|
|
|
أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين بمجلس الشعب المصري
|
يبدو
أن "إنفلونزا الطيور" التي اجتاحت أكثر
من نصف المحافظات المصرية وتهدد 20 مليار جنيه
من الاستثمارات في هذه الصناعة الحيوية تحولت
إلى "إنفلونزا إصلاح سياسي" بسبب تصعيد
معارضي حكومة الحزب الوطني الحاكم، خصوصا
جماعة الإخوان المسلمين، وباتت -إلى جانب كل
من كارثة العبارة السلام 98، والدعوة لإلغاء
الطوارئ- فرصة لقوى المعارضة عموما لمعاودة
تصعيد مطالبها المتعلقة بالإصلاح السياسي،
والتحذير من تنكر الحزب الوطني للإصلاحات
التي وعد بها.
ويبدو
أن هذا التصعيد الحكومي رد على تسخين جماعة
الإخوان للساحة السياسية - بحكم كونها القوة
السياسية الأبرز على الساحة السياسية
والبرلمانية- عبر سلسلة استجوابات وطلبات
إحاطة للحكومة عن كوارث "إنفلونزا الطيور"
و"العبارة" يحملون فيها الحكومة ضمنا
المسئولية بدعاوى وجود فساد أو إهمال، بجانب
سلسلة مظاهرات طلابية عاودت المطالبة
بالإصلاح ونقد الإساءة الدانماركية، أدت في
نهاية الأمر لرفع حرارة "إنفلونزا الإصلاح"،
ما دفع الحكومة لتصعيد المواجهة مع الجماعة
والتلويح مرة أخرى بسلاح "عدم الشرعية"
سعيا وراء عدم تجاوز الجماعة للخطوط الحمراء
أو مساحة اللعب المسموح بها.
هذا
التصعيد الحكومي ضد الإخوان -الذي تضمن
اعتقال قرابة 16 من الإخوان بينهم عضو مكتب
الإرشاد د. رشاد البيومي الأستاذ بكلية
العلوم جامعة القاهرة، ومنع قياديين من السفر
(د. جمال حشمت ود. على عبد الفتاح)، وغلق مقر
الإخوان في الإسكندرية، وتوجيه فنادق لعدم
استضافة مؤتمرات الإخوان، وتعويق ترشيح
اثنين منهم في انتخابات نادي "سموحه"
الرياضي- ربما تكون له أسباب أخرى خارجية،
فضلا عن الداخلية.
وأهم
هذه الأسباب الخارجية ما يمكن تسميته بـ"حالة
الخرس" الأمريكي المفاجئة حيال خطط نشر
الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي
بعدما أظهرت التجارب أن المحصلة تأتي لصالح
الخصوم "الإسلاميين"، حيث ظهرت حقيقة
الضغوط الأمريكية المطالبة بإصلاحات داخلية
في مصر والعالم العربي، والتي انصبت حول
المطالبة باستجابة مصرية لمطالب تتعلق
بالمصالح الإقليمية الأمريكية (في فلسطين
والعراق وإيران) لا بالإصلاح الداخلي!.
أسرار
التصعيد الداخلية
كان
مسلسل التصعيد قد بدأ بنشاط إخواني مكثف في
البرلمان المصري بجملة طلبات إحاطة
واستجوابات حول عدة قضايا داخلية، أبرزها
كارثة "العبارة" وإنفلونزا الطيور،
والمطالبة بإلغاء قانون الطوارئ، وإطلاق
سراح المعتقلين داخل السجون، وتبني مشروع
السلطة القضائية، وتبع ذلك مظاهرات للإخوان
في الجامعات وأمام بعض النقابات المهنية على
خلفية الاحتجاج على رسوم الإساءة
الدانماركية، وإنفلونزا الطيور.
وتبع
هذا مشاحنات برلمانية ورفض لمناقشة بعض مطالب
نواب الإخوان حول بعض هذه القضايا. بيد أن
التصعيد الإخواني استمر في صورة الدعوة
لمسيرات سلمية أمام نقابة المحامين 3 مارس 2006،
ثم مؤتمر للإخوان والقوى الوطنية ومؤسسات
المجتمع المدني يوم 6 مارس عن كارثة إنفلونزا
الطيور (تم نقله لمقر الإخوان بعد اعتذار أحد
الفنادق الكبرى عن عدم استضافته بعد ضغوط
أمنية).
ويبدو
أن تصعيد الإخوان بكارثة إنفلونزا الطيور
والحديث عن الفساد خصوصا في مظاهرات طلابية
ونشر صحف حكومية أن نوابهم حرضوا أصحاب
المزارع على التظاهر أمام البرلمان وساندوهم،
فضلا عن وقوف نواب من الإخوان ضد قرارات
حكومية بغلق محال بيع الدواجن الحية، إضافة
إلى تبني قضايا تتعلق بالقضاة والصحافة،
والظهور بمظهر من يقود الشارع السياسي -كل ذلك
أثار حفيظة الحكومة واعتبروه تخطيا للخطوط
الحمراء التي رسمتها لحركة الجماعة ونوابها
في البرلمان.
ولهذا
يمكن اعتبار خطوة اعتقال 11 من الإخوان -أبرزهم
الدكتور رشاد محمد البيومي عضو مكتب الإرشاد
مسئول الملف الطلابي- بمثابة رسالة تحذير
واضحة للجماعة، بيد أن رد الإخوان جاء بدوره
أكثر تحديا في صورة تصريحات لمرشد الجماعة
مهدي عاكف يشدد فيها على عدم التراجع والتمسك
بمكتسبات الجماعة، وهو تحد قابلته الحكومة
بتحد مماثل انعكس بدوره في صورة تصعيد حكومي
أكبر باعتقالات أخرى ومزيد من التضييق على
نشاط الإخوان؛ لأن عاكف لم يكتف في بيانه حول
اعتقالات الإخوان باستنكار ما أسماه "التصرفات
الظالمة والباطلة دستوريا" لكنه شدد على
"ضرورةِ استمرارِ حركة الأمة نحو الإصلاح
المنشود"، وتمسك الإخوان الدائم بضرورة
إلغاء حالة الطوارئ التي كرسها قانون الطوارئ
المخالف للدستور ولإرادة الأمة".
بل
إن تحدي عاكف وصل لحد تأكيد "أن الأمة
والإخوان المسلمين في القلب منها لن تتراجع
عن مسيرتها، ولن تفرط في مكتسباتها، ولن تسمح
لأحد أن يعودَ بها مرة أخرى إلى الفردية
البغيضة بعد أن اكتسبت مساحة بالتضحية
والعطاءِ... وسوف تتواصل الجهود وتمضي مسيرتنا
نحو الحرية مهما كان ثمنها، ونقول لمن
يحاولون توتير الأجواء والضغط على المخلصين
من أبناء الوطن من أجل مصالح شخصية ضيقة:
راجعوا أنفسكم وقدروا الأمرَ قدرَه، واعلموا
أن دوام الحال من المحال، وأن دولة الظلم ساعة
ودولة الحق إلى قيام الساعة".
كذلك
صرح عاكف لصحيفة "القدس العربي" 5 مارس 2006
بأن حملة الاعتقالات في صفوف الجماعة "لن
ترهب مكتب الإرشاد في المضي قدما في الطريق
الذي اتخذه والمتمثل في الانحياز للجماهير ضد
السلطة التي تقمعها"، مؤكدا "عزم
الجماعة التدخل لدعم ملايين الأشخاص الذين
أضيروا نتيجة القرارات التي اتخذتها الدولة
بشأن غلق محلات بيع الدواجن".
وفي
حين جاء التبرير الحكومي للتصعيد هادئا
ومكررا لذات التهم القديمة بالعودة للحديث عن
عدم شرعية الجماعة، وصف قادة الإخوان وقوى
معارضة أخرى ما يجري على أنه تراجع عن الإصلاح
السياسي، خصوصا عقب تلميح الرئيس مبارك
لرؤساء تحرير الصحف الحكومية ضمنا بأنه لن
يعدل الدستور.
فرئيس
الكتلة البرلمانية لنواب الإخوان المسلمين د.محمد
سعد الكتاتني رأى أن "قوات الأمن بهذا
الإجراء (اعتقال الإخوان) كأنها تريد تبليغ
رسالة للشعب المصري مفادها أن الإصلاح
السياسي أمر غير وارد على أجندة الحكومة، وأن
محاربة الشرفاء هو الشغل الشاغل لدى الدولة
مهما حدث من جرائم فساد"، واعتبر "الاعتقالات
دليل على أن قانون الطوارئ هو سبب الكوارث وهو
البيئة الحاضنة للفساد الذي استشرى في كل
قطاعات مصر".
ثم
حدث تصعيد آخر بغلق مقر الإخوان في مدينة
الإسكندرية وفقا لما ذكرته صحيفة "المصري
اليوم"، وتبعه منع سلطات مطار القاهرة
الدولي (للمرة الثالثة) القيادي المعروف
بجماعة الإخوان المسلمين د. محمد جمال حشمت
عضو مجلس الشعب السابق، من السفر للعاصمة
السودانية الخرطوم لحضور مؤتمر علمي بوصفه
طبيبا استشاريا في أمراض الحميات والكبد،
حسبما ذكرت جريدة الشرق الأوسط، ورفضت سلطات
المطار الشهادة التي قدمها لهم حشمت وتفيد
بأنه غير مدرج على قوائم الممنوعين من السفر،
كما تم منع المهندس علي عبد الفتاح مدير
المركز المصري للإعلام والثقافة والتنمية (مقر
إخوان الإسكندرية) من السفر أيضا إلى بيروت
للمشاركة في فعاليات مؤتمر "هوية وثقافة
القدس".
أسباب
التصعيد الخارجية
وعلى
الجانب الآخر يعكس التصعيد الحكومي ضد
الجماعة نوعا من الاطمئنان إلى أن رد الفعل
الخارجي خصوصا الأمريكي الذي دأب على توجيه
انتقادات عنيفة لمصر وحثها على الاستمرار في
الإصلاح السياسي سيكون سلبيا؛ وذلك لعدة
أسباب، منها:
1-
أن الاعتقالات التي طالت الإخوان في ظل حملة
انتخابات البرلمان عام 2005 قوبلت بصمت أمريكي
وعدم التعليق إلا على سجن أيمن نور وتصريحات
للمتحدث باسم الخارجية عن خيبة الأمل لفشل
التيار الليبرالي في الانتخابات، وهو ما
يتوقع أن يستمر عقب التصعيد الحكومي الأخير.
2-
أظهرت اللقاءات التي قام بها عدد من
المسئولين الأمريكيين في القاهرة في الأشهر
الثلاثة الماضية (خصوصا تشيني نائب بوش،
ورايس وزيرة الخارجية، ومدير المخابرات) أن
الحوارات انصبت على قضايا إقليمية لا محلية
مصرية. وفي أحسن الأحوال دار الحديث عن سجن
أيمن نور رئيس حزب الغد، واقتصر التطرق
للإخوان في تساؤلات لمساعدي تشيني ورايس عن
كيفية فوز الإخوان في الانتخابات.
3-
أظهرت التصريحات الرسمية نوعا من التلكؤ في
تنفيذ برنامج الرئيس مبارك الانتخابي
للإصلاح السياسي خصوصا ما قيل عن تأجيل إصدار
قوانين منع حبس الصحفيين والسلطة القضائية
وعدم تعديل الدستور؛ ما دعا صحفا معارضة
ومستقلة لنشر تقارير عن التراجع الرسمي عن
خطة الإصلاحات.
4-
قال الرئيس مبارك في تصريحات لرؤساء تحرير
الصحف المصرية المرافقين له في طريق عودته من
جولة خليجية 27-2-2006 إن "مصر أقنعت وزيرة
الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بوجهات
نظرها في تطبيق الديمقراطية في العالم العربي"
وإنها (رايس) "اقتنعت بالطريقة التي يتم بها
الإصلاح السياسي وتطبيق الديمقراطية في مصر،
وأعلنت أن النموذج الأمريكي لا يصلح للتطبيق
في السعودية أو مصر"، وقالت -وفق مبارك- إن
"الديمقراطية في الدول العربية تحتاج إلى
جيل جديد"، وقد اعتبر مراقبون هذه
التصريحات تأكيدا لتراجع واشنطن عن خطة نشر
الديمقراطية في العالم العربي.
إنفلونزا
الطيور سخنت بالتالي ساحة المواجهة مرة أخرى
بين الحكومة والإخوان، ورفعت حرارة الصدام
بالاعتقالات وتحجيم بعض أنشطة الإخوان.
وإصرار قادة الإخوان على المضي قدما في
مواجهة "إنفلونزا الفساد" كما يسميه
البعض، سيكون معناه أن "إنفلونزا الإصلاح"
سوف تستمر حتى لو اختفت إنفلونزا الطيور؛ ما
يؤشر لارتفاع أكبر في حرارة المواجهة بين
الطرفين.
اقرأ
أيضًا:
**
المحلل
السياسي بإسلام أون لاين.نت