فماذا
تفعل حماس؟
ربما
توجد العديد من التوقعات، ولكن أمام
الحركة بعض البدائل ولكل منها تأثيره
على الحركة وعلى الأوضاع في فلسطين،
وربما في العالم العربي والإسلامي
أيضا. وقرار حماس اليوم، وفي كل مرحلة
لا يخصها فقط، بل يمتد أثره إلى جماعة
الإخوان المسلمين في كل البلاد
العربية، بوصف حماس ممثلة لإخوان
فلسطين. لهذا علينا النظر إلى المرحلة
القادمة بتحديد الأهداف الأساسية التي
يلزم تحقيقها من قبل حركة حماس.
فالمطلوب
اليوم هو ترجمة المشروع الحضاري
الإسلامي، وترجمة المرجعية الحضارية
والدينية للأمة، في فعل سياسي مقاوم
وتغييري، يهدف لمقاومة الاحتلال
وتغيير البناء السياسي للسلطة
الفلسطينية وتحقيق الإصلاح الداخلي
للمجتمع الفلسطيني.
المطلوب
إذن، هو الشروع في بداية تجربة أولية
للتطبيق العملي لمرجعية الأمة، في أشد
المناطق تأزما. وفي نفس الوقت سنجد أن
المطلوب من حركة حماس، هو تطبيق
المشروع الحضاري للأمة في مواجهة
الاحتلال الإسرائيلي،
الذي زرعه الغرب في فلسطين للقضاء على
هوية الأمة الحضارية. وربما تكون تلك
هي النقطة المركزية، عندما تصعد حركة
منتمية للمشروع الحضاري الإسلامي، في
خط المواجهة أمام القوى التي تعمل على
ضرب هوية الأمة، وتصبح وقائع المواجهة
لا تخص تحرير فلسطين، بل ترتبط بتحقيق
التحرر الحضاري للأمة العربية
والإسلامية.
والمطلوب
من حركة حماس أن تنظر في مواقفها
القادمة من خلال هذه النظرة الكلية،
والتي ترى تأثير ما تتخذه الحركة من
قرارات على مجمل أوضاع الحركة
الإسلامية، ومجمل أوضاع الأمة.
نعني بهذا، أهمية تجاوز الحركة لما قد
تفرضه عليها بعض المواقف التي
ستواجهها، فلا تتخذ قرارًا يهدف
لإخراجها من أي مأزق سوف تواجهه، دون
النظر لتأثير ذلك على مشروع النهوض
الحضاري للأمة.
الإصلاح
الداخلي أولا
وعليه
نرى أهمية أن تستمر حركة حماس في
مسيرتها وتشكل الحكومة، ولا تتراجع عن
ما حققته من فوز في الانتخابات
التشريعية. وحتى إذا رفضت حركة فتح
المشاركة في حكومة وحدة وطنية، فعلى
حماس البحث عن شركاء آخرين، فمحاولة
تأكيد أهمية المشاركة في السلطة تمثل
أساسا مهما في هذه المرحلة. ولكن إذا
رفض الجميع مشاركة حماس في الحكومة،
وهو أمر وارد ويهدف في النهاية إلى وضع
حماس في موقف حرج، يفترض البعض أنه
يمكن أن يلحق بها الفشل ويجعلها تعود
إلى موقع المعارضة، نقول حتى إذا حدث
هذا فعلى حماس تشكيل الحكومة.
ومن
الضروري تحديد أولويات العمل في
المرحلة القادمة، فالإصلاح الداخلي
يجب أن يكون له الأولوية؛ لأن بناء
الداخل يمهد لمواجهة التحديات
الخارجية. والكثير يمكن أن يقال عن
المطلوب لإصلاح السلطة الفلسطينية
ومحاربة الفساد وإعادة هيكلة أجهزة
السلطة لرفع كفاءة أدائها. وهذا
الأمر جوهري في الواقع، ويأتي قبل فتح
ملف المفاوضات؛ لأن الكثير من الفشل
العربي في مواجهة التحديات الخارجية
ناتج من الفشل في إدارة الشئون
الداخلية وبناء المؤسسات الحكومية.
وتصبح مواجهة القضايا الحياتية التي
يعاني منها الشعب الفلسطيني جزءًا من
تلك الأوليات، فمحاربة البطالة
والمشكلات الصحية والسكنية وغيرها،
تمثل مجالا مهما لتقوية المجتمع
الفلسطيني، وتقديم نموذج سياسي
واجتماعي مغاير لممارسات السلطة،
سيكون كاشفا لتميز المشروع الحضاري
تطبيقيًّا.
هدنة
وضبط للمقاومة
والعلاقة
مع الاحتلال الإسرائيلي والدول
الغربية، يجب أن تبدأ بترتيب الأوراق،
من خلال تأسيس هدنة حقيقية. وربما الآن
يمكن تحقيق الهدنة، فالطرف المفاوض
لإسرائيل في شأن الهدنة، هو طرف رئيسي
في حركة المقاومة. ويصبح على حماس
مسئولية الالتزام بالهدنة وإقناع
حركات المقاومة الأخرى بها، ولكن في
المقابل سيكون عليها مسئولية أهم، لم
تنجح فيها حكومة فتح، وهي تنظيم الرد
العسكري على أي عمليات عسكرية يقوم بها
الاحتلال الإسرائيلي. ونقصد من ذلك،
أن تقوم الهدنة بصورة منضبطة، وأيضا
تنظم عمليات الرد على أي اختراق
إسرائيلي للهدنة، فيأتي الرد مناسبًا
ومرتبطًا بما قام به الاحتلال من عمل
عسكري. ويشمل هذا أيضا تحديد المواقف
التي لا يكون الرد فيها مفيدا، وبهذا
يتحقق قرار جماعي مشترك لحركات
المقاومة. وربما يمكن تحقيق ذلك من
خلال لجنة تنسيق لحركات المقاومة،
ترتبط في النهاية بالحكومة التي
تشكلها حماس، ولكن تظل مستقلة نسبيًّا.
وهنا
من الضروري التأكيد على أن الموازنة
بين العمل السياسي والعمل المقاوم
تقوم أساسا على أن المقاومة تمثل
الذراع القوي للعمل السياسي، وأن
المفاوضات تقوم على أدوات الضغط، ومن
لا يملك أدوات الضغط لا يستطيع في
المفاوضات إلا أن يتنازل.
وهو ما أدركه الرئيس ياسر عرفات، وكان
سببًا في دعمه غير المعلن لكتائب شهداء
الأقصى. وعليه ستأتي في النهاية مرحلة
التحدي بالدخول في المفاوضات، والتي
يمكن أن تبدأ بالقضايا الفرعية، ثم
تحديد جدول أعمال للموضوعات الرئيسية،
وهنا يكون على حركة حماس، ومعها قوى
التيار الحضاري الإسلامي، تحديد تصور
عملي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي
لفلسطين.