 |
|
الجعفري مع قيادات سنية وشيعية لتدارك أحداث تفجير قبة مسجد الهادي |
هل
من المنطقي أن يظل ضريح الإمام الهادي
الشيعي موجودا في مدينة سامراء السنية
مئات السنين ثم يفجره السنة؟ وهل من
المنطقي أن تسيطر جماعة الزرقاوي
التابعة لتنظيم القاعدة على المدينة
ذات الأغلبية السنية (120 كم من بغداد) عدة
مرات وتتولى تسيير الأمن فيها وتحافظ
على أمن الأضرحة والمساجد الشيعية
فيها، ثم تلجأ إلى تفجير ضريح الإمام
الهادي بعد خروجها من المدينة؟.
ثم
لماذا فكّر مدبرو جريمة تفجير قبة مسجد
الهادي في تفجير هذا المسجد بالذات الذي
يقع في منطقة غالبيتها من سنة العراق،
ولم يفكروا في ضرب أحد أضرحة الشيعة
الهامة الأخرى الكثيرة في المناطق ذات
الأغلبية الشيعية إذا كان الهدف هو
إيذاء الشيعة؟.
ولماذا
تفجير هذا الضريح بالذات والذي يلقى
أهمية روحية لدى الشيعة باعتباره مقرّ
ضريح الإمامين العاشر والحادي عشر
والذي سيخرج منه -وفق اعتقادهم- الإمام
الثاني عشر الذي سيجلب العدل للعالم؟
ولماذا في هذا التوقيت الذي يرفض فيه
سنة العراق المشاركة في الحكومة
العراقية قبل تلبية مطالبهم، ويطالب
فيه الأمريكان بعدم تولي شيعة متطرفين
وزارت الدفاع والداخلية ومستشار الأمن
القومي؟.
التفجير
يكشف بوضوح عن خطورة التخطيط الشيطاني
الذي تتحرك من خلاله قوى استخبارية ربما
بأيد عراقية لتفجير الأوضاع في العراق
والذي يختار بعناية أهدافًا وتوقيتات
مقصودة لخلط الأوراق وإثارة فتنة
طائفية بين الشيعة والسنة لا يقتصر آثار
حريقها على العراق، ولكنه قد يمتد إلى
العديد من الدول العربية والإسلامية.
الاتهام
صعب
بالطبع
يصعب في هذا التوقيت، وقياسًا للمصالح
التي يبغيها كل طرف في معادلة تشكيل
الحكومة الجديدة، اتهام طرف بعينه
بإحداث هذا التفجير، فالسنة وهم أكثر من
يتضرر جراء التفجير ليس من صالحهم حدث
كهذا وهم يسعون إلى مشاركة فاعلة
بالحكومة الجديدة ويطالبون ببعض
الوزارات السيادية، ذلك فضلاً عن السنة
في مدينة سامراء كانوا يقاتلون أتباع
الزرقاوي في الأيام الماضية احتجاجًا
على مطالب بطرد السكان الشيعة من
المدينة. وبعض الأطراف الشيعية نفت أن
يكون السنة وراء التفجير، حيث نفى
الإمام مرتضى الصدر أن يكون السنة وراء
هذا التفجير واتهم صراحة قوات الاحتلال
الأمريكية، والتكفيريين بالمسئولية،
فيما أشار "أرقم البغدادي" -المتحدث
باسم الشيخ جواد الخالصي- أحد قادة
التحالف العراقي الرافض للاحتلال
الأمريكي بوضوح إلى العلاقة بين توقيت
الاعتداء والخلافات حول تشكيل الحكومة
العراقية من جهة، وبين التحذيرات
الأمريكية والبريطانية الأخيرة من تسلم
جهات طائفية لمناصب أمنية.
بيد
أن الولايات المتحدة أيضًا وفي هذه
المرحلة ليس من صالحها كما السنة العرب
أن يتم استبعاد السنة العرب من بعض
المناصب السيادية وهم الذين يسعون إلى
عدم إسناد الأجهزة الأمنية إلى شخصيات
تقف وراءها أحزاب دينية أو شخصيات تتهم
بالطائفية، كما برز في تصريحات كل من
السفير الأمريكي لدى العراق زلماي خليل
زاده ووزير الخارجية البريطاني جاك
سترو.
من
جانب آخر لا يمكن استبعاد قيام منتمين
لفكر القاعدة وجماعة الزرقاوي كليًّا
من القيام بالتفجير خصوصًا أن قادة
عراقيون سنيون مثل الشيخ عبد الغفور
السامرائي الذي سار على رأس تظاهرة (سنّية)
في سامراء، اتهم من وصفهم بـ"التكفيريين"
بمحاولة تفجير الحرب الأهلية، على
اعتبار أن هناك مصلحة أيضًا لهذا التيار
الجهادي المتشدد في إجهاض انضمام سنة
العراق إلى الحكومة المقبلة، والرغبة
في تفكيك وخلخلة احتكار الشيعة للسلطة
السياسية في العراق.
ومع
هذا يظل هذا الاحتمال الأخير مشكوكًا
فيه بالنظر إلى أساليب القاعدة
والزرقاوي القديمة عقب سيطرتهم على
مدينة سامراء مرتين عامي 2004 و2005 قبل أن
يقتحمها خمسة آلاف من القوات الأمريكية
والعراقية، وهو ما دفع أعضاء في المجلس
البلدي للمدينة للتساؤل عن مصلحة
الزرقاوي أو غيره من السنة في التفجير
خصوصًا في ظل وقوع الضريح في منطقة سنية
منذ مئات السنين، وسيطرة جماعة
الزرقاوي على سامراء مرتين خلال سنوات
الاحتلال، لم يمسوا فيهما المقدسات قيد
شعرة، بل على العكس حافظوا عليها بشكل
كامل".
تشكيل
الحكومة.. أم الفوضى الخلاقة؟
بغض
الطرف عن طبيعة منفذي التفجير، فإن
تداعياته تحقق أكثر من هدف تصب جميعها
في صالح قوى كثيرة، فمن الواضح أولاً أن
المخاض الذي يمر به تشكيل الحكومة
العراقية المقبلة والرغبة في مزيد من
الضغط على السنة وترهيبهم للقبول بما هو
معروض عليهم، ربما يكون أحد الأسباب
الهامة لمنفذي التفجير على اعتبار أن
التحالف الشيعي الموحد الذي فاز
بغالبية مقاعد البرلمان ربما يلجأ بعد
التفجير والإشارة بأصابع الاتهام
للسنة؛ لتجاهل الشروط السنية للمشاركة
في الحكومة، أو على الأقل زيادة الضغط
على سنة العراق بهدف دفعهم لتقديم
تنازلات في نهاية المطاف فيما يخص
الحكومة العراقية المقبلة، خصوصًا أنهم
وضعوا شروطًا عديدة للمشاركة، وهو ما
اتضح على الفور بإعلان جبهة التوافق
العراقية (السنية) انسحابها من مفاوضات
تشكيل الحكومة العراقية الجديدة،
واتهامها بعض القوى السياسية باستغلال
ذلك الاعتداء لدعم أجندتها ومواقفها،
خاصة أن المشاورات تجري لتشكيل الحكومة
العراقية الجديدة.
وثانيًا،
يبدو الضغط على الولايات المتحدة نفسها
لتجاوز المطلب الذي تقدمت به للشيعة
بألا يكون وزير الداخلية أو مستشار
الأمن القومي العراقي "ذو ميول
طائفية"، في إشارة واضحة لبعض
الشخصيات الشيعية من المجلس الأعلى
للثورة الشيعية هدف آخر. وقد ظهر هذا على
الفور في هجوم عبد العزيز الحكيم رئيس
المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في
العراق على السفير الأمريكي في العراق
زلماي خليل زاد، واتهامه بأنه أعطى
بتصريحاته الأخيرة "الضوء الأخضر"
للمسلحين لتصعيد أعمالهم في العراق.
من
تداعيات هذا التفجير أيضًا أنه يصب في
صالح قوات الاحتلال التي ستكون مدعوّة
للبقاء في العراق لحفظ الأمن في ضوء
الفشل المستمر لقوات الأمن العراقية في
السيطرة الأمنية. كما أن تعمد تحويل
العراق إلى ساحة للحرب الأهلية
الداخلية يعني تأخير تعافي هذا البلد
والذي قد تمتد آثار فتنة بداخله لدول
أخرى منها إيران، ما يؤدي لانشغال كافة
الأطراف في مشاكلها الداخلية، وهو ما
يصب في ناحية ثالثة لصالح اليمين
المسيحي المتطرف في أمريكا وأوروبا من
حيث فتحه جبهة صراع أخرى بين الشيعة
والسنة تغطي على أزمات تصدع الحوار
الإسلامي المسيحي وأزمة الرسوم
الدانماركية المسيئة.
لا
شك أن بعض رموز التيار الشيعي في الحكم
العراقي سوف يكونون أحد المستفيدين من
هذا التفجير في ترهيب سنة العراق والضغط
عليهم لضمان سيطرتهم على العملية
السياسية المقبلة وتشكيل الحكومة
وتوزيع المناصب الأمنية، رغم رفض أطياف
شيعية أخرى لهذه الرموز المتعاونة مع
الاحتلال. بيد أن صاحب المصلحة الكبرى
من هذا التفجير والذي يجب الحذر منه هو
قوى الاحتلال وأجهزة الاستخبارات
الأجنبية وأنصار نظرية "الفوضى
الخلاقة في الشرق الأوسط" الذين
يرغبون في إشعال نار فتنة طائفية بين
السنة والشيعة عمومًا من العراق، وشغل
المسلمين بصراعات دموية داخلية، كي
يجدوا تحت الرماد أجواء مواتية لتحقيق
مصالحهم في المنطقة.
أخيرًا،
فإن فتنة الأضرحة وإشعال الحرائق بين
مساجد السنة والشيعة، ربما يكون
المستهدف منها على المدى القريب هم سنة
العراق وتقليص دورهم المنتظر في
الحكومة المقبلة، لكن المستهدف على
المدى البعيد هو فتنة بين السنة والشيعة
وخلخلة وفوضى المنطقة بعدما فشلت
مخططات سابقة عديدة في تحقيق هذا الهدف،
والتحذير من محور أو تحالف شيعي، فبقي
إشعال الحريق عبر ضرب الرموز الشيعية!.
اقرأ
أيضًا:
**المحلل السياسي بموقع "إسلام أون لاين.نت"
|