإسلامي، إضافة إلى صدور بيان وقع عليه 242
شخصية سعودية شيعية يؤكد أن الموطنين الشيعة
في المملكة العربية السعودية "في أمس
الحاجة" لتعزيز الوحدة بين المسلمين، وقول
رئيس تجمع العلماء المسلمين الشيعة في الكويت
محمد باقر المهري أن "ولاءنا أولا وأخيرا
لأوطاننا، ونحن مستعدون أن ندافع بالسلاح ضد
أي اعتداء على بلداننا"، وقول حزب الله
وحركة أمل الشيعية: إن "شيعة لبنان قد أخذوا
شهادة بوطنيتهم ومصداقيتهم وإخلاصهم لوطنهم
وشعبهم من التضحيات والدماء والجهود التي
بذلوها في خدمة هذا الوطن وهذه الأمة".
مخاطر
المبالغة من الخطر الشيعي
|
|
الإمام الخميني أشهر المرجعيات الدينية في القرن العشرين |
وأمام
ما يمكن استفادته من نقل المخاوف العربية من
الخطر الشيعي إلى العلن، ومقابلتها بمخاوف
شيعة الداخل في الدول العربية، فإن ثمة مخاوف
من أن تتحول هذه التحذيرات إلى ما يشبه التخوف
من "فزاعة" الشيعة. ذلك أن المبالغة في
التحذيرات ربما تقود لنتائج غير مرجوة، وتخدم
نهاية المشروع الأمريكي بالمنطقة.
ومن
هذه المخاوف على سبيل المثال إنهاء المكاسب
القليلة التي تحققت من لقاءات المذاهب
الشيعية والسنية، ودخول الأئمة السنة
والمرجعيات الشيعية في تراشق بالاتهامات قد
يؤجج خطر الطائفية والمذهبية بالعراق ودول
عربية أخرى، بل سيمتد داخل إيران نفسها حيث
الأقلية السنية بمنطقة الأهواز، إضافة إلى
إمكانية سعي الشيعة العرب إلى الارتماء في
أحضان إيران بصورة أكبر لا سيما أن هناك مراجع
شيعية وبعض الأحزاب العراقية يزيد تعانقها مع
المرجعيات الإيرانية عن حد التعاطف مع إيران
إلى حد الولاء لها.
على
أن الخطر الأكبر هو سعي السنة والشيعة من حيث
لا يدرون إلى خدمة المصالح الأمريكية خاصة في
ظل حالة التوجس الخليجي من القوة الإقليمية
لإيران في غياب كامل لعوامل التوازن الإقليمي
التي كانت سائدة قبل احتلال العراق، فربما لا
تجد الدول الخليجية مخرجا من وضع كهذا سوى
اللجوء لمزيد من الاحتماء بالولايات المتحدة
والغرب، واستمرار بقاء القوات والقواعد
العسكرية بالمنطقة أمدا طويلا، وربما وجدت
الولايات عاملا إضافيا وحجة جديدة تسوقها
لبقية حججها للتدخل السافر في الشئون
الداخلية للدول العربية، وتسخين بؤرة للتوتر
يمكن إغلاقها عربيا بمزيد من تحقيق مطالب
الشيعة في الداخل، وتدعيم حوار جدي مع الجانب
الإيراني، وتفعيل للحوار السني الشيعي.
أخيرا،
فإن تصريحات الرئيس مبارك -ومن قبله قادة عرب
آخرون- لها بالتالي منافع ومخاطر، لكنها في
التحليل الأخير ربما تكون "الضارة النافعة"
شرط تجذر حوار سني شيعي ودرء أكبر للمفاسد
بتعميق الانتماء الشيعي العربي، وجلب أكثر
للمنافع بالحذر من الانجرار خلف مزيد من توتر
عربي إيراني لا يخدم استقرار المنطقة في
الظروف الراهنة التي بلغت فيها الأزمة بين
إيران والغرب تصعيدًا لا سابق له.
اقرأ
أيضا:
**المحلل
السياسي بإسلام أون لاين.نت