ينتسب
آل الصباح وأبناء عمومتهم آل خليفة إلى
قبيلة عنزة التي هاجرت في أواخر القرن
السابع عشر من منطقة نجد بشرق الجزيرة
العربية إلى الكويت. ومنذ ذلك الحين
تولى آل الصباح الحكم في الكويت لمدة ما
يقرب من 300 سنة من خلال 13 حاكما كان أولهم
الشيخ صباح الأول بن جابر الذي تولى
الحكم في الفترة من 1756-1762، وآخرهم
المغفور له الشيخ جابر الأحمد الصباح
الذي تولى الحكم في عام 1978 حتى وافته
المنية خلال شهر يناير الحالي 2006.
ويحدد
دستور دولة الكويت الصادر في عام 1962
آلية تولي السلطة؛ حيث تنص المادة 4 منه
على أن "الكويت إمارة وراثية في ذرية
المغفور له مبارك الصباح، ويعين ولي
العهد خلال سنة على الأكثر من توليه
الأمر، ويكون تعيينه بأمر أميري بناء
على تزكية الأمير ومبايعة من مجلس الأمة
تتم في جلسة خاصة بموافقة أغلبية
الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس. وفي
حالة عدم التعيين على النحو السابق يزكي
الأمير بولاية العهد ثلاثة على الأقل من
الذرية المذكورة فيبايع المجلس أحدهم
وليا للعهد، ويشترط في ولي العهد أن
يكون رشيدا عاقلا وابنًا شرعيا لأبوين
مسلمين".
وبالإضافة
لأحكام الدستور الواضحة التي لا غموض
فيها، فقد صدر قانون توارث الإمارة
الصادر في عام 1964، وينظم آلية انتقال
السلطة بشكل تفصيلي؛ حيث نصت المادة
الأولى منه على أن الكويت إمارة وراثية
في ذرية المغفور له مبارك الصباح. أما
المادة 3، فقد تناولت الشروط الخاصة
بممارسة الأمير صلاحياته الدستورية،
وتناولت المادة 4 حالة خلو منصب الأمير،
ثم تناولت المواد 6 و7 و8 الأحكام الخاصة
بتولي العهد، وتنص المادة 9 على أن هذا
القانون له الصفة الدستورية، ومن ثم فقد
كان طبيعيا أنه بعد وفاة أمير دولة
الكويت الراحل أن يتم إعلان الشيخ سعد
العبد الله الصباح أميرا خلفا له؛ وذلك
من منطلقين:
أولهما:
دستوري؛ حيث إن
الدستور ينظم انتقال السلطة بشكل طبيعي
دون أي معوقات.
وثانيهما:
واقعي؛ حيث إن
الأوساط السياسية في الكويت رأت ضرورة
عدم ترك فراغ في الحكم، مما يثير بواعث
قلق لدى المجتمع الكويتي.
ويتعين
على الأمير الجديد أن يؤدي القسم أمام
مجلس الأمة؛ وذلك وفقًا لنص المادة 60 من
الدستور الكويتي التي تنص على أنه "يتوجب
على الأمير قبل ممارسة صلاحياته أن يؤدي
لمجلس الأمة اليمين الدستورية في جلسة
خاصة".
 |
|
الشيخ صباح الأحمد الصباح رئيس مجلس الوزراء الكويتي الحالي |
بيد
أن الكويت قد شهد تطورات مفاجئة نظرا
لمرض الشيخ سعد العبد الله الصباح الذي
يعاني من متاعب صحية منذ عام 1997 تحول
بينه وبين ممارسة مهامه بشكل فعلي كأمير
للبلاد، ومنها ما تردد بشأن عدم قدرته
على قراءة القسم أمام مجلس الأمة على
الرغم من أن هذا القسم مكون من سطرين؛
حيث أكد جاسم الخرافي رئيس مجلس الأمة
على أنه يتعين على الأمير الجديد أداء
القسم كاملا كما ورد في نص الدستور".
وقد
وضع الخرافي بهذا التصريح حدا لما أثير
حول إمكانية تأدية الشيخ سعد جزءا من
القسم كما حدث مع والده الشيخ عبد الله
السالم. وقد تمثلت تلك التطورات في
ثلاثة أمور:
أولها:
اختيار 200 عضو
من الأسرة الحاكمة لرئيس مجلس الوزراء
الحالي الشيخ صباح الأحمد الصباح
ليتولى منصب أمير الكويت الجديد، وقد
أكد الشيخ صباح "عزمه على تحمل هذه
المسئولية الكبيرة"، ومن بين هؤلاء
الأفراد الذين بايعوه أعضاء بارزون من
جناح السالم الذي ينتمي إليه الشيخ سعد.
وثانيهما:
إعلان رئيس
مجلس الأمة جاسم الخرافي أنه تلقى طلبا
رسميا من الشيخ سعد العبد الله الصباح
أمير الكويت (وفقا للدستور)، بطلب عقد
جلسة للبرلمان يوم الأحد 22-1-2006 لأداء
القسم القانوني بوصفه أميرا للبلاد.
وثالثها:
تفاعل الصحف
الكويتية مع تلك الأحداث؛ حيث دخلت على
خط التفاعل مبدية تأييدها الكامل للشيخ
صباح الأحمد، ومطالبة الشيخ سعد
بالتنازل لأجل الكويت؛ ففي مقال
افتتاحي لها قالت صحيفة القبس الكويتية:
"إنها مناسبة الآن لكي نتوجه إلى سمو
الأمير الشيخ سعد لأن يكمل اليوم مسيرته
في سبيل الكويت فيضحي مرة جديدة من
أجلها"، وأضافت: "وهو لن يتأخر
اليوم عن تقديم تضحية أخرى لتجنيب
الكويت عقبات وربما أزمات بالاعتذار عن
تولي مهام الحكم وتركها لمن هو قادر من
أبناء الأسرة الكريمة"، أما صحيفة
الأنباء فجاء في عنوانها الرئيسي "الأمانة
بيد الأمين صباح الأحمد".
وتعكس
تلك النداءات توجها شعبيا مؤيدا للشيخ
صباح الأحمد، فضلا عما شهدته العاصمة
الكويتية من مسيرة شعبية ضخمة قدرتها
المصادر بـ25 ألف شخص وفاء للأمير الراحل
الشيخ جابر الصباح دون إعلان لطرف دون
الآخر، وهو أمر يمكن تفسيره من منطلقين:
الأول:
رغبة الشعب الكويتي في التوحد خلف أمير
جديد يكون رمزًا للبلاد خلفًا للأمير
الراحل.
والثاني:
حمل أفراد المسيرة صورًا للأمير الراحل
وهو أمر لا يخلو من دلالة باعتبار أن
الشيخ صباح الأحمد رئيس مجلس الوزراء
الحالي هو الأخ غير الشقيق للشيخ جابر.
ومن
ثم أصبح الوضع في الكويت منقسما بين
قطبين من الأسرة الحاكمة:
أولهما:
الشيخ سعد، وهو
دستوري باعتباره أكبر الأشقاء سنا بعد
الأمير الراحل.
وثانيهما:
الشيخ صباح
الأحمد، وهو الشخص الذي كان يدير البلاد
إبان مرض الأمير خلال السنوات الخمس
الأخيرة، سواء من خلال عمله كوزير
للخارجية لمدة أربعة عقود أو تعيينه
كرئيس للوزراء عام 2003.
وقد
شهدت الكويت إبان عهده العديد من
الإصلاحات السياسية والاقتصادية كان
أهمها أمرين:
الأول:
فصل منصبي
ولاية العهد عن رئاسة مجلس الوزراء.
والثاني:
منح المرأة
الكويتية حقي الترشيح والانتخاب.
إشكالية
ترتيب البيت الكويتي
ويثير
هذا الانقسام عددًا من الإشكاليات
المهمة بشأن ترتيب بيت الحكم في الكويت،
أهمها:
أولا
:
الجدل حول مدى وجود صراع بين فرعي
السلطة الرئيسيين في الكويت، وهما آل
الصباح وآل السالم اللذان يتبادلان
تولي السلطة في الكويت؛ وذلك وفق عرف
كويتي متفق عليه بشكل ضمني. هذا الخلاف
الذي لا يقتصر على تسمية الأمير الحالي
وإنما تأهيل الصف الثاني في الأسرة
الحاكمة، ونسبة كل فرع في تلك الأدوار
الجديدة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن
الشيخ سالم رئيس الحرس الوطني الكويتي
الذي ينتمي إلى فرع السالم وبعض كبار
أفراد الأسرة يؤيدون الشيخ سعد العبد
الله الصباح بوصفه "رمز الكويت"،
وبالتالي مدى صلاحيته للحكم مسألة ليست
مطروحة، في حين أن هناك أصوات عديدة
داخل الأسرة الحاكمة تؤيد الشيخ صباح
الأحمد.
ثانيًا:
تعكس تلك التطورات مدى نضج واستقلالية
مؤسسات دولة الكويت على الرغم من
اتخاذها الطابع الملكي، ومن ذلك دور
مجلس الأمة في حسم هذا الصراع. وبالتالي
فإنه وفقًا لقانون توارث الإمارة في
الكويت الصادر عام 1964 فقد نظم عملية
انتقال السلطة في حالة مرض الأمير، فقد
نصت المادة الثالثة من هذا القانون على
أنه "يشترط لممارسة الأمير صلاحياته
الدستورية ألا يفقد شرطًا من الشروط
الواجب توافرها في ولي العهد، فإن فقد
أحد هذه الشروط أو فقد القدرة الصحية
على ممارسة صلاحياته فعلى مجلس الوزراء
-بعد التثبت من ذلك- عرض الأمر على مجلس
الأمة في الحال لنظره في جلسة سرية خاصة،
فإذا ثبت للمجلس بصورة قاطعة فقدان
الشرط أو القدرة المنوه عنها قرر
بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم
انتقال ممارسة صلاحيات الأمير إلى ولي
العهد بصفة مؤقتة أو انتقال رئاسة
الدولة إليه نهائيا".
ووفقًا
لهذا النص الواضح، فإن الحكومة يتعين
عليها أن تطلب من البرلمان إعفاءه من
مهامه وبالتالي اختيار أمير جديد، وقد
يكون توجيه الحكومة هذا الطلب للبرلمان
أمرًا يسيرًا على اعتبار أن الشيخ صباح
الأحمد الذي يحظى بتأييد العديد من فئات
الشعب هو رئيسها، ولكن بعد تشكيل لجنة
صحية لتقدير حالة الشيخ سعد، وهو ما بدأ
فيه مجلس الوزراء بالفعل عقب جلسة عقدها
يوم السبت 21-1-2006؛ حيث صدر عنها بيان جاء
فيه: "إذ يعرب مجلس الوزراء عن عميق
أسفه وحزنه لما آلت إليه الأوضاع الصحية
للأمير الشيخ سعد العبد الله السالم
الصباح، فإنه قد قرر المجلس تفعيل
الإجراءات الدستورية المقررة في المادة
الثالثة من قانون توارث الإمارة".
بيد
أن مجلس الأمة يحتاج لاتخاذ مثل هذا
القرار إلى موافقة أغلبية الثلثين أي
حوالي 44 عضوًا من أعضائه البالغين 65
عضوًا بينهم وزراء الحكومة الـ16، وقد لا
يكون الأمر يسيرًا في ظل فاعلية ودور
مجلس الأمة في العملية السياسية
بالكويت حيث يشهد انقسامًا واضحًا بين
التيارين الرئيسيين في الكويت
الإسلاميين والليبراليين بشأن عدد من
القضايا الرئيسية.
ثالثًا:
يتعين على مجلس الأمة أن يتخذ إجراءين
في آن واحد من خلال جلسة خاصة يخصصها
لهذا الغرض:
الأول:
تحديد الأمير ومدى إمكانية الاستمرار
أو العزل؛ حيث يتعين أن يؤدي أمير
الكويت الجديد القسم الدستوري كاملا
أمام مجلس الأمة.
والثاني:
تسمية الأمير الجديد، وسوف يعتمد ذلك
على التوازنات داخل المجلس.
رابعًا:
في حالة تصديق مجلس الأمة على تسمية
الشيخ سعد أميرًا للكويت سوف يصبح الشيخ
صباح وليا للعهد، وفي الوقت ذاته رئيسًا
للوزراء، وهما المنصبان اللذان تم
فصلهما بعد مطالبات شعبية بهذا الشأن
عام 2003. وبالتالي لن يكون مقبولا العودة
إلى المربع رقم واحد مجددًا، وقد استبقت
حركة الإخوان المسلمين -وهي أبرز
الحركات السنية في الكويت- تطورات
الأحداث ودعت في بيان لها "إلى
استمرار فصل ولاية العهد عن رئاسة
الوزراء باعتباره أصبح مكسبًا شعبيا".
وعلى
الرغم مما سبق فإنه لا يمكن القول إن
الأمور في الكويت ستتجه نحو الأزمة؛
وذلك انطلاقًا من عدة اعتبارات:
أولها:
على الرغم من اختلاف توجهات الشعب
الكويتي تجاه قضايا عديدة بما فيها
الأسرة الحاكمة ذاتها، فإنه عرف عن هذا
المجتمع التلاحم إبان الأزمات؛ وهو ما
يؤكده اجتماع جدة عام 1990 الذي حضرته
كافة القوى السياسية الكويتية، وجددت
البيعة لأمير الكويت الراحل في أعقاب
دعوة الرئيس العراقي السابق صدام حسين
بإجراء استفتاء على الحكم في الكويت.
وثانيها:
أن الأزمة التي تشهدها الكويت الآن ليست
دستورية وإنما سياسية في المقام الأول،
ويتضح من بيان مجلس الوزراء الكويتي أن
الأمور يمكن حلها بين أقطاب الأسرة
الحاكمة دون بلوغ الأزمة إلى حد اللا
تراجع، وبخاصة أن بيان المجلس أشاد
بأمير البلاد الشيخ سعد العبد الله
الصباح في مختلف المجالات والميادين".
وثالثها:
ما أشارت إليه المصادر من أن هناك نية
لتأجيل انعقاد جلسة مجلس الأمة المخصصة
لهذا الغرض، فضلا عن طلب عدد من أعضاء
المجلس لقاء الشيخ سعد، وهي مؤشرات تعكس
رغبة المجلس في عدم التدخل في الأزمة
وترك حلها بيد أقطاب الأسرة الحاكمة.
رابعها:
ما تشهده المنطقة حاليًّا من توترات من
جراء تطورات الملف العراقي الذي ينعكس
بلا شك على الأمن القومي لدولة الكويت.
خامسها:
الإصلاحات العديدة التي اتخذتها دولة
الكويت ومن بينها الإصلاحات داخل
الأسرة الحاكمة ذاتها ولا مجال للتراجع
عنها الآن، ومنها تأهيل الصف الثاني
لتولي المسئولية.
اقرأ
أيضًا: