English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

ساحة الحوار    -    دليل المواقع

رواق الأفكار

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


في ضيافة محاضير محمد

2006/02/08

د. هشام الحمامي**

محاضير محمد رائد التحول والنهضة فى ماليزيا

هي فرصة عظيمة أن تلتقي بشخص رئيس الوزراء الماليزي السابق بل المبدع والمفكر والطبيب محاضير محمد. كنا خمسة ضيوف عليه في جناحه الوثير بأحد أفخم فنادق القاهرة. فإضافة لكاتب المقال، كان الضيوف هم المحامي الكبير الأستاذ عبد العظيم المغربي أمين عام مساعد اتحاد المحامين العرب الذي تحدثنا معه حول ترتيبات محاكمة بوش كمجرم حرب التي عقدت يوم 3 فبراير 2006 بنقابة المحامين، وعريضة الاتهام المقدمة من اتحاد الأطباء العرب عن الانتهاكات البدنية والصحية التي تؤكد الاتهام، ورئيس الجلسة هو الدكتور محاضير محمد. أما باقي الضيوف فهم الأساتذة (عادل حمودة، وعبد الحليم قنديل، ووائل الإبراشي) وكلهم بالطبع أعلام أشهر من أن تعرف.

محاضير محمد.. مسيرة فكر وحركة

وما إن جلست أمام محاضير محمد صاحب الواحد وثمانين عاما حتى استرجعت شريطا طويلا من الأفكار والأحداث  أمام عيني بطريقة "الفلاش باك". كان الميلاد في ديسمبر عام 1925 في جزر الملايو بشمال ماليزيا. درس الطب بمنحة إلى جامعة المالاي بسنغافورة، وافتتح عيادة خاصة جعل فيها يوما مجانيا لعلاج الفقراء .. كانت تمر عليه الأيام والليالي بحسرة وأسف على حال قومه السكان الأصليين للبلاد وهو منهم والذين هم أغلبية (58% ملايو، 24% صينيون، 7% هنود).

ويبدو أن الفكر كان يسبق الحركة عنده بشكل فطري فقبل أن يتحرك قرأ وفكر ثم ما لبث أن جمع أفكاره في كتاب أصدره باسم "معضلة الملايو" سنة 1970. قبله بسنة شهدت البلاد حربا أهليه طاحنة، انتهت بإجماع من الجميع على عدم تكرارها ثانية تحت أي ظرف وهو ما كان بالفعل. إلا أن مشكله الأغلبية المهضومة الحق بقيت كما هي، فكان الكتاب الذي انتقد فيه محاضير أهله وعرقه نقدا قاسيا على تخلفهم وكسلهم ورضاهم بحالهم دون أي محاولة لتحسينه. منع الكتاب من التداول عبر حزب "منظمة الملايو القومية المتحدة" الذي كان يحكم وقتها، وتم تصنيف صاحبنا على أنه متمرد كبير، إلا أنه لم ييأس ولم يصادم. وتلك هي المسافة الدقيقة بين المصلحين والثوريين. لم يكن ثوريا مندفعا بل كان مصلحا وئيدا، فكان نهج المسالمة والمصالحة والمهادنة والمداراة. كان من الممكن أن يثور ويصطدم وقتها، لكن كان سيتم سحقه بلا دية.

واصل الرجل نهجه وراهن على قدراته في التواصل البديع مع الآخرين وإقناعهم بمواهبه وإمكاناته. وبالفعل بدأت الاستجابة وبدأ الطريق يتمهد أمامه، وبدأت مسيرة الألف ميل بعضوية البرلمان عام 1974. بعدها فورا تولى وزارة التعليم وأتم عملية إحلال وإبدال هادئة ووضع الخطة وترك من ورائه من يطبقها بدقة. ثم اتجه إلى وزارة الصناعة وفعل فيها ما فعل في التعليم حتى كان العام 1981 عندما جاءت الفرصة كاملة لتحويل الفكر إلى واقع .. كان عمره وقتها 56 عاما .. لم يكن الرجل متعصبا أو عنصريا، فأعلن صراحة أنه ليس ضد الصينيين أو الهنود ولكنه يريد المشاركة العادلة للجميع في وطنهم، فأولى اهتماما واضحا للملايو  تعليما وتدريبا. ونجح نجاحا مبهرا في إدماجهم في سوق العمل الماليزي. وكانت وراءه جمعية "حركه الشباب المسلم" التي كانت تستلهم أفكار الإخوان المسلمين في مصر والعالم العربي والتي أسسها أنور إبراهيم -خصمه اللدود فيما بعد- فنجحت في حشد الجماهير وتعبئتها للقيام بأعباء النهضة معه، فيما يبدو أنه كان اتفاق محترم بين مصلح قوي في السلطة ليس بعيدا عن "الفكرة الإسلامية" وجمعية كبيرة لديها القدرة على الحشد والتربية والتعبئة.

وتحققت المعجزة وأصبحت ماليزيا أحد أنجح اقتصاديات جنوب آسيا والعالم الاسلامي كله. انخفضت نسبه الفقر من 52% عام 1970 إلى 5% عام 2002 وارتفع متوسط الدخل من 1200 دولار سنويا في نفس العام الى 10000 دولار عام 2002 وانخفضت نسبة البطالة إلى 3% وتحققت نسبه نمو في السنوات العشر الأول 6.7 % والعشر التي تليها 7.1%. ولأن في آمالنا طولا وفي أعمارنا قصرا، ولأن الفكر يسبق الحركة عند أهل  التبصر والحزم، فبعد أن بدأ الاخضرار والإثمار كانت خطة ماليزيا 2020 والتي تقوم على أنه بحلول هذا التاريخ يكون مستوى المعيشة للمواطن الماليزي موازيا تماما لمثيله في الغرب وأن تصبح ماليزيا دولة مكتملة البنيان الصناعي، وأن تتثبت الهوية الوطنية للأمة الماليزية وفق مفهوم المجتمع المدني الراسخ. ماليزيا الآن رقم 18 في خريطة الصناعة العالمية. فنسبة التصدير الصناعي 85% من إجمالي الصادرات وبذلك يساهم إنتاجها الصناعي بنسبه 90% في الناتج القومي الإجمالي، وكل 100 سيارة تسير في شوارعها منها 20 سيارة فقط مستوردة.

كان الطريق طويلا من 1981 إلى 2003 تخللته صعوبات وأزمات كان أشدها أزمة 1997 الاقتصادية الآسيوية التي أكد فيها محاضير رفضه القاطع لأفكار العولمة وأن ما يأتي من الغرب لا يتحتم أن يكون صحيحا. وطبق ذلك في رفضه لتوصيات صندوق النقد الدولي في أثناء أزمة الأسواق الآسيوية، وأصدر قرارات مخالفه لها تماما نجحت في احتواء الأزمة وصرفها بعيدا، في تجربة يتم الآن تدريسها، ولم تنل من التغطية الإعلامية ما يساويها.

وفي 31 أكتوبر 2003 أعلن محاضير محمد أن وقته كرئيس وزراء للبلاد قد انتهى لأنه من المهم أن يتولى القيادة جيل جديد.. كانت تلك لشعبه. وترأس آخر اجتماع له مع مجلس وزرائه في 22 أكتوبر.

الدين والنهضة والمعرفة

توقف "الفلاش باك" وبدأت انتبه للفرصة. ولكوني من ذوى الميول الإسلامية، فقد سألته سؤالين: الأول عما إذا كان ممكنا تصور نهضة في غياب الدين؟ والثاني عما إذا كان ممكنا تجنيب الدين في الصراع العربي الإسرائيلي؟.

وبدا عليه أنه كان يتوقع سؤال النهضة والدين، إذ أسفر وجهه عن ابتسامة تجمع بين الدهشة والانتظار كونه في مصر الآن وكونه مفكرا يعي ما يدور حوله في الدنيا خاصة في بلد بوزن مصر، فكانت إجابته أن التعاليم السلوكية التي جاء بها الدين ضرورية لصياغة أخلاقيات النهضة، فالدين هو النبع المثالي للتعاليم السلوكية والأخلاقية، ونحن كمسلمين نمتلك منظومة أخلاقية متكاملة. وكل ذلك كان معضدا بالعلوم المعرفية المختلفة خاصة ونحن أمة "اقرأ" قالها بالعربية. انتهى كلام الدكتور محاضير.

وأتوقف عند تجربة تواصله مع "حركة الشباب المسلم" التي كانت نعم النصير له وأصبح مؤسسها نائبه ووزير ماليته (أنور إبراهيم). لكن نزعة الاستبداد التي لا يخلو منها بشر مع اجتهادات عقلية بالغت في الواقعية وأحدثت خلافا في الرأي بين الرجلين. ويبدو أنه كان خلافا شديد الحدة لأن الدكتور محاضير قرر تنفيذ عملية اغتيال معنوي مروعة لنائبه سنة 1996، برأه منها القضاء تماما في سبتمبر 2004 وأعاده الحزب إلى صفوفه فيما يبدو أنه تفاهم بينه وبين رئيس الوزراء الحالي عبد الله بدوي  صاحب مشروع "الإسلام الحضاري" والتلميذ النجيب لمحاضير.

السؤال الثاني كان عن الصراع العربي الإسرائيلي. رفض فيه محاضير وصفه بأنه صراع ديني بل يتعلق باحتلال أرض وأن احتلال أرض أي شعب يعني أنه سيحارب دفاعا عنها. وأن المشكلة التي بين اليهود والمسلمين هي احتلال أرض عربية لإقامة دولة إسرائيل عليها.

انتهت إجابة الرجل وانتهت الزيارة. ولا أخفى عليكم كانت لدى "غصة" مما فعله مع رفيق دربه ونائبه ووزير ماليته وذراعه اليمنى طوال التأسيس الأول للنهضة المصحوب دوما بصعوبة البدايات. وكنت أعلم "طهارة" أنور إبراهيم وقوة أخلاقه وسلامة دينه من الدكتور سليم العوا. وكانت غصتي من الطريقة التي تمت بها نهاية صحبتهما. لكني وجدت نفسي لدى مغادرة الفندق أقول: "إن الحسنات يذهبن السيئات". ذلك أن الرجل كان أول من جاهر برفض العولمة ونبه بحدة إلى خطورتها على العالم الإسلامي.. كان أول من قدم نموذجا إسلاميا معاصرا فكرا وفعلا.. لم يستغل نفوذه في مراكمة ثروة كبيرة ولم يسمح لأي من أقاربه بمثل ذلك.. الرجل تحاشى أن يتحول إلى رمز مقدس وهي ظاهرة شرقية أصيلة خاصة عند أمثاله من أصحاب المشاريع الكبرى والأدوار المؤثرة في حياة شعوبهم.

وأخيرا غادر السلطة طواعية واختيارا في قمة مجده داخليا وخارجيا واختار أن يكون خطاب استقالته في عاصمة بلاده وعلى هامش مؤتمر القمة الإسلامي، ومع وصف لا ينسى لليهود بأنهم يحكمون العالم بالوكالة، ويرسلون غيرهم للموت نيابة عنهم، وإصراره فيما بعد على رفض تقديم كلمة اعتذار واحدة.

نموذج محاضير محمد عند قراءته وسط ركام التخاذل والخنوع والأيادي المقيدة يثير في الأذهان على الفور صور جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وقبلهما محمد علي، وبعدهما أحمد عرابي وحسن البنا وعبد الناصر .. وأهمس لنفسي بقول أحمد مطر: "خذوا دمعي الذي يجري كسكين على خدي".

اقرأ أيضا:


** طبيب وكاتب


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع