|
الديمقراطية الغربية.. المال وغياب ضوابط القيم |
|
نبيل
شبيب**
|
29/03/2006
|
|

|
|
صحيفة
الإندبندنت تكشف عن فضائح مالية
لحزب العمال البريطاني
|
في
الدول الديمقراطية الغربية لا ينقطع
مسلسل أخبار الفضائح المالية، الحزبية
والسياسية. وما عُرف مؤخرا بفضيحة
القروض المالية لحزب العمال
البريطاني، شهدته وتشهد ما يشابهه
أحزاب عديدة في فرنسا وألمانيا
وإيطاليا وبلجيكا وغيرها؛ وهو ما يسمح
بوصف هذا المسلسل بالظاهرة المنتشرة
عموما في الديمقراطيات الحزبية
الغربية، كما يدفع إلى التساؤل عن
أسبابها الأعمق مما تطرحه النظرة في
العوارض الآنية للمشكلة.
الحديث
من هذه الزاوية عن عيب رئيسي من عيوب
الديمقراطية لا يعني تجاهل
إيجابياتها، ولكن يؤكد أهمية استيعاب
أنها محض آلية تطبيقية لممارسة
السلطة، فهذا ما يحدد موضع هذه العيوب
التي يستفيض في الحديث عنها مفكرون
غربيون، ويشاركهم في ذلك جزئيا على
الأقل العامة والمسئولون، وأبرز ما
يظهر عند التأمل في الظاهرة هو أن أغلب
العيوب والسلبيات يصدر عن تغييب
التفاعل الضروري ابتداء بين آليات
تطبيقية إيجابية عموما، وضوابط القيم
المضمحلة بوضوح في البنية الهيكلية
للحكم والتوجيه في المجتمعات المعنية.
المادية
بعد التنوير
ولكن..
ألا يتحدث زعماء الغرب عن منظومة قيم
غربية ويروجون لها بإلحاح إلى درجة
الإكراه، فكيف نقول بتغييب مفعول
القيم على العملية الديمقراطية؟.
الواقع
أن ما يراه الغربيون قيما يختلف جوهريا
عما تعنيه الكلمة في الأدبيات
السياسية العربية. إذ لم تعد لديهم
ثوابت مرتبطة بالفطرة والتجربة
والمعتقد في حياة البشرية، بل يطلقون
الكلمة على "قواعد ومبادئ ومقولات"
تتحدد مضامينها عبر التشريعات
الدستورية والقانونية. وهذه تقبل
التبديل والتعديل، فيُصنع الجديد
باستمرار على حساب القديم.
وفي
نطاق الدولة تتولى صياغةَ تلك
التشريعات، أي تحديدَ "ضوابط القيم"،
تشكيلة الغالبية الحزبية الناجمة
ديمقراطيا عن الانتخابات، ولا يغيب
التناقض الكامن في هذه الآلية، والذي
ينعكس في قابلية تجنب صياغة ضوابط تحد
من القدرة الذاتية على التصرف، هنا
يظهر أحد جوانب أهمية مفعول الفساد
المالي على الصعيد الحزبي؛ إذ يتنامى
بقوة دفع تلقائية وفق حركة لولبية،
فيتضاعف أثره.
سؤال
آخر يطرح نفسه: ما هو موقع التعددية
الحزبية في الديمقراطيات الغربية
الحديثة؟.
التعددية
حديثة نسبيا وسبقتها مرحلتان تاريخيا،
هما حقبة الطبقية الإغريقية فالكنسية،
وحقبة التنوير الأوربي، وقد شاع في
الأدبيات العربية التعبير عن
الديمقراطية بأنها حكم الشعب نفسه
بنفسه، على أن أصل الكلمة اللغوي وواقع
نشأتها في الأدبيات الإغريقية القديمة
حددها بأنها "مشاركة العامة في
التعبير عن الرأي"، وحمل وصف
ديمقراطية أثينا في نطاق حكم طبقي، ثم
اندثرت هذه المشاركة في طبقية "الثيوقراطية"
الكنسية والرومانية.
وعندما
بدأت الأفكار الديمقراطية الغربية
الجديدة بالظهور في فلسفات التنوير
الأوربي، لا سيما فيما طرحه كانط
بألمانيا وروسو في فرنسا، دار محورها
أيضا حول التعبير عن الفرد وإرادته،
وكان الجديد في إضافة رفض الطبقية
وحكمها سيان ما مصدرها.
ولم
يطرح مفكرو التنوير الأوربي صيغا ما
لآلية حزبية، إنما نشأت تدريجيا خلال
الثورة الإنجليزية في القرن السابع
عشر، والفرنسية في القرن الثامن عشر،
من خلال نشأة أكثر من اتجاه في نطاق
معارضة الطبقات الحاكمة.
وتؤكد
العودة إلى هذه النشأة التاريخية أن
إقصاء مفعول قيم الفطرة والخبرة
والمعتقد الديني، بغض النظر عما
اعتراها من انحرافات تاريخية لم يقترن
بنشأة الديمقراطية في بداياتها الأولى
على وجه التحديد، إنما اقترن في الفترة
التالية بانتشار الفلسفات المادية
والإلحادية، بدءا بالتجريبية الحسية/
الإمبريقية، مرورا بالجدلية
التاريخية المادية/ الماركسية، انتهاء
بالوجودية والوضعية، وهي التي تزامنت
مع ولادة الاتجاهات الغربية الكبرى،
كالرأسمالية والشيوعية، وولادة
الأحزاب الممثلة لها وللقوميات
الناشئة مع نشأة الأنظمة الجمهورية في
أوربا.
إن
ثوابت القيم بمعناها الأصلي كانت جزءا
من الضوابط المعتمدة في أطروحات
التنوير وفق كانط وروسو وأقرانهما،
وجاء تعويمها ثم تغييبها لاحقا، يتصل
بذلك على الصعيد السياسي مثلا أن "العقد
الاجتماعي" لروسو الذي يكثر
الاستشهاد به كان ينادي بالتمثيل
الشعبي المباشر في الحكم، للتعبير عن
إرادة الشعب، وكان الوجه الآخر له صيغة
"التربية الفردية" التي وضع لها
صيغة شاملة في كتاباته، وهذا ما بقي
أكثر من مائة عام في محور المناهج
الفرنسية، ولكن أسقط تماما بعد أن وصلت
التطورات الفلسفية إلى تبنّي النهج
العلماني والنهج المادي بصورة كاملة.
وفي تلك الحقبة أيضا بدأ ترسيخ التمثيل
الحزبي النيابي ينتشر في الديمقراطيات
الغربية.
إذن
ما هي حصيلة إقصاء قيم الفطرة والخبرة
والمعتقد؟.. في الإجابة على هذا السؤال
عدد من العناصر:
1-
نصوص الدساتير والأنظمة الغربية تؤكد
ما يؤكد المنطلق "التنويري"
فكريا، ومن ذلك أن النائب المنتخَب
مسئول أمام ضميره في ممارسة المهمة
الموكولة له من جانب الناخبين، لكن
يقابل ذلك على أرض الواقع أن جميع
الممارسات السياسية والحزبية بل
والكتابات الغربية المعاصرة تؤكد أن
صناعة القرار -وهي في مقدمة مهام
النائب- تقوم على موازنة المصالح،
والمقصود المصالح المادية أولا، كما
أصبح التصويت في الديمقراطيات
النيابية يعتمد في الدرجة الأولى على
الولاء الحزبي، ولا يخرج نائب عن هذه
القاعدة إلا ويكون خروجه بمناسبة
التأبين لحياته السياسية، إلا في
حالات نادرة.
2-
مع اعتبار "النمو الاقتصادي" أي
النمو المتواصل لإنجاز الشركات
الاقتصادية، هو الهدف الأول للمجتمعات
الغربية، لم يعد التنافس السياسي
الحزبي هو الأهم في نظام ديمقراطي
غربي، بل أصبح الأمر الأهم على أرض
الواقع هو التنافس الاقتصادي، بين
الدول من جهة، وبين الشركات العالمية
الكبرى التي تنتمي إلى تلك الدول من
جهة أخرى.
3-
الانتخابات هي الوسيلة الإجرائية
الأهم ديمقراطيا للتعبير عن الإرادة
الشعبية، أو لتطبيق شعار "حكم الشعب
نفسه بنفسه"، ولا يستطيع فرد غير
منتظم حزبيا احتمال النفقات الضخمة
للمعارك الانتخابية، كما لا تستطيع
الأحزاب نفسها احتمالها أيضا. وإلى
جانب الدعم المالي للأحزاب من مالية
الدولة، وبالتالي من ضرائب الناخبين،
يعتمد تمويلها على الاشتراكات بنسب
متدنية، وعلى التبرعات، وهنا لا يوجد
مصدر للتبرعات أكبر من الشركات ذات
المصالح المادية المتناسبة طردا مع
حجم طاقاتها المالية الضخمة.
4-
تحد الضوابط الدستورية والقانونية
جزئيا -أو نظريا- من قابلية الاستغلال
السياسي والاقتصادي لإسهام الشركات في
تمويل الأحزاب، ولكن الواقع التطبيقي
يكشف عن أمرين باستمرار، هما عدم كفاية
هذه القوانين أولا وتجاوزها بصورة
مستمرة، وثانيا إذا انكشف التجاوز
يمكن أن يتحول إلى فضيحة مالية حزبية
تؤدي إلى سقوط هذا السياسي أو ذاك،
ولكنها لا تؤدي إلى انهيار أسس اللعبة
السياسية القائمة على تلاقي مصالح
حزبية من داخل أجهزة السلطة مع مصالح
مادية لشركات تستخدم المال للتأثير
على القرار الذي يصدر عن السلطة، أي
تشكيلة الغالبية الحزبية.
بين
الولاء للناخبين والولاء للممولين
الأمثلة
على التجاوزات المالية كثيرة في
أوربا، منها قروض مالية بفوائد ربوية
مخفضة كما في حالة حزب العمال
البريطاني في عهد بلير، ومثال آخر
حسابات مصرفية سرية لتبرعات الشركات
خارج الحدود كانت قيادة الحزب المسيحي
الديمقراطي في عهد المستشار الألماني
الأسبق "كول" استخدمتها لتعزيز
مكانته ودعم مناصريه الحزبيين، ومثال
ثالث الفضيحة التي عرفت أواخر عام 2000
بفضيحة "ماري" عن انتهاكات
قانونية في تمويل حزب الديجوليين
الفرنسي بزعامة جاك شيراك وتمويل
أحزاب المعارضة أيضا لضمان عدم
اعتراضها على صفقات تحصل عليها
الشركات المتبرعة من جانب السلطات.
هذه
الأمثلة نماذج تكشف عن تعدد أشكال
الفساد المالي ومخاطره على القرار
الديمقراطي عبر إشكاليات تمويل
الأحزاب، وتكشف أيضا عن سعة انتشار
الظاهرة؛ فهي غيض من فيض تتحدث عنه
وسائل الإعلام لارتباطه بمستويات
حزبية عليا. أما الحالات المماثلة على
مستويات أدنى، وصولا إلى البلديات،
فأوسع انتشارا وشبه "اعتيادية"،
بل ليس من النادر تصنيفها تحت عنوان
"ضرورات" دفع ثمن الميزات التي
تحققها الديمقراطية.
لقد
تحولت الأحزاب -بنسبة كبيرة- من تمثيل
الإرادة الشعبية إلى تمثيل إرادة
القوى الاقتصادية والمالية، وضاعفت
"العولمة" استفحال هذه الظاهرة؛
إذ بات أصحاب الشركات الكبرى أقدر على
ممارسة الضغوط على الحكومات والأحزاب
وحتى الشعوب في بلادهم، مع التهديد
العلني بنقل أماكن الإنتاج من الوطن
الأم إلى مواطن أخرى، تتوافر فيها
معطيات ضرائبية أفضل، ويد عاملة
بتكاليف أدنى.
وليس
من النادر أن يرتقي بعض الزعماء
الحزبيين وترسخ مكانة بعض الأحزاب رغم
الكشف عن التورط في فضائح مالية، كما
كان مثلا مع مسلسل الفضائح المالية
للحزب المسيحي الديمقراطي مع سقوط
رئيسه كول قبل سنوات، فقد تلاه ارتفاع
أسهم الحزب في مسلسل الانتخابات
التالية على مستوى الولايات الألمانية
إلى أن وصل مجددا إلى السلطة المركزية،
كما أن الكشف عن الفضيحة المالية
المشار إليها لحزب الديجوليين لم
يزعزع مكانة الرئيس الفرنسي جاك شيراك
فأعيد انتخابه بعدها.
حتى
الآن لا يبدل من هذه السلبيات ارتفاع
نسبة الكتب الصادرة عن المتخصصين في
العلوم السياسية في الدرجة الأولى عن
ظاهرة الفساد المالي وكيف تنخر في
الحياة الديمقراطية إلى درجة أشبه
بحكم الشركات للشعب وليس حكم الشعب
لنفسه.
وفي
الواقع الغربي لا ينفصل أمر التعددية
الحزبية، عما عُرف بالليبرالية ونحى
منحى تحرير الفرد من ضوابط القيم على
ما يصنع فيما يملك، وينعكس ذلك في
الممارسات اليومية، إلى درجة أن كثيرا
من المتحدثين سياسيا أو إعلاميا، وفي
بعض الأحيان فكريا أيضا، إذا وجدت كلمة
من الكلمات ذات العلاقة بالقيم
والأخلاق طريقها إلى حديثهم، سرعان ما
يؤكدون أنهم "لا يقصدون الموعظة
الأخلاقية" بصيغة التبرؤ من "تهمة"
الالتزام الخلقي أو الانطلاق منه في
التعقيب على حدث من الأحداث.
والبداية
في نشأة الرأسمالية على أسس
استغلالية، وهنا لا تعني "مصلحة
الفرد" تحقيق المصلحة لكل فرد، فهذا
مرتبط بغلبة المصلحة المادية عبر
مفعول قوة المال أولا، وبالتالي قدرة
مالكه على استغلاله لتحقيق ما يريد على
حساب الآخرين، بينما يضمحل مفعول
سيادة القضاء والقانون -ولا يغيب كلية-
بقدر انتشار مفعول المال على استصدار
التشريعات والقوانين وتعديلها، وهو ما
يجري في الدرجة الأولى عن تأثير تمويل
الأحزاب السياسية بالتبرعات المالية.
مشكلة
الديمقراطية الغربية لا تكمن في أسسها
كآلية لممارسة السلطة، معرّضة –كالتقنيات
الحديثة- للاستخدام لأغراض فاسدة أو
صالحة، بل إلى افتقاد ضوابط
استخدامها، وهو مما يؤكد ضرورة
التمييز بين تجاوب ما مع دعوات
الديمقراطية وتجاوب مرفوض مع دعوات
نشر منظومة قيم غربية، متبدّلة، أصبحت
في قبضة الفلسفات والمصالح المادية
إلى حد كبير، وغدت مصدر خطر على
الديمقراطية نفسها.
إن
تطبيق الآليات الديمقراطية من
انتخابات وفصل سلطات وسيادة القضاء
والقانون، رهن -كتطبيق سواها من آليات
الحكم- بوجود منظومة قيم تعلو عليها،
وهذا بالذات ما تصنعه القيم الصادرة عن
الفطرة والتجربة والمعتقد في الحياة
البشرية، والتي ينمو مفعولها بقدر ما
ينمو الأخذ بها في مناهج صناعة الإنسان
وتوجيه المجتمع.
اقرأ
أيضا:
**
كاتب سوري مقيم في ألمانيا.
|