|

|
|
إسبوزيتو
|
أسفرت
رسومات الكاريكاتير الأخيرة للنبي محمد عن
سلسلة من العواقب الدولية الخطيرة، سواء على
المدى القصير أو البعيد. فقد استهدفت تلك
الرسومات -التي تم نشرها أولا في الدانمارك ثم
في صحف أوربية أخرى- محمدا والإسلام، وقامت
بوصمهما بالتطرف والإرهاب. وبالطبع انتشرت
المظاهرات والاحتجاجات في أرجاء العالم
الإسلامي، وانحصر رد فعل الإعلام الأوربي في
التبرير بقوله إن تلك الرسومات ليست إلا
تمثيلا عن حرية التعبير. فصحيفة "فرانس
سوار" الفرنسية تقول "إنه من حقها تصوير
الإله بطريقة كاريكاتيرية ساخرة"، وصحيفة
"دي فيلت" الألمانية تقول "إنه من حقها
انتهاك المقدس".
الغرب
بين الإسلاموفوبيا والإكسونوفوبيا
من
ضمن الأسئلة الأولى التي وُجهت إلى من قبل
الإعلام الأوربي والأمريكي واللاتيني -بصدد
هذا الصراع الجاري- ذلك السؤال القائل: "هل
الإسلام مضاد للقيم الغربية؟ بمعنى آخر، هل
نحن بصدد حرب ثقافية؟". إن إجابة ذلك السؤال
تعتمد على طرح أسئلة استيضاحية أخرى تنص على
الآتي: ما هي تلك القيم الغربية التي نقصدها
ونتحدث بشأنها؟ هل هي تلك القيم الغربية
العلمانية التي لا تُميز دينا بعينه، في سبيل
إفساح الطريق لجميع الأديان، وفي سبيل حماية
المؤمن وغير المؤمن سواء؟ أم أنها تلك القيم
الغربية "العلمانية الأصولية" المضادة
للدين، والتي تزداد بسرعة شديدة ومكثفة ضد
الإسلام منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟.
إن
ما نشهده اليوم لا يمت للقيم الديمقراطية
الغربية بصلة، فالإعلام الأوربي يعكس اليوم
مجتمعا مصابا بالإسلاموفوبيا (كره غير عقلاني
لكل ما هو إسلامي) والإكسونوفوبيا (كره غير
عقلاني لكل ما هو أجنبي). وإن الرسومات
الأخيرة لهي أكبر دليل على الرغبة في
الاستفزاز، فهي لا تستخف بـ"أسامة بن لادن"
أو بـ"أبو مصعب الزرقاوي"، وإنما هي
تستخف بأكثر الرموز قداسة في حياة المسلمين،
والغريب أن كل ذلك الاستخفاف يحدث في ظل
أسطورة حرية التعبير.
وبالطبع
أفضت تلك الرسومات إلى أرباح هائلة، صُبت صبا
في جيوب أصحاب الصحف والجرائد الأوربية.
فالعناوين المفجرة عن نبي الإسلام وإعادة طبع
الرسومات الدانماركية أسالت لعاب القراء
الأوربيين. ولم تُضيع الصحف الأوربية "المحترمة"
هذه الفرصة، فسارعت هي الأخرى لأخذ نصيبها من
تلك "الهوجة" الإعلامية، وتحولت من صحف
"محترمة" إلى صحف سطحية رخيصة.
ولكن
ما الذي يُحرك ردود أفعال المسلمين؟ في
الوهلة الأولى، يقوم بعض المتخصصين طارحين
تساؤلهم المعروف: "لماذا يكرهوننا"؟
وتأتي الإجابة "التقليدية الحكيمة": "إنهم
يكرهون نجاحنا، وديمقراطيتنا، وحريتنا...".
كم هي إجابة سهلة ومُريحة!! وكم هي إجابة خاطئة!!
إن من يطلق مثل هذه الإجابة لا يعرف ولا يعترف
بأن المحاور الأساسية لهذه "الحرب
الثقافية"، الجارية الآن، تتمثل أولا
وأخيرا في المعتقدات الإيمانية، وفي الدور
الرئيسي للنبي محمد في الإسلام، وفي الحب
الذي يحظى به، باعتباره المثل الأعلى والقدوة
الحسنة التي يجب أن تُحاكى من قبل المسلمين.
إن من يطلق هذه الإجابة لا يدرك محورية الهوية
في الحرب الجارية الآن، تلك الهوية التي
أُهينت أشد إهانة، والتي نُكل بها أشد تنكيل.
فهل كان بإمكان الإعلام الأوربي ذاته -بتوجهه
العام- إصدار رسومات كاريكاتيرية مشابهة عن
اليهود أو عن الهولوكوست؟ وقد عبر عن ذلك أكبر
الأرباب اليهود في فرنسا، "جوزيف سيتروك"،
قائلا: "نحن لا نكسب شيئا من الاستهانة
بالأديان. إنه نقص في الصدق والاحترام".
وقال أيضا: "إن حرية التعبير ليست حقا دون
حدود". (إف.بي. 3 فبراير).
وفي
استطلاع أخير، قامت به مؤسسة "جالوب وورلد
بول" Gallup World Poll، مستقصية آراء المسلمين حول
وضعهم الحالي ونظرتهم إلى الغرب، تمكنا من
الوصول إلى إجابات ملايين المسلمين، من
المغرب إلى إندونيسيا. ويمكن القول: إن هذه
الدراسة قد وفرت إطارا خادما لمراقبة أسباب
الاحتجاجات المنتشرة من جانب مسلمي العالم.
حينما
سُئل المسلمون عن واجب المجتمعات الغربية في
تحسين علاقاتها مع العالم العربي/المسلم، كان
الرد الغالب (47% في إيران، 46% في السعودية، 43%
في مصر، 41% في تركيا) هو ضرورة سعي تلك
المجتمعات إلى إظهار قدر أكبر من التفهم
والتقدير للإسلام، وقدر أقل من التحيز
والكبر، وعدم التسفيه مما يمثله الإسلام. وفي
الوقت ذاته، اتجهت أعداد ضخمة من العينة إلى
التحدث عن التقدم التكنولوجي الغربي، وما
يتمتع به من حرية وديمقراطية، بإعجاب وثناء
واضحين. وحينما سُئلوا عن مدى استعدادهم
لإدراج قانون "حرية التعبير" -أي السماح
لجميع المواطنين بالتعبير عن مواقفهم
السياسية والاجتماعية والاقتصادية اليومية
في حالة إعداد دستور جديد لدولة جديدة- أبدت
غالبيتهم الموافقة الأكيدة (94% في مصر، 97% في
بنجلاديش، 98% في لبنان... إلخ).
أمريكا
وأوربا.. أسلوب نفعي
إن
الرسومات الكاريكاتيرية المعنية، التي تُسفه
وتُحقر من النبي والإسلام، لهي مثيرة للغضب
حقا. فهي تدفع إلى الشعور بالاحتقان
والازدراء والهامشية في صدور المسلمين،
الأمر الذي سيؤدي حتما إلى بناء جدار عازل بين
الغرب والمسلمين المعتدلين الذين سيُسهل
استدراجهم واستقطابهم -في أغلب الظن- من قبل
المتطرفين. بل إن تلك الرسومات ستدعم الأنظمة
المستبدة التي تعارض الديمقراطية، وستفتح
لها مجالا أوسع لمهاجمة الديمقراطية
باعتبارها مضادة للدين والإسلام، كما تزعم
تلك الأنظمة.
إن
الولايات المتحدة تبذل حاليا كل الجهد لإدراج
أوربا تحت جناحها، ولإدخالها في إطار خططها
المهيمنة على العالم المسلم، ويبدو أن أوربا
قد باتت على أتم استعداد للقبول بذلك الدور.
وفي ظل هذا التعاضد الأمريكي الأوربي، فإن
الولايات المتحدة ستنتهز تلك الفرصة جيدا
لدعم وترسيخ نظريتها القائلة بأن هناك صداما
بين الحضارات، وبأن هناك حربا صليبية على
الإسلام، يقودها الغرب الإسلاموفوبي. إن
الأحداث الأخيرة المتعلقة بتسفيه القرآن على
يد أمريكيين في خليج جوانتانامو، ثم مسلسل
التضامن السخيف الذي أبداه الاتحاد الأوربي
تجاه الدانمارك فيما يخص الرسومات الأخيرة،
ليس إلا دليلا قاطعا وإضافيا على أن هناك حربا
بين الحضارات تمولها وتشحنها الولايات
المتحدة.
يدعم
من ذلك، ما صرح به "رامسفيلد" في أثناء
مؤتمر "ميونيخ"، حينما وصف أوربا
والولايات المتحدة ليس فقط كشريكين ذوي مصالح
إستراتيجية واحدة، وإنما وصفهما كـ"عالم
متحضر" وكـ"مجتمع يتمتع بتاريخ مشترك،
وقيم واحدة، وإيمان عميق بالديمقراطية".
ويقوم ذلك "العالم المتحضر" -من منظور
"رامسفيلد"- بمواجهة حرب مُعلنة من قبل
قوى تأمل في تدشين "إمبراطورية إسلامية
عالمية متطرفة".
إن
الأسلوب النفعي الماكر الذي استخدمه "رامسفيلد"
لوصف الصراع، لا يترك مجالا لتوجيه أي نقد كان
تجاه الغرب. فخطابه بمؤتمر "ميونيخ" لم
يحمل أية محاولة للتفريق بين أهداف الحركات
الإسلامية المختلفة، ولم يحمل أي اعتراف بفشل
السياسات الأمريكية في العراق، بل لم يحمل
جملة اعتراف واحدة بالدور التاريخي الذي لعبه
الغرب في خلق ذلك الغضب المشروع الذي طالما
عانى منه المسلمون، إنما حمل خطابه اختزالا
للصراع، من خلال صب اللوم كله على العالم
المسلم الذي يكافح دوما -ودون فائدة- للوصول
إلى تلك الحرية التي يعيشها الغرب، كما يزعم
"رامسفيلد".
لا
مساومة في القيم
لا
تجوز المساومة في المبادئ والقيم الأساسية،
ومن ثم لا تجوز المساومة في مبدأ وقيمة حرية
التعبير. إلا أن الحريات لا تتواجد في فراغ،
بمعنى أنها لا تتواجد دون حدود. ففي كثير
من الدول، يمثل التعبير المُحضّ على الكره (مثل
إنكار الهولوكوست، أو تحفيز التعصب العرقي،
أو دعم الاستئصال البشري) جريمة، يعاقب عليها
القانون. وإن ديمقراطيتنا العلمانية الغربية
لا تكفل فقط حرية التعبير، وإنما تكفل أيضا
حرية العقيدة، فالاعتقاد وعدم الاعتقاد -سواء-
يحتاجان إلى الحماية.
إن
حرية الاعتقاد في داخل مجتمع متعدد لا بد أن
تعني وجود بعض المقدسات التي يجب معاملتها
كما تستحق، وكما ينبغي. وإن الإسلاموفوبيا -الآخذة
في التوغل كسرطان اجتماعي- تمثل خطرا وتهديدا
لأصول حياتنا ذات السمة التعددية
الديمقراطية، ومن ثم يتحتم علينا رفضها،
كرفضنا لحركة مناهضة السامية. وبناء عليه،
فإنه يلزم على جميع قادتنا السياسيين
والدينيين، وعلى جميع المتخصصين والمعلقين
لدينا -وبالطبع على جميع وسائل إعلامنا- أن
يقودوا المسيرة سويا لحماية قيمنا النبيلة.
والزعماء
المسلمون مسئولون عن الدفاع عن دينهم
ومعتقداتهم، ومسئولون أيضا عن دعم حرية
التعبير ولكن دون استغلال لتلك الحرية. لا بد
من رسم خط فاصل بين الأشكال الشرعية للرفض
والمظاهرات العنيفة التي يصاحبها هجمات
عدوانية على السفارات، كي لا يزيد الأمر
اشتعالا ويدعم من الصورة المتحيزة المأخوذة
غربيا عن المسلمين. ومن ثم، فإن الزعماء
المسلمين عليهم عبء مكثف في هذا الصدد، إذ بهم
يتم وعظ الجماهير المسلمة بعدم اللجوء إلى
العنف، لكونه غير شرعي في هذا الصدد.
إن
العولمة ومعها الغرب المتعدد ثقافيا ودينيا
صارا محك الاختبار على مصداقية قيمنا
الديمقراطية النبيلة. بمعنى آخر، إن التعددية
والتسامح في حاجة اليوم إلى فهم أكبر واحترام
أكثر، سواء من قبل غير المسلمين أو من قبل
المسلمين.
اقرأ
أيضا: