|

|
|
الانتخابات في العالم العربي لا تزال إجراء ديمقراطيا شكليا
|
للاستبداد
في المنطقة العربية آباء كثيرون. بيد أن
تطورات خمسة في السنوات العشرين الأخيرة ترجح
أن يكون مستقبل الأوضاع السياسية في الوطن
العربي مختلفا عن الماضي والحاضر. فأولا هناك
عملية إحلال وتجديد في قمة هرم السلطة
السياسية لأسباب طبيعية بيولوجية. فالقادة
التاريخيون يتركون الساحة لمن هم دونهم سواء
من الأبناء أو الشركاء. وثانيا، فإن الاعتماد
على النفط وحده لم يعد كافيا لشراء الشرعية
السياسية. وثالثا، فإن البون بين الحركات
الإسلامية المتطرفة والحركات الإسلامية
المعتدلة يزداد وضوحا بفضل جهود هذه الأخيرة
من أجل مصالحة تاريخية مع مؤسسات النظام
الديمقراطي وبعض قيمه. ورابعا، فإن الفضاء
العام غير الحكومي يزداد اتساعا بسبب ما
وفرته تكنولوجيا الاتصالات من سهولة ويسر في
نقل المعلومات والأفكار بل وحتى الشائعات
بسرعة فائقة. وهناك خامسا، تراجع
الأيديولوجية القومية العربية في صيغتها
الناصرية والبعثية التقليدية التي كانت تعلي
من قضية الوحدة على حساب قضية الديمقراطية.
إنها
تطورات خمسة على أصعدة خمسة تتفاعل لتحدث
شروخا قد تزداد اتساعا بما ينال من بنية هذا
الاستبداد. وعلى سبيل الفانتازيا التبسيطية
فإني أطلق على هذه الشروخ: تأثير البيولوجيا،
والجيولوجيا، والثيولوجيا، والتكنولوجيا،
والأيديولوجيا. وفي ما يلي تفصيل ما أجملت.
بيولوجيا الموت السياسي (مصادر
شرعية جديدة)
لأسباب
بيولوجية طبيعية يموت القادة التاريخيون
ويحل محلهم قيادات أكثر شبابا نسبيا. وقد يكون
لهذا الإحلال والتجديد البيولوجي بعض
العواقب الإيجابية على مستقبل النظم
السياسية العربية. فأولا إن بقاء الحكام
العرب لفترة طويلة في السلطة (متوسط 23 سنة)
يؤدي إلى مركزية السلطة وتراجع دور المؤسسات
في مواجهة دور القيادة السياسية التي عادة ما
تصف نفسها بأنها "أبوية". وفي المقابل
فإن المؤسسات القوية تضع قيودا على صناع
القرار السياسي وتخضهم للمساءلة وهو ما أبته
وتأباه معظم القيادات التاريخية التي تعتبر
نفسها فوق القانون والمساءلة. وهو ما حدا
بكثير من المراقبين للشأن العربي إلى اعتبار
أن التحدي الأكبر الذي يواجه الدولة العربية
أنها تدار بمنطق القبيلة. فالبيروقراطية
العسكرية والمدنية ترى نفسها امتدادا لسلطة
الحاكم وليس امتدادا لسلطة الدولة.(1)
والحاكم العربي لا يأتي برضاء الأغلبية ولكنه
مطالب بصنع هذا الرضا حتى لو كان رضا شكليا
وهو ما حدا بإحدى الباحثات أن تطلق عليه اسم
"acting-as-if legitimacy" أي تحكم النظم العربية
كما لو كانت شرعية.(2)
هل
موت القيادات التاريخية وفتح الآفاق أمام
قيادات أصغر ضمان لتحولات ديمقراطية؟
الإجابة يمكن أن يكون فيها خليط من التفاؤل
والحذر. فعمليات الانفتاح السياسي المحدود
الذي شهدته البحرين وقطر والمغرب والأردن،
وبدرجة أقل سوريا، تشير إلى أن القيادات
الجديدة تريد أن تؤسس شرعيتها على أساس
الإصلاحات السياسية التي تقدمها. بيد أن
الإفراط في التفاؤل ليس له ما يبرره. فهذه
القيادات لم تنتقل بمجتمعاتها إلى
ديمقراطيات ليبرالية وإنما إلى مجتمعات أقل
تسلطية مع احتفاظ بحقها في التدخل والنكوص عن
هذه الإصلاحات عند الحاجة.
وقد
عول الكاتب "جرامشي" كثيرا على أثر تغير
القيادات السياسية في طرح رؤى جديدة وأفكار
مبتكرة للتعامل مع المشكلات التقليدية. إن
الانتقال من نظام حكم إلى آخر قد يوفر فرصا
لتحولات سياسية قد تساعد على تحول ديمقراطي
حقيقي على المدى الأطول.(3)
فخلال السنوات الـ 10 السابقة حدث تغير
بيولوجي في القيادات في البحرين، والمغرب،
والأردن، والعراق، وفلسطين، والسعودية،
والإمارات، وأخيرا الكويت نحو قيادات لا
تستدعي مصادر شرعية تاريخية من كفاح ضد محتل
أو ضد الشيوعية. كما أن الكثيرين منهم قد
تلقوا تعليمهم في مجتمعات ديمقراطية بما
يجعلهم يدركون على الأقل أن الاستقرار يمكن
أن يتحقق مع درجة أعلى من الحقوق والحريات
السياسية.
وإذا
حدثت تغيرات بوتيرة أعلى خلال السنوات العشر
القادمة فإن شرخ القيادات التاريخية سيزداد
في بنية الاستبداد العربية.
جيولوجيا
شرعية النفط
كثيرة
هي الكتابات التي تناولت دور النفط الإيجابي
اقتصاديا والسلبي سياسيا. وقد وجدت الدراسات
الكمية التي أجريت في هذا الصدد أن كافة السلع
الأولية مثل الفوسفات والمنجنيز والمطاط
وغيرها لها نفس التأثير السلبي على احتمالات
التحول الديمقراطي.(4)
يضاف إلى ذلك أنها غير قاصرة على البلدان
النفطية العربية بل على كل البلدان كما أن
التأثير السلبي يمتد للدول الكبيرة كما
الصغيرة ما دام أن أغلب مواردها الاقتصادية
تعتمد على سلعة أساسية تحتكرها الحكومات.
وهذا التأثير السلبي للسلع الأولية له ثلاثة
ميكانزمات تأثير على الأقل. فهناك تأثير
الدولة الريعية والناتج عن شراء النخب
الحاكمة لشرعيتها عن طريق خفض الضرائب وزيادة
الإنفاق الاجتماعي ودعم الخدمات الأساسية من
صحة وتعليم من أجل تقليص مطالب المعارضة
بإجراء إصلاحات ديمقراطية، وهو النمط الذي
أطلق عليه بهجت قرني "دولة البقشيش".(5)
وهناك
ثانيا تأثير القمع الناتج عن توافر مداخيل
اقتصادية ضخمة تسمح لحكومات الدول المعتمدة
على السلع الأولية بأن تبني آلة أمنية قوية لا
تقوى قوى المعارضة على تجنبها أو الوقوف في
وجهها. وهناك ثالثا تأثير ضعف التحديث
الصناعي غير الحكومي الذي عولت عليه نظرية
التحديث في الستينيات لنشأة طبقة وسطى قوية.
بعبارة
أخرى فإن النفط يوفر للحكومات إمكانية "الذهب"
لشراء الشرعية و"العصا" لقهر قوى
المعارضة. وفي الحالتين يكون هناك ما يشبه
العقد الاجتماعي غير المكتوب يتحول بموجبه
الأفراد إلى رعايا اقتصادية فوق العادة بلا
حقوق سياسية تقريبا. فتضمن لهم الدولة السلع
الرخيصة والوظيفة المناسبة والتعليم والعلاج
المجانيين مقابل أن تتراجع كافة المطالب
السياسية بالديمقراطية والحكم الرشيد.
ويستمر العقد ما تراضى الطرفان عليه. بيد أن
فترة الثمانينيات والتسعينيات شهدت تطورين
هامين أثبتا صعوبة استمرار هذا العقد بشروطه
السابقة.
فأولا
هناك زيادة كبيرة في الطلب على الخدمات
المجانية الحكومية سواء في الدول النفطية أو
غير النفطية، فقد بلغ إجمالي سكان الدول
العربية في عام 2002 حوالي 295 مليون نسمة، وهم
يتزايدون بمعدل 2,3% سنويا. وهو من أعلى معدلات
الزيادة في العالم. وقد بلغ تعداد القوى
العاملة في الدول العربية حوالي 108 ملايين فرد
في عام 2004. وأكثر من 50% من العرب تحت سن العشرين
وأكثر من 60% منهم دون الثلاثين مقابل 25% تحت
العشرين في الدول الأعضاء في منظمة التنمية
والتعاون الاقتصادي بما يعني أن الطلب على
العمل والخدمات الحكومية ليس كبيرا فقط ولكنه
يتزايد بمعدل متسارع. ويقدر متوسط البطالة في
الدول العربية مجتمعة بحوالي 21.3%.(6)
هناك
ثانيا التراجع الواضح في أسعار النفط في
الثمانينيات والتسعينيات ثم ارتفاعها في آخر
ثلاث سنوات بما يجعل هذه النظم تحت رحمة
متغيرات ليست تحت سيطرتها. فقد كان الاستهلاك
العالمي للنفط في حدود 51 مليون برميل يوميا في
عام 2001، وهو الآن في حدود 80 مليون برميل يوميا
وسيكون 85 مليون برميل يوميا في عام 2025. وقد كان
سعر برميل النفط في عام 2000 في حدود 18 دولارا
لكنه وصل إلى 50 دولارا في عام 2005، بعد أن كان 60
دولارا في أواخر 2004. وهذا يعني زيادة في
مداخيل الدول النفطية في السنوات الثلاث
الأخيرة في حدود 60 مليار دولار. وهو ما يطلق
عليه دارسو اقتصاديات النفط "ثورة نفطية
جديدة". فبدءا من عام 2003 بدأت تتحول معظم
الدول الخليجية إلى دول فائض لأول مرة منذ عام
1990 حيث كانت دائما ما تعاني من عجز في
ميزانياتها. فقد بلغ فائض موازناتها 16.1 مليار
دولار، مقابل عجز معلن بحوالي 24.6 مليار دولار
في مطلع السنة. وحسب تقرير أصدره "مصرف
الإمارات الصناعي"، فان إيرادات الموازنة
السعودية في عام 2003 بلغت 78.5 مليار دولار،
مقابل نفقات فعلية بحوالي 66.5 مليار دولار. وفي
الإمارات بلغت إيرادات الموازنة الاتحادية 6.5
مليار دولار مقابل نفقات مماثلة. فيما بلغت
إيرادات الموازنة الكويتية 19 مليار دولار،
مقابل 14 مليار دولار كنفقات فعلية. في حين
سجلت الموازنة العُمانية إيرادات بحوالي 6.8
مليارات دولار، مقابل نفقات بحوالي 7.8
مليارات دولار. وحققت الموازنة القطرية فائضا
بلغ 1.1 مليار دولار، إذ بلغت إيراداتها 7.3
مليارات دولار. أما الموازنة البحرينية فبلغت
إيراداتها 2.1 مليار دولار، مقابل نفقات بنحو
3.1 مليارات دولار. وستستخدم معظم دول الخليج
عوائدها النفطية لخفض الدين العام. فالمملكة
العربية السعودية تعتزم استخدام قسم من
فائضها لخفض الدين العام من 660 مليار ريال (176
مليار دولار) إلى 614 مليار ريال (73.163 مليار
دولار).(7)
ورغما
عن أن القدرة على التنبؤ في سوق النفط محدودة
للغاية، فإن الزيادة الكبيرة في طلب الصين
والهند على النفط من ناحية مع زيادة المخاوف
الدولية من الإرهاب والتخريب والحروب من
ناحية ثانية ترجح أن أسعار النفط قد لا تنخفض
كثيرا في السنوات الخمس القادمة. بيد أن دوام
الحال من المحال في سوق النفط مع الاتجاه نحو
البحث عن بدائل للنفط من ناحية ومع اندماج
روسيا في الاقتصاد العالمي للنفط والسعي
للبحث عن مصادر غير خليجية له من قبل دول
العالم المختلفة.
وعلى
هذا فإن التذبذب في الأسعار يمكن أن يقلب
الفوائض عجزا من خلال صدمات العرض والطلب غير
المتوقعة بما يجعل الصيغة القديمة غير قادرة
على الاستمرار وبما يحدث شرخا آخر في بنية
الاستبداد العربي المعاصر.
ثيولوجيا الإسلام الديمقراطي
"فزاعة
الجماعات الإسلامية" هو التوصيف الإعلامي
لاستخدام النخب الحاكمة لخوف الغرب من وصول
جماعات إسلامية إلى سدة الحكم في الدول
الإسلامية. بيد أن تغيرا حادثا في تعاطي
الجماعات الإسلامية المعتدلة وعلى رأسها
جماعة الإخوان المسلمين مع النظم السياسية
ومع النخبة الإسلامية المثقفة جعلت منهم طرفا
قابلا بمؤسسات الديمقراطية وإجراءاتها وإن
كانوا يتحفظون على واحدة من أهم ملامحها في
الغرب وهو العلمانية. فرغما عن أن كليهما غربي
فإنهم قبلوا بآليات الديمقراطية ورفضوا
العلمانية باعتبارها إطارا معرفيا وأخلاقيا
يتناقض مع المرجعية الإسلامية.
ورغما
عن أن قبول الإخوان تحديدا لممارسات المنافسة
السياسية من ترشيح وتصويت وانتخاب وتمثيل
للأمة يرجع إلى عصر مؤسسهم لكنهم جددوا
الالتزام تجاه هذه الجوانب المؤسسية
والميكانيكية للإجراءات الديمقراطية. بيد أن
تطورا آخر يحدث نتيجة تفاعلهم مع مفكرين
إسلاميين، وإن لم يكونوا رسميا أعضاء في
الجماعة، مثل الشيخ القرضاوي، ود. محمد سليم
العوا، ود. محمد عمارة، والمستشار طارق
البشري وأ. فهمي هويدي، وراشد الغنوشي، وحسن
الترابي. فقد كانت إسهامات هؤلاء الفكرية
موضع اعتبار من قادة الجماعة. فكتاب القرضاوي
"في فقه الدولة الإسلامية" أعطى للجماعة
صك الغفران للتعامل مع الديمقراطية على أنها
إسلامية بقدر ما هي أداة للأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر. كما أعطى مبررات عملية
ونصية لقبول فكرة التصويت على اعتبار أن عمر
بن الخطاب (رضي الله عنه) فعلها وأن المشاركة
في الانتخابات شهادة "ومن يكتمها فإنه آثم
قلبه" وأن التنافس الحزبي نوع من مأسسة
الخلافات السياسية والتعاون على البر
والتقوى، وأن "المسلمين عند شروطهم" من
باب "وأوفوا بالعقود" كما نص القرآن فإن
خسر الإسلاميون انتخابات حرة نزيهة فواجب
عليهم شرعا أن يتركوا مناصبهم لأنهم أقسموا
احترام الدستور وتعاهدوا على ذلك.
كما
كانت جهود المستشار البشري بارزة في تبني
صيغة مدنية للعلاقة بين المسلمين وغير
المسلمين في المجتمع المسلم وتجاوز الصيغة
التقليدية لأهل الذمة، كما أن ولاية غير
المسلم على المسلم لم تعد قضية ذات محل على
اعتبار أن المجتمعات الحديثة هي مجتمعات
بيروقراطية تقوم على المؤسسات التي تكون هي
صاحبة الولاية على الفرد.
كما
قبل الإخوان بالعديد من المقولات التي تدعو
إلى أن السلطة للشعب بشرط ألا يقرر الشعب ما
يتعارض صراحة مع نص قطعي الثبوت وقطعي
الدلالة من القرآن والسنة. وكان محمد سليم
العوا وراشد الغنوشي وحسن الترابي من رواد
الفكر الإسلامي المعاصر الذين قدموا هذا
الطرح. وفي هذا مغادرة واضحة لمفهوم الحاكمية
الذي روج له سيد قطب.
ورغم
أن الإخوان لم يقدموا بعد رؤية متكاملة بشأن
العديد من القضايا فإنهم مدفوعون لأن يقدموا
رؤى متكاملة بحكم المواقع السياسية التي
يحتلونها. فهم الآن الأكثر حضورا بين قوى
المعارضة في كافة البلدان العربية التي فيها
برلمانات والتي تسمح لهم بالوجود.
على
مستوى آخر فإن الإخوان المسلمين يجتهدون في
أن يتمايزوا عن الجماعات المتشددة التي تتبنى
العنف ضد حكوماتها ومجتمعاتها. فالإخوان، حتى
الآن على الأقل، لم تضعهم الدول الغربية على
لائحة الجماعات الإرهابية رغما عن أنهم
الأكبر عددا والأقدم تاريخا والأكثر تأثيرا
وخرج من عباءتهم الكثير من الجماعات المتشددة
الأخرى. وأكبر دليل على ذلك الانتقادات التي
يوجهها أعلام الجماعات المتشددة إلى الإخوان.
ومن ذلك انتقادات أيمن الظواهري الشديدة
للإخوان المسلمين.
وقد
ذهب أحد الباحثين إلى القول إن: "الانعطاف
الديمقراطي لدى فريق من الإسلاميين، ونحو
الأساليب السلمية في الكفاح السياسي هو دليل
على اتجاه الحركة الإسلامية نحو الاعتدال،
الأمر الذي يعني تضييق مساحة الاختلاف بين
قسم مهم من الحركة الإسلامية والفرق
والاتجاهات السياسية الأخرى."(8) وإن صحت
هذه الملاحظة، وأعتقد أنها صحيحة، فإن شرخا
آخر في بنية الاستبداد العربي يأخذ في
الاتساع بسبب اتجاه الفصيل الإسلامي الرئيسي
نحو تبني الإجراءات الديمقراطية، بحكم
اضطرار الحركات الإسلامية للتعايش في بيئة
تعددية لا تستطيع أن تفرض إرادتها المنفردة
عليها.
تكنولوجيا
الفضاء العام
إن
مفهوم الفضاء العام الذي طرحه "هيبرماس"
يشير إلى تلك المساحة الذهنية الرحبة التي لا
تسيطر عليها المؤسسات الحكومية فيتمكن فيها
المرء من التأمل والتدبر والمداولة مع أقرانه.
هي مساحة للتفكير في اللامفكر فيه سياسيا
ودينيا. وبدون الدخول في التفصيلات النظرية
للمفهوم فإن المجتمعات العربية، مع تفاوت
واضح في الدرجة، بدأت تشهد اتساعا لهذه
المساحة من الفضاء العام. والعامل الدافع
لهذا الفضاء الآخذ في الاتساع هو تكنولوجيا
الاتصالات التي وفرت للمواطن العربي القنوات
الفضائية والمواقع التفاعلية على الإنترنت.
فقد بلغ عدد القنوات الفضائية العربية 120 قناة
يتم بثها بواسطة القمر الصناعي العربي "عربسات"
والقمر الصناعي المصري "نايلسات". وحسب
تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003
الذي يصدر عن البرنامج الإنمائي للأمم
المتحدة، فإن 70% من هذه القنوات تابعة رسميا
لحكومات عربية.(9)
أما
نسبة القنوات الفضائية العربية المملوكة
لقطاع خاص عربي والتي تبث إرسالها باللغة
العربية من خارج الوطن العربي، فتصل إلى 15% من
إجمالي القنوات الفضائية العربية. بينما وصلت
نسبة القنوات الفضائية الخاصة التي تبث
إرسالها من داخل الوطن العربي إلى 10%، ما يعني
أن الفضائيات العربية الرسمية ما زالت هي
المهيمنة على البث الفضائي العربي. ومع ذلك
فإن العودة إلى نسب المشاهدة تشير إلى أن
القنوات الفضائية المملوكة للحكومات العربية
هي الأقل مشاهدة فيما يتعلق بالقضايا
السياسية وتأتي قناة الجزيرة باعتبارها
الأكثر مشاهدة بين كافة الفضائيات الإخبارية
العربية. ويرجعها بعض الباحثين إلى أنها
الأكثر راديكالية في رفضها للأوضاع القائمة.(10)
كما
وفرت شبكة الإنترنت فرصة ممتازة لخلق فضاء
عام أرحب للتفاعل بين المواطنين العرب لا
سيما الشباب منهم. وبالعودة إلى مواقع الحوار
التي يوفرها موقع هيئة الإذاعة البريطانية
على النت في آخر شهرين، كانت هناك جرأة شديدة
في نقد الأوضاع العربية. ففي المساحة الخاصة
بالانتخابات التشريعية المصرية كان هناك
حوالي 184 مشاركة منشورة. كان معظمها (حوالي 64%)
شديد النقد للحزب الحاكم في مصر ومحاولات
الحزب للسيطرة على كافة جوانب الحياة
السياسية من أجل الإعداد للتوريث. وكان
الكثير منها (42%) متعاطفا مع الإخوان المسلمين
وحقهم في أن يصلوا إلى الحكم. المثير في هذه
المساحة أن الأقباط، هكذا برزوا من أسمائهم،
كانوا شديدي النقد للإخوان وللحكومة معا
وكأنها مؤامرة إسلامية ضد أقباط مصر وهو تحد
لا يمكن تجاهله لوحدة الأمة المصرية يبرزه
هذا الفضاء العام. وكان هناك قبول عام (89% من
المداخلات) للديمقراطية من حيث المبدأ مع
انتقاد الأوضاع الراهنة باعتبارها غير
ديمقراطية. إن مثل هذه المساحة من الفضاء
العام تكشف عن نزعة نحو نقد الأوضاع الحالية
والرغبة في مجتمعات أكثر ديمقراطية.
إن
الفضاء العام ولد واتسع وهو آخذ في الاتساع
ورغم أن فقط 6% من المواطنين العرب (فوق سنة 18)
يملكون القدرة على الوصول إلى الفضائيات وأن
نصف هذه النسبة فقط لديها القدرة على الوصول
إلى شبكة الإنترنت(11) فإن المستقبل سيشهد
زيادة كمية وكيفية ستشكل حتما شرخا جديدا في
بنية الاستبداد العربي.
نهاية الأيديولوجيا الشعبوية
إن
تراجع الأيديولوجيات الشعبوية – القومية
تحديدا في نسختها البعثية والناصرية المصرية
واليمنية والليبية- القائمة على التعبئة
السياسية والتماهي في مشروع قومي يقوده حزب
على قمته قائد ترك فراغا ضخما يسمح بإعادة
التفكير في بنية النظم السياسية العربية.
فالحركة القومية العربية لم تصل إلى الحكم في
أي دولة عربية عن طريق انتخابات حرة نزيهة بل
كان دائما عن طريق الانقلاب العسكري (مصر،
وسوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، والسودان)
أو عن طريق الثورات الشعبية ضد الاستعمار (الجزائر،
واليمن الجنوبي) ولكنها مع الأسف ضحت
بالديمقراطية وحقوق الإنسان في مقابل الوحدة
العربية والانتصار على الاستعمار والصهيونية.
إن
مأزق الأيديولوجية القومية العربية أنها
كانت أقرب إلى النموذج العضوي الذي جسدته
التجربتان الألمانية (بيسمارك) والإيطالية (غاريبالي)
حول أولوية العنصر الإثني واللغة والتاريخ
والثقافة في تحديد الهوية القومية والتعويل
على دور القائد والزعيم الملهم.(12)
وكان
الطرح السائد في ظل هذه الصيغة الأيديولوجية
هو "إما / أو" فإما الحقوق المدنية
والسياسية أو الوحدة والاستقلال والتنمية
الاقتصادية. وكان يغلف هذا، مع الأسف الشديد،
الممارسات القمعية والفساد وتهميش المعارضين
وإقصائهم عن الحياة العامة.
إن
مراجعات فكرية تحدث على الأيديولوجية
القومية التقليدية لتبني المكونات
الديمقراطية وحقوق الإنسان بحيث ألا يشعر
أبناء الأقليات غير العربية أنهم مواطنون من
الدرجة الثانية. وهذه المراجعات تقترب
بالقومية العربية من النمطين الفرنسي
والإنجليزي والذي يعلي من مكانة الدولة الأمة
بمفهومها القانوني والدستوري ويسمح بحرية
تكوين المؤسسات المدنية على قدم المساواة بين
كافة الجماعات الفرعية الإثنية والدينية على
أساس المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات
بين المواطنين جميعا.(13) وأهم ما تنتجه هذه
المراجعات هو ما يمكن تسميته عامل "الواو"
والمقصود به انتفاء نموذج الاختيار بين
الوحدة ومقاومة المستعمر والعدالة
الاجتماعية من ناحية "أو" الديمقراطية
واحترام حقوق الإنسان والحريات. إننا أمام
محاولة لاستيعاب عامل "الإضافة والتكامل"
بين الأهداف دون الحاجة للتضحية
بالديمقراطية من أجل غيرها.
فالناصريون
في مصر واليمن من أكثر القوى السياسية مطالبة
بالديمقراطية والمواطنة الكاملة بيد أن هذه
المراجعات ظلت فكرية دون أن تجد مصادقات لها
على أرض الواقع حتى الآن.
إن
تراجع الأيديولوجيات الشعبوية عن سدة الحكم
في عدد من البلدان العربية وحدوث مراجعات
فكرية تتصالح مع قيم الديمقراطية ومؤسساتها
وآلياتها شرخ آخر في بنية الاستبداد العربي.
اقرأ
في هذا الموضوع:
اقرأ
أيضًا: