إن
الإشارات الصادرة عن عدد من النخب العربية
الحاكمة تشير إلى أن البديل المفضل لديها هو
التحول عن التسلطية التقليدية إلى نوع من
التسلطية التنافسية Competitive Authoritarianism (1)
وهو مفهوم يحتاج درجة أعلى من الإيضاح.
ففي
هذا النظام توجد مؤسسات ديمقراطية قانونية
تتراضى أطراف العملية السياسية على أنها مصدر
الشرعية بيد أن النخبة الحاكمة تنتهك هذه
المؤسسات عندما تجد نفسها بحاجة لهذا مثل
حاجتها لتمرير قانون غير مقبول شعبيا أو من
المعارضة. وأمثلة ذلك النظام متنوعة بين
كرواتيا تحت حكم Tudjman وصربيا تحت حكم Milosevic
وروسيا تحت حكم Putin وأوكرانيا تحت حكم Kravchuck ثم
Kuchma وبيرو تحت حكم Fujimori وماليزيا تحت حكم
مهاتير محمد.
فهذه
النظم تبنت إستراتيجية الانفتاح السياسي
المحدود أو التكتيكي limited political liberalization (LPL)(2)
كمحاولة
للتكيف مع الضغوط الداخلية والخارجية بإعطاء
بعض التنازلات الشكلية مع زيادة إنفاقها على
الأمن وإفساد القضاة وأجهزة الإعلام
والصحافة واهتمامها بآليات الضبط السياسي.
شكل (1) يوضح كيف تعمل هذه الإستراتيجية.
فلو
تصورنا أن هناك قيما مجتمعية ديمقراطية تعبر
عن مطالب تتعلق بالحريات المدنية والسياسية
والمساءلة والشفافية (يعبر عنها المحور
الأفقي) في مواجهة مطالب دولانية (statist) تركز
على قيم الأمن والنظام والاستقرار والحفاظ
على الوضع الراهن (يعبر عنها المحور الرأسي).
ولو تصورنا أن هناك قوى المعارضة التي تطالب
بمزيد من القوى الاجتماعية (جانب الطلب) وهناك
النخب الحاكمة والتي هي مسئولة عن جانب العرض
لأنها في النهاية إما ترفع سقف قيم الدولنة
على حساب القيم المجتمعية أو العكس (جانب
العرض).
كما
يوضح الشكل (1) فإن التسلطية التقليدية تكون في
حالة توازنية إذا لم تكن هناك مطالب حقيقية
للتغيير مع استعداد لدفع الثمن (وهذا ما
سندرسه عند الحديث عن الثقافة السياسية
العربية) وإذا ما كانت النخب الحاكمة تسيطر
على الأوضاع السياسية على نحو يجعل قيم
الدولنة (نقطة Y) على درجة من الارتفاع بحيث
إنها تضبط القيم المجتمعية (X). فهذه نظم
استبدادية مستقرة على استبدادها طالما أنه لا
توجد ضغوط حقيقية من أجل التغيير. ومن أمثلة
هذه النظم في واقعنا العربي، نظم دول الخليج
في الثمانينيات.
بيد
أن وضعا غير توازني (انتقاليا) ينشأ عند زيادة
مطالب المعارضة بالقيم المجتمعية مع
استعدادها لدفع ثمن التغيير (تغيير من أدنى)
أو رغبة النخب الحاكمة في تبني صيغة
ديمقراطية (على النمط الإسباني في عهد خوان
كارلوس من قبيل التغيير من أعلى). فعند
الاستجابة الأمينة لهذه المطالب يمكن أن تفضي
إلى تحول ديمقراطي حقيقي بالانتقال إلى نقطة
(S3) حيث ترتفع القيم المجتمعية وتنخفض
الممارسات والقيم الدولانية.
بيد
أن النخب الحاكمة في كثير من البلدان العربية
أبت أن تسير في هذا الاتجاه فاتجهت إلى تبني
صيغة التسلطية التنافسية كاستجابة للمطالب
بالتغيير. فإذا كانت هناك مطالب جادة بالتغير
الديمقراطي فهناك ثلاثة احتمالات: إما
استلهامها (وصولا إلى تحول ديمقراطي ليبرالي)
أو قمعها (استمرار التسلطية التقليدية) أو
استلهامها وقمعها في آن معا وهو ما يحدث في
حالة الانفتاح السياسي المحدود الذي يؤدي إلى
نوع من التسلطية التنافسية التي تعني (كما
تمثله النقطة S2) زيادة طفيفة في القيم
المجتمعية (كالانتقال من النقطة X إلى النقطة
X1 ) بيد أنها تتبعه بزيادة في القيم
والممارسات القمعية (بما يعني الانتقال من
النقطةY إلى النقطة Y1).
ومثال
ذلك السماح بوجود أحزاب ثم التضييق عليها
أمنيا أو السماح بإجراء انتخابات حرة غير
نزيهة بمعنى أن يكون للناخب الحرية في اختيار
من يشاء دون تزوير لإرادته لكن الدولة تتدخل
في اختيار من لهم حق المنافسة الانتخابية، أو
تعديل مواد دستورية من أجل استبعاد القوى
التي يمكن أن تشكل منافسة حقيقية لصالح القوى
التي لا تشكل أي ثقل انتخابي (تعديل المادة 76
في مصر نموذجا).
إن
النظم التسلطية التنافسية تختلف عن التسلطية
التقليدية في أن نظم الحكم لا تستطيع، لأسباب
داخلية و/أو خارجية، أن تتخلص من المعارضة
تماما كما أنها لا تملك الالتزام الكافي
بالقيم والمبادئ الديمقراطية بما يجعلها
تقود بلدانها إلى الديمقراطية الليبرالية.
والتسلطية
التنافسية، بحكم التزامها الشكلي بالمؤسسات
والإجراءات الديمقراطية، تعطي انطباعا زائفا
بالديمقراطية لكنها ليست كذلك. وهي بهذا تضع
نفسها في حالة توتر دائم بما قد يعجل بفنائها
لاحقا إذا نجحت القوى المعارضة والمستقلة عن
الحكومة أن تقدم شرعية بديلة.
والتوتر
المشار إليه يمكن رصده في أربعة مجالات:
1
- هناك توتر انتخابي حقيقي. ففي النظم
التسلطية التقليدية قد لا توجد انتخابات
تنافسية على الإطلاق (كوبا والصين وكازاخستان
وأوزباكستان وليبيا وسوريا) حيث تحظر الأحزاب
المعارضة وينكل بالمثقفين المعارضين. كما أن
الانتخابات مناسبة لإعلان إذعان الجميع
للسلطة الحاكمة. وواحد من أهم مؤشرات غياب
التنافسية هو فوز الرؤساء بأغلبية تفوق الـ 80%
من الأصوات مثل فوزر إسلام كاريموف في
أوزباكستان بـ 92% من الأصوات في عام 2000(3)
والأمثلة العربية متعددة.
أما
النظم التسلطية التنافسية عادة ما تتسم بدرجة
عالية من التنافس بين القوى السياسية
المختلفة ومع ذلك تتسم بدرجة عالية من إساءة
استغلال السلطة وعدم احترام نزاهة
الانتخابات من خلال استغلال أجهزة الإعلام في
اتجاه دون آخر، الاعتداء المعنوي والبدني على
المعارضين، إساءة استغلال مؤسسات الدولة
الرسمية مع غياب الشفافية عن عملية الاقتراع
برمتها ومع ذلك الانتخابات تجرى في موعدها
وتقبل عليها المعارضة كفرصتها الأساسية
للضغط على الحكومات.
ومن
هنا فإن النخب الحاكمة التي تريد إعادة إنتاج
نفسها وأنصارها تقبل عليها باهتمام شديد
لاسيما مع وجود مراقبين دوليين وضغوط خارجية.
ويكفي أن نشير إلى أن الرئيس بوريس يلتسن في
1996 والرئيس كوشما في أوكرانيا في 1999 قد واجها
منافسة شرسة من الأحزاب الشيوعية. ورغما عن كل
محاولات التلاعب والسيطرة على العملية
الانتخابية فاز كوشما بـ35% من الأصوات في
الجولة الأولى و56% من الأصوات في الجولة
الثانية.
الأهم
في هذه الصيغة إصرار المعارضة على أن تكسب
نقاطا من النخب الحاكمة عسى أن تكون هذه
النقاط مقدمة لهزيمة الخصوم في مرحلة لاحقة.
ففي بيرو نجح فوجيموري في الفوز في انتخابات
2000 لكنها جاءت في أعقاب انتخابات صورية
وتصاعدت المعارضة الداخلية والضغوط الدولية
عليه إلى أن اضطر إلى الفرار، والتجربة تكررت
في عام 2003 مع شفرنادزه في جورجيا ومؤخرا في
أوكرانيا مع الرئيس كوشما.(4)
2
- التوتر في العلاقة بين النخبة الحاكمة
والمؤسسة التشريعية: الأصل في النظم
التسلطية التقليدية أنها لا تعرف مؤسسة
تشريعية تقوم بمهام الرقابة الحقيقية على
أعمال السلطة التنفيذية إلا أن النظم
التسلطية التنافسية تعرف معارضة قوية نسبيا
تنجح في أن تثير موجات من الرفض لسياسات
النخبة الحاكمة في بعض الأحيان. ففي عهد كل من
يلتسن وكوشما كانت المعارضة الشيوعية
واليسارية بصفة عامة شديدة الوطأة لدرجة أنها
أحرجت الرئيسين في أكثر من مرة رغما أنهما في
النهاية مررا معظم القوانين التي طرحوها.
ولكن
في لحظة بذاتها يبدو أن البرلمان قوي وقادر
على أن يقف حجرة عثرة في مواجهة سياسات
الحكومة. ومثال ذلك نجاح البرلماني الأوكراني
في وقف اقتراح الرئيس بعقد استفتاء لتقليص
سلطات البرلمان.(5)
وعادة
ما تلجأ النخب الحاكمة للتخلص من البرلمان
بالدعوة لانتخابات جديدة لكن التجربة عادة ما
تأتي في غير صالح النخب الحاكمة إلا إذا ارتدت
إلى التسلطية التقليدية بالتخلص الفعلي من
المعارضة. ففي حالتي فوجيموري ويلتسن فإنهما
عقدا انتخابات جديدة خلال ثلاثة سنوات من
الانتخابات التي أدت المعارضة الشديدة في
البرلمان ومع ذلك عادت معظم وجوه المعارضة
واستمر التوتر قائما بين السلطتين التشريعية
والتنفيذية.
الأهم
في هذا الإطار هو إدراك أن المعارضة في هذه
النظم حققت بعض النقاط في معركة السلطة ضد
السلطة التنفيذية والنخبة الحاكمة من خلال
استغلال البرلمان كمكان للقاء والتنظيم أو من
أجل إرسال رسائل واضحة للرأي العام بمدى
التزامهم بالدفاع عن الصالح العام.
3
- التوتر بين النخب الحاكمة والسلطة
القضائية هو مظهر ثالث من مظاهر التوتر في
النظم التسلطية التنافسية حيث تسعى النخب
الحاكمة إلى "تدجين القضاء" بحيل كثيرة
مثل التخلص من القضاة المعارضين أو رشوتهم (مكافأتهم)
على حسن خدمتهم "للعدالة" أو حتى
الابتزاز.
إن
دولة مثل بيرو تحت حكم فوجيموري عرفت أعلى
معدلات فساد القضاة في أمريكا اللاتينية ومن
الأعلى في العالم بيقين.(6)
وفي عام 1993 حينما أعلنت المحكمة الدستورية
العليا أن قرار يلتسن بحل البرلمان غير
دستوري، قطع عن المحكمة خطوط التليفون وسحب
منهم حراسهم الشخصيين.
ومع
ذلك يظل الاستقلال النسبي للسلطة القضائية في
وجه السلطة التنفيذية واحدا من أهم خصائص
التسلطية التنافسية. وعادة ما تلجأ المعارضة
إلى القضاء المستقل نسبيا لتحقيق مزيد من
المكاسب السياسية.
ففي
أوكرانيا دعمت المحكمة العليا موقف المعارضة
التي اعتبرت أن نتائج الاستفتاء الذي يحد من
صلاحيات البرلمان مزيفة ولا تعبر عن إرادة
الأوكرانيين. وكان هذا دعما مهولا لمطالب
المعارضة الأوكرانية. وفي صربيا دعمت المحاكم
الانتصارات التي حققتها المعارضة في العديد
من الدوائر في انتخابات عام 1996. كما أمرت
المحكمة العليا الماليزية في 2001 بالإفراج عن
عدد من المعارضين السياسيين الذين قبضت عليهم
الحكومة لسنوات بلا سند كاف.
والملاحظ
أن محاولات النخب الحاكمة التنكيل بالقضاة
تأتي بخسائر ضخمة لها لما يتمتع به القاضي
المستقل من تعاطف شعبي وعالمي وهو ما قدمته
خبرة بيرو تحت حكم فوجيموري الذي نجح برلمانه
في عزل ثلاثة قضاة أعلنوا عدم دستورية قراره
بالتمديد لفترة ثالثة. وكانت هذه واحدة من
أخطائه التي تصاعدت بسببها الضغوط الدولية
والشعبية ضده.
4
- التوتر الإعلامي: في النظم التسلطية
التقليدية تكون أجهزة الاتصال الجماهيري إما
مملوكة بالكامل للدولة أو تخضع لرقابة شديدة
وعقوبات رادعة وعلى هذا لا توجد صحف مستقلة
على الإطلاق (مثل كوبا) أو عمليا غير موجودة.
في النظم التسلطية التنافسية، على عكس مما
سبق، تكون هناك مساحة لأجهزة الإعلام
المستقلة بل في كثير من الأحيان تكون مؤثرة.
بل
إن كثيرا من الصحفيين يصبحون معارضين أقوياء
لما يلاقونها من تنكيل وعقوبات. على سبيل
المثال كشفت واحدة من المحطات المستقلة في
بيرو عددا من انتهاكات حقوق الإنسان في ظل حكم
فوجيموري فضلا عن تزوير بعض قيادات حزب
فوجيموري لتوقيعات مواطنين لضمان ترشحه
لانتخابات سنة 2000 وتحول المحررون
والإعلاميون القائمون على هذه القناة
المستقلة إلى أبطال شعبيين عند الرأي العام
البيروفي. وفي روسيا كشفت محطات التليفزيون
المستقلة العديد من انتهاكات حقوق الإنسان
التي ارتكبها يلتسن في مناطق عديدة من روسيا
بما في ذلك الشيشان بما عجل من خروجه من
السلطة.
ولأن
هناك هامشا لا يمكن إزالته من الاستقلال
النسبي لأجهزة الإعلام في الدول التنافسية
التسلطية فإن النخب الحاكمة عادة ما تسعى إلى
شراء الإعلاميين (عن طريق الإعلانات
والإعانات أو تخفيف الديون) أو إلى تخويفهم من
خلال توجيه اتهامات لهم بإساءة استخدام
مناصبهم ورفع قضايا ضد الصحف ومحطات
التليفزيون والإذاعة من أجل إغلاقها أو
تعطيلها عن العمل لفترات طويلة نسبيا. ففي
أرمينيا، استخدمت الحكومة عشرات قضايا القذف
والتشهير ضد الإعلاميين الذين كشفوا حجم
التزوير في انتخابات عام 1996. ولجأ فوجيموري
إلى التخلص من مالك إحدى القنوات
التليفزيونية المستقلة بنزع الجنسية
البيروفية عنه بسبب خطأ في إجراءات الحصول
عليها.
والأهم
في هذا الصدد أن مثل هذه الإجراءات تكون لها
نتائج سلبية على النخبة الحاكمة على المدى
الطويل إن أحسنت المعارضة وأجهزة الإعلام
استغلالها عن طريق التضامن معا ضد إجراءات
السلطة الحاكمة.
فواحدة
من أسباب تراجع شعبية نظام تودجمان في
كرواتيا سنة 1996 كانت محاولته إلغاء تصريح
إحدى محطات الإذاعة التي كانت تسخر منه شخصيا.
بيد أن هذه المحاولة من قبله أدت إلى تحالف
غير مسبوق بين قادة الرأي وقوى المعارضة بل
وأدت إلى انقسام حاد في حزب الرئيس سرعان ما
عولج بعد تراجعه عن قرار إلغاء التصريح. وكانت
هذه مناسبة هامة لتوحد المعارضة وممارسة ضغوط
شعبية وخارجية على الحكومة من أجل إحداث تحول
ديمقراطي حقيقي. كما أن الكشف عن محاولة
الرئيس الأوكراني، كوشما، قتل أحد الصحفيين
في عام 2000 أدى إلى مظاهرات هائلة وعزلة نسبية
عن الغرب.(7)
لقد
أشرت سلفا إلى أن واحدة من أنماط التحول
الديمقراطي تكون عبر الانفتاح السياسي
المحدود الذي يأتي كاستجابة تكتيكية لضغوط
خارجية أو داخلية بيد أنه يمكن أن يفضي إلى
تحول ديمقراطي حقيقي إذا ما نجحت قوى الطلب
على القيم الديمقراطية من توحيد صفوفها
وممارسة ضغط شعبي قوي على نخبها. ومع وجود
درجة عالية من عدم التزام النخب العربية
بالقيم الديمقراطية فإن التساؤل الملح هو عن
مدى قابلية الشعوب العربية للتعبئة من أجل
ضغوط شعبية عربية على حكامها من أجل مزيد من
الإصلاحات السياسية.
اقرأ
في هذا الموضوع:
اقرأ
أيضًا: