|

|
|
د. رفيق حبيب
|
وسط
موجة الهجوم التي أعقبت فوز حركة المقاومة
الإسلامية حماس بأغلبية المقاعد في المجلس
التشريعي الفلسطيني تثور العديد من
التساؤلات حول مصير هذا الفوز، وهناك بالطبع
احتمال الاستمرار في الضغط على الحركة حتى
تضطر لترك قيادة السلطة الفلسطينية، ولكن هذا
الاحتمال بعيد؛ لأنه يخلق مشاكل لكل الأطراف،
ويتطلب في الواقع التراجع تمامًا عن الممارسة
الديمقراطية.. والضغوط الغربية على حركة حماس
تنصب في مجال تقديم تنازلات غير مشروطة، وهي
في الواقع تنازلات غير متبادلة، أي من طرف
واحد.
الغرب
يعيد التفكير
لهذا
نفهم استمرار الضغوط بغرض الوصول إلى اعتراف
من حركة حماس بدولة إسرائيل، وتركها للمقاومة
المسلحة، ولكن هذا الهدف يستحيل تحقيقه،
فالمطلوب من حركة حماس هو نفس ما طلب من حركة
فتح، وكانت نتيجته النهائية هو تراجع حركة
فتح شعبيًّا، مما يجعل مسألة الشروط المسبقة
والتنازلات غير المتبادلة مجرد طريقة
لممارسة الضغط على حركة حماس، وهي في الواقع
نوع من الهدنة السياسية، بغرض تأجيل اتخاذ
مواقف تجاه الأوضاع الجديدة.
ورغم
معرفة جميع الأطراف بموقف السياسة
الأمريكية، فإن ما تحتاجه الإدارة الأمريكية
هو إعادة التفكير في موقفها، لا لتغير
انحيازها الكامل لإسرائيل والذي يمكن تحجيمه
فقط، ولكن من أجل التوصل إلى طريقة للتعامل مع
نتائج الديمقراطية إذا جاءت بالإسلاميين
للحكم، ليس في فلسطين فقط، بل في أي بلد عربي
أو إسلامي آخر.
وإذا
كانت كل الأطراف ترى أن حركة حماس تحتاج للوقت
كي ترتب أوراقها، فالإدارة الأمريكية
والاتحاد الأوروبي في حاجة أكبر للوقت كي
يرتبوا أوراقهم.
والضغوط
المتتالية تمثل الستار المعلن لعملية إعادة
التفكير أكثر من كونها شروطًا نهائية..
فالمطلوب في الواقع ليس اعتراف حركة حماس
بدولة إسرائيل كشرط نهائي ومطلق، بل المطلوب
هو التوصل إلى صيغة للتعامل السياسي
والتفاوض، في ظل موقف حركة حماس المعروف من
القضية الفلسطينية.
فليس
مطلوبًا أن تكون حركة حماس صورة من حركة فتح،
بل المطلوب أن تصل الأطراف لصياغة سياسية لا
تناقض المواقف المعلنة للأطراف المختلفة،
رغم تعارضها الشديد.
حماس
والتفاوض السياسي
ونعتقد
أن المطلوب من حركة حماس هو صياغة لموقف يبنى
على الحقوق الفلسطينية الكاملة، وعلى هدف
إقامة دولة واحدة في فلسطين، مع الإقرار
بواقع الوجود اليهودي في فلسطين، والإقرار
بحق اليهود في العيش الآمن وحقهم في تقرير
المصير.
ونعني
بهذا وجود صيغة لا تقوم على تدمير الشعب
اليهودي، وبالتالي عدم المناداة بعودتهم
للبلاد التي جاءوا منها؛ لأن ذلك يعني
إعادتهم للدول الأوروبية على وجه الخصوص، وهي
لا تريدهم.
والمهم
هنا هو عدم الاعتراف بدولة عدوانية حدودها
توسعية، وتعريف جنسيتها توسعي، وليس لها
دستور؛ لأنها دولة حرب.. وهذه الدولة هي واقع،
وهي دولة احتلال، والتفاوض معها هو تفاوض مع
المحتل من أجل تحقيق الجلاء.
نقصد
من هذا البحثَ عن صيغة سياسية لممارسة
التفاوض السياسي، بحيث تقوم هذه الصيغة على
عدم التنازل عن الحق الفلسطيني كاملاً، مع
الوضع في الاعتبار وجود حق للشعب اليهودي
الذي أصبح واقعًا في أرض فلسطين.
ويبدو
من الضروري التفكير في أهمية جذب اليهود؛
ليكون أمانهم الحقيقي مرتبطا بالعلاقة
القوية مع جيرانهم الفلسطينيين والعرب
عمومًا، والتأكيد على أن ولاء دولة إسرائيل
للدول الغربية -بوصفها مندوبا عن الاستعمار
الغربي- يؤدي إلى استمرار حالة الحرب.. فعلى
اليهود معرفة أن أمنهم لن يتحقق إلا إذا
أصبحوا جزءًا من الأمة التي يعيشون على أرضها.
الحوار
تفاعل سياسي
ومن
خلال صياغة ما -تكون مقبولة وتمثل غطاء
للتعامل السياسي وتحافظ على ماء وجه الإدارة
الأمريكية- سوف تتغير مواقف الدول الغربية
نحو تجربة التعامل مع حركة إسلامية. فمن المهم
التعامل مع الدول الغربية من خلال حقيقة
سياستهم الخارجية، وهي سياسة نفعية
برجماتية، لا تقوم على مبدأ ثابت بل تقوم على
محاولة تحقيق المصالح الغربية.
وسنلاحظ
أن الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي
يحاولان فتح قنوات للحوار، وهذا الحوار ضرورة
بالنسبة لهم، وليس ضروريًّا بالنسبة لحركة
حماس؛ لأنهم يريدون التعرف على واقع التعامل
مع الإسلاميين؛ لأنه أحد البدائل
المستقبلية، كما ثبت في فلسطين ومصر وغيرها
من البلاد.
وحركة
حماس في موقع جيد؛ لأنها تواجه الأسئلة
الأكثر صعوبة، وبالتالي فأي إجابة ممكنة
ستمثل اختراقًا للواقع السياسي وتعيد تشكيله.
وحركة
حماس تمثل الإخوان المسلمين، وبالتالي فهي
أول حركة من حركات الإخوان تصل للحكم، وإن كان
في أرض محتلة. وهي بهذا تكون النموذج الأول
للممارسة السياسية في الحكم، لجماعة الإخوان
المسلمين.
وهي
أيضًا أول سلطة رسمية تنتمي لجماعة الإخوان
المسلمين، ومطلوب منها التعامل مع الخارج -سواء
الدول العربية والإسلامية، أو الإدارة
الأمريكية والاتحاد الأوروبي- وهي بهذا تمثل
قناة للحوار بين الإخوان المسلمين والغرب،
وهي قناة لها معناها، وحوارها سيكون حوارًا
عمليًّا.
ومسألة
الحوار في حالة حركة حماس هي جزء من التعامل
مع المعطيات السياسية اليومية، فهو ليس
حوارًا بين أطراف لا يوجد بينها مواقف سياسية
تفرض عليهم التعامل؛ لهذا فهو ليس حوارًا
بالمعنى التقليدي، بل هو تفاعل سياسي ضمن
ممارسة المهام السياسية الملقاة على السلطة
الفلسطينية.
وسيكون
على حركة حماس التمسك بالثوابت والتأكيد على
إمكانية التعامل مع الواقع، وإثبات أن
المرونة والواقعية ليس لها علاقة بالتنازل عن
الثوابت.. فعلى حماس جعل وجود الإسلاميين في
السلطة أمرا واقعا يمكن التعامل معه.
اقرأ
أيضا: