|

|
|
غلاف وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في مارس 2006
|
تنطلق
هذه الإستراتيجية من مبدأ أن "أمريكا في
حالة حرب" لدحر الإرهاب دولا وجماعات
وأفرادا، وتهدف "لنشر الديمقراطية ودعمها
في كل ثقافة وأمة... وذلك للحفاظ على أمن الشعب
الأمريكي"، وهذا يتطلب "البقاء في حالة
هجوم، وهزيمة الإرهابيين خارج الأراضي
الأمريكية حتى لا نضطر لمواجهتهم على أرضنا".
ورد
هذا في أول فقرة، وما يليها مباشرة حديث عن أن
الوصول لتلك الأهداف جعل من الولايات المتحدة
في بداية حرب "طويلة كالتي خاضتها إبان
الحرب الباردة، ومثلما توجت في النهاية
بالانتصار على عقيدتي الشيوعية والفاشية"،
فإنه إذا كانت هناك أيديولوجية تهدد (أمريكا)
فهي أيديولوجية لا تنطلق من فلسفة علمانية
وإنما تتأسس على أيديولوجية شمولية ركيزتها
تحريف ديانة عظيمة (الإسلام) قد تختلف في
المنطلق عن أيديولوجية القرن الماضي ولكنها
تتفق في المضمون "عدم التسامح، والقتل،
والإرهاب، والاستعباد، والقمع".
إذن
فنواة الإستراتيجية هي الحرب الاستباقية. وفي
منتصف دائرة التصويب يقع الإسلام السياسي "فالصراع
ضد الراديكالية الإسلامية المقاتلة هو
الصراع الأيديولوجي الأكبر في السنوات
الأولى من القرن الحادي العشرين، ويأتي في
وقت تصطف فيه القوى العظمى في جانب واحد في
مقاومة الإرهاب".
الإستراتيجية
ترفض كل الطروحات والتفسيرات والانتقادات
والسياسات التي تخالف نظائرها الخاصة
بواشنطن، فالإرهاب مثلا "ببساطة ليس ناتجا
ثانويا عن الفقر"، ولا هو "ببساطة نتاج
عداوات أثارتها سياسات أمريكا في العراق"،
وكذلك "ليس مرده القضية الفلسطينية-
الإسرائيلية"، وأيضا "ليس استجابة لجهود
أمريكا لمنع الهجمات الإرهابية".
الإسلام
في قلب الإستراتيجية
تنفي
وثيقة بوش أن تكون إدارته في حرب ضد المسلمين،
وإنما تخوض معاركها في "الحرب على الإرهاب (باعتبارها)
معركة أفكار وليست معركة ديانات"، حيث "يواجهنا
الإرهابيون الدوليون باستغلال دين الإسلام
العظيم لخدمة رؤيتهم السياسية العنيفة".
في
هذه النقطة تستلهم الإدارة الأمريكية ما سبق
أن حذر به رئيس الوزراء البريطاني توني بلير
المارقين من المسلمين بالتزام "التيار
العام للإسلام" أو Main stream Islam وهو الإسلام
الذي يرضي الغرب ومن يخالفه فهو إرهابي،
فتمنح الإستراتيجية نفسها الحق في وصف الدين
الذي تحاربه "بالإسلام الراديكالي" الذي
"يسوغ القتل، ويحرف ديانة الإسلام العظيمة
وليها لخدمة الشر".
بل
تذهب الإستراتيجية لاغتصاب تفسير أحد أهم
أركان الإسلام "فالإرهابيون يشوهون فكرة
الجهاد للدعوة لقتل كل ما يخالفهم من
المرتدين والكفرة كالمسيحيين واليهود
والهندوس وسائر الديانات الأخرى". وعلى
القادة المسلمين المسئولين أن يشجبوا "الأيديولوجية"
التي تشوه وتستغل الإسلام بغية نهاية مدمرة""،
وحيث تدرك الإستراتيجية "الأكاذيب التي
ترتكز عليها أيديولوجية الإرهابيين لاستغلال
المؤمنين (المسلمين)"، فإن الأمريكيين سوف
يستمرون في "تمكين المسلمين المسالمين من
ممارسة إيمانهم والتعبير عنه".
القوة
مظلة عامة والاستباق باق
تفصل
الإستراتيجية الأوليات الأمريكية، بتقديم
رؤية واضحة عن قوة الولايات المتحدة، وعن
مسئوليتها في إحداث تغييرات في مختلف أنحاء
العالم.
ومما
يميز تلك الإستراتيجية التي لم تتخل عن
استخدام الهراوة تقديم استخدام القوة
الناعمة مثل استعمال المداهنات الاقتصادية
والثقافية والدبلوماسية على وسائل أخرى من
أجل القضاء على الطغيان ونشر الديمقراطية
بصورة فعالة.
ورغم
ما سبق وإعلان رغبة أمريكا في "استخدام
مجال أوسع نطاقا من الوسائل" وصولا لأهداف
الإستراتيجية، فإن الوثيقة تؤكد على أهمية
الدور الرئيسي للقوة العسكرية الأمريكية حيث
تقول الوثيقة: "بيد أننا عند الضرورة،
ووفقا لمبادئ الدفاع عن الذات المعمول بها
منذ وقت طويل، لا نستبعد استخدام القوة قبل أن
تحدث الهجمات ضدنا، حتى في حالة عدم اليقين
بشأن توقيت ومكان هجوم العدو".
من
ثم تتوسع وثيقة 2006 بشكل واضح حول إطار
الإستراتيجية الأصلي الذي تحولت بموجبه
سياسة أمريكا من سياسة الردع والاحتواء التي
تبنتها لعقود طويلة إلى سياسة أكثر عدوانية،
تقوم على "مهاجمة الخصوم قبل أن يقوموا هم
بمهاجمة الولايات المتحدة"، لذا لم يطرأ
تغيير بالإستراتيجية المعدلة ويؤكد بوش في
خطاب تدشينها أنها "ستظل كما هي".
توسع
في الأعداء وإيران أكبر خطر
تعد
الإستراتيجية رسالة قوية جدا لإيران مفادها
أن واشنطن قد تستخدم القوة للقضاء على
التهديد النووي الذي تشكله، إذ تشير بجلاء
إلى إيران باعتبارها "أكبر خطر يمكن أن
تشكله دولة بمفردها على الولايات المتحدة".
توقيت
إعلان الإستراتيجية 2002 سبق غزو العراق بستة
أشهر، وأخطاء إيران والاتهامات الموجهة
إليها في وثيقة 2006 تشابه إلى حد مقلق
الاتهامات التي وجهت لنظام الرئيس العراقي
صدام حسين قبل 4 سنوات، فأمريكا بحسب الوثيقة
لديها مخاوف أكبر من "النظام الإيراني (الذي)
يدعم الإرهاب ويهدد إسرائيل ويحاول نسف
السلام في الشرق الأوسط وينكر على شعبه
التطلع إلى الحرية".
لقد
تضمنت الوثيقة صفحة كاملة خصصت لتبرير الحرب
على العراق، ويبدو أنه تحذير مباشر لإيران
جاء فيه "ليس لدينا أدنى شك في أن العالم
سيكون أفضل حالا إذا أدرك الطغاة أنهم
بامتلاك أسلحة دمار شامل سيتحملون عواقب ذلك".
وثيقة
الإستراتيجية الأولى تحدثت عن محور الشر "إيران
والعراق وكوريا الشمالية"، أما الثانية
فلم تركز على كوريا الشمالية واكتفت بأن
عليها "تغيير سياساتها"، ثم بشيء من
التوسع وجهت أصابع الاتهام إلى 5 "أنظمة
دكتاتورية استبدادية" أخرى مثل سوريا
وكوبا وروسيا البيضاء وبورما وزيمبابوي.
انتقدت
وثيقة البيت الأبيض أيضا الصين وروسيا،
فالإستراتيجية تنظر إلى روسيا نظرة أكثر
تشككا مقارنة بنظرتها في نسختها الأولى 2002
عندما كان وهج التقارب بين بوش وبوتين لا يزال
ساطعا. فقد ورد في الوثيقة عند الإشارة إلى
روسيا: "إن الاتجاهات الحديثة تؤشر للأسف
إلى تقلص الالتزام الروسي بالحريات
والمؤسسات الديمقراطية".
كما
تحذر الصين بأنه "يتعين عليها أن تتصرف
كدولة مسئولة تفي بالتزاماتها وتضمن الحرية
السياسية والحرية الاقتصادية"،
وإستراتيجية أمريكا تسعى إلى "تشجيع الصين
على اتخاذ الاختيارات الإستراتيجية الصحيحة
لشعبها مع قيام الولايات المتحدة في نفس
الوقت بالتحوط لكافة الاحتمالات الأخرى".
هكذا
تمضي الوثيقة تستعرض كل ركن من أركان
المعمورة وتضعه تحت ضوء مجهر قوي، وتقومه
بعدا وقربا من أهداف الإستراتيجية، وعلى هذا
النحو توضح الوثيقة أن "أفريقيا تكتسب
أهمية جغرافية – إستراتيجية متزايدة وتشكل
أولوية في جدول أعمال الإدارة"، وتوجه
تحذيرا إلى شعوب أمريكا اللاتينية "من
الانسياق وراء الدعوات المضادة للسوق الحرة"
في إشارة للرئيس الفنزويلي هوجو شافيز.
ما
يثير السخرية هو أن الإستراتيجية التي تلتزم
من أول سطر بنشر الديمقراطية تعترف بأن "الانتخابات
ليست كافية في حد ذاتها"، كما أنها تقود
أحيانا إلى "نتائج غير مرغوبة"، تقول
الوثيقة "فهذه المبادئ قد تعرضت للاختبار
عندما فاز مرشحو حماس في الانتخابات الأخيرة
التي عقدت في المناطق الفلسطينية".
طالع: