*
ماكسين
ماكيو: في ضوء ما يحث الآن، كيف تقرءون
الوضع في المرحلة الراهنة؟ هل ترون أي
بادرة أمل لعودة "إريل شارون" إلى
الحياة السياسية؟.
مارتين
إنديك: لا يبدو ذلك محتملا، خاصة في ظل
عدم توفر وقت كاف قبيل الانتخابات
المزمع إجراؤها في نهاية مارس 2006، إن
الحالة الصحية لـ"شارون" غير
مطمئنة على الإطلاق؛ وعلى الرغم من عدم
امتهاني لمهنة الطب فإن رؤيتي للوضع
العام في إسرائيل اليوم تقول إن شارون
لن يعود إلى الحياة السياسية ثانية؛
وهو ما سيترك فراغا كبيرا وسط السياسة
الإسرائيلية؛ فراغا يشبه فوهة البركان.
* ماكسين
ماكيو: إن التطور السياسي الذي ظهر على
توجه "شارون" جعل العالم اليوم -بما
فيه أعداء "شارون" القدامى في
داخل إسرائيل- يأمل ويرغب في عيشه،
باعتباره الأمل الأفضل والأوحد للسلام..
فهل يمثل "شارون" فعلا هذا الأمل؟.
مارتين
إنديك: لا أعرف حقيقة مدى صحة هذه
المقولة، إلا أنني أعتقد بأنه الأمل
الأفضل لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي
للضفة الغربية وقطاع غزة؛ وقد فعل ذلك
بالنسبة لغزة. وإنه فعلا لمن العجيب
حقا أن يتحول مثل هذا الرجل الذي كان
يوصف يوما بسفاح بيروت -بسبب انخراطه
في الحرب اللبنانية عام 1982- إلى بطل على
لسان الجمعية العامة للأمم المتحدة في
سبتمبر 2005؛ وهي المنظمة التي كانت دوما
تنعته وتنعت إسرائيل بصفات الشر
والبطش والعدوان.
*
ماكسين
ماكيو: ولكن ما الذي أكسبه هذا البريق؟.
مارتين
إنديك: أعتقد أن الأمر يعود -أولا
وأخيرا- إلى إحساسه بالمسئولية تجاه
مستقبل الدولة الإسرائيلية؛ وذلك على
عكس "باراك" و"نتنياهو"
اللذين سبقاه في رئاسة الحكومة
الإسرائيلية. وقد كان "شارون"
يتحدث معي دوما -حينما كنت أعمل سفيرا
في إسرائيل- بشأن هذين الوزيرين اللذين
فشلا، من وجهة نظره، في فهم وإدراك ما
هو مطلوب منهما لتأمين المستقبل
الإسرائيلي.
هذا
بالإضافة إلى كونه مُحددا لأهدافه؛
فقد حدد ثلاثة منها في ظل رئاسته
للحكومة الإسرائيلية، وهي:
1)
أنه سيعمل على إبقاء وحفظ علاقته
الإستراتيجية مع الولايات المتحدة،
ولن يسمح لأي شيء يعكر تلك العلاقة.
2)
أنه سيعتبر نفسه مسئولا عن تثبيت حدود
الدولة الإسرائيلية، وجعل الأغلبية
الإسرائيلية هي الطاغية، والقدس هي
العاصمة.
3)
أنه سيعمل على إنهاء "الاحتلال" -وقد
كان يستخدم هذا المصطلح- في فترة
رئاسته للحكومة الإسرائيلية.
والحقيقة
أن "شارون" لم يؤمن أبدا بإيجاد
سلام، ولكنه آمن بإيجاد فرقة أو عزلة
بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ وهو
ما ابتدأه في قطاع غزة.
* ماكسين
ماكيو: هل تعتقدون أنه كان بإمكانه -بعد
إخلاء غزة- الخروج كاملا من الضفة
الغربية؟ وكم من الوقت كان سيأخذ
لإتمام مثل هذه المهمة؟.
مارتين
إنديك: لم يكن في نية "شارون"
الانسحاب الكامل من الضفة الغربية؛
وإنما كانت نيته تخليص إسرائيل من
المسئولية ليس فقط تجاه 1.2 مليون
فلسطيني في غزة، وإنما أيضا تجاه 2.5
مليون فلسطيني في الضفة الغربية. كان
يرى أن ذلك سيصب في مصلحة الدولة
الإسرائيلية، وسيضمن بقاءها ورفعتها.
ومن أجل ذلك، كان قراره بالانسحاب من
حزب "الليكود" الذي رآه معرقلا
لرؤيته وخططه، خاصة في ظل الرمق الأخير
لحياته السياسية.
أما
عن كيفية انسحابه من الضفة، فأعتقد أنه
كان سينسحب منها بنسبة 70% تقريبا، ثم
يبدأ في توسيع مستوطناته من وراء ذلك
الجدار وذلك الحائط؛ كان ذلك سيكون جُل
تركيزه فيما سيتبقى من حياته السياسية.
* ماكسين
ماكيو: هل ما تواجهه إسرائيل الآن
يعتبر نسخة مما واجهته منذ 10 سنوات،
حينما اغتيل رئيس الوزراء "إسحق
رابين"؟.
مارتين
إنديك: نعم، أعتقد أن الموازاة بين
اللحظتين في غاية الأهمية؛ لأن "رابين"
كان يحاول أيضا فصل إسرائيل عن
الفلسطينيين من خلال العملية السلمية.
وقد قالها حينذاك -في خطبة له قبيل
اغتياله- إنه يرغب في الانفصال بدافع
الاحترام، ليس بدافع الكره. إلا أن
السنوات الأربع الأخيرة، منذ اندلاع
انتفاضة الأقصى، خلفت الكثير من العنف؛
الأمر الذي أورث قدرا كبيرا من الكره
وانعدام الثقة بين الإسرائيليين
والفلسطينيين.
ولذا،
فإنه على الرغم من التشابه في الهدف
بين "رابين" و"شارون" -وهو
هدف الانفصال- فإن "شارون" لم يعد
يفعل ذلك بدافع الاحترام، فقد
قام "شارون" بخطوته "الانفصالية"
في غزة بدافع الكره. والتراجيديا
الحقيقية ستتمثل في مغادرة "شارون"
للمسرح السياسي مجبرا ورغما عنه، مما
لن يمكنه من إتمام المهمة "الانفصالية"
في الضفة. فمثلما مُنع "رابين" من
إتمام مهمته، فإن "شارون" هو
الآخر سيُمنع من إتمام مهمته؛ الأمر
الذي سيخلق فراغا سياسيا في إسرائيل؛
وسيكون السؤال تباعا: من الذي بإمكانه
ملء ذلك الفراغ؟.
* ماكسين
ماكيو: إذا كانت مواصلة فك الارتباط هي
الهدف، فما هي توقعاتكم بشأن
السيناريو السياسي؟.
مارتين
إنديك: إن "شارون" كان معتمدا على
الغالبية العظمى للإسرائيليين غير
الراغبين في المكوث بالضفة الغربية
الذين باتوا يكرهون وضعهم الريادي في
داخل الضفة الذي يجعلهم على درجة أعلى
من الفلسطينيين. باختصار، هم لا يريدون
حكم الفلسطينيين؛ وهم لا يريدون أن
يكونوا يدا عليا فوقهم؛ لأنهم يدركون
مدى الفساد الذي لحق بسلوكياتهم
كإسرائيليين على أثر ذلك.
وكان
"شارون" خير من يمثل ويعكس ضيق
أولئك الإسرائيليين وضجرهم؛ ومن ثم
كان يعتبر "ملِك السياسة" الذي
بمقدوره الضغط بأصبعه على نبض الشعب
الإسرائيلي.
وما
زال رأي أولئك الإسرائيليين سائدا حتى
هذه اللحظة. وما زالوا يريدون ذلك
الطريق الذي رسمه "شارون" لهم.
والسؤال المطروح الآن: هل سيكون في
مقدور "إيهود أولمرت" أو "تسيبي
ليفني" -اللذين انسحبا من "الليكود"
مثل "شارون" والتحقا بحزب "كاديما"-
قيادة الشعب الإسرائيلي بدلا من "شارون"؟
هل سيستطيعان الظهور بتلك المصداقية
التي أخلفها "شارون"؟ هل سيكون
بإمكانهما الأخذ بالشعب الإسرائيلي لا
إلى السلام -فهو أمل بعيد المنال الآن-
بل إلى الانفصال وفك الارتباط عن
الفلسطينيين؟.
ماكسين
ماكيو: إن حزب "كاديما" بصدد صدمة
حقيقية؛ فهو لم يعد أمامه سوى شهرين
حتى نهاية مارس المقبل، حيث ستجرى
الانتخابات؛ الأمر الذي سيعطي فرصة
ذهبية لرئيس حزب "الليكود" الحالي...
"بنيامين نتنياهو"؟.
مارتين
إنديك: نعم، من ناحية يصح هذا الكلام،
لما يتمتع به "نتنياهو" من ميزات
قد تفوق منافسه "بيريتس"، رئيس
حزب العمل. فـ"نتنياهو" يُنظر
إليه باعتباره رئيس وزراء سابقا،
وباعتباره أيضا زعيما وطنيا، له من
الوثائق والأوراق التي تدلل على صدق
وطنيته؛ وهو ما لا يمتلكه "بيريتس".
إلا أنه من الناحية الأخرى، فإنه لديه
مشكلة كبيرة: فهو صاحب إرث لحزب يميني
متشدد؛ وهو صاحب موقف رافض لسياسة فك
الارتباط؛ ومن ثم، فهو لن يستطيع
التحول بسهولة من اليمين إلى الوسط
لملء الفراغ الذي سيخلفه "شارون"؛
فذلك التحول سيفقده مصداقيته، وهو ليس
بالأمر الهين.