English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

ساحة الحوار    -    دليل المواقع

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


هيئة الإنصاف: هل يقطع المغرب مع ماضي الانتهاكات؟

2006/01/21

عبد الحفيظ السريتي**

الملك محمد السادس

لا يختلف المراقبون اليوم للشأن العام في المغرب على أن البلاد خطت في عهد الملك محمد السادس خطوات هامة مقارنة بما كانت عليه أيام حكم والده الراحل الملك الحسن الثاني. فسنوات الجمر والرصاص التي استغرقت أربعة عقود لم تكن مرحلة عادية؛ حيث كان القهر والاستبداد والتسلط يهيمن على كافة المجالات الحياتية، إلى درجة شدت حركة البلاد إلى الخلف، تاركة إياها في عداد الأمم الغارقة في ممارسات لا تمت إلى احترام الإنسان وصون كرامته.

فالمرحلة هذه تميزت بتصاعد وتيرة الصراعات بين القصر والمعارضة؛ وهو ما دفع بنظام الحكم إلى اختيار أسلوب القوة لتطويع الخصوم وإبعادهم عن ساحات التأثير بإلقائهم في غياهب سجون نائية لم يكن لأحد القدرة حتى على ذكر اسمها أو الإشارة إلى أماكن تواجدها.

فخلال تلك السنوات شهدت البلاد العديد من الأحداث والاحتكاكات نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث الاحتقان والغليان لم يتوقف يومها عند الشرائح المتضررة، بل تعداها ليمتد إلى من كانوا في عداد أصفياء الملك الراحل الحسن الثاني، كما هو شأن وزير داخليته الأسبق الجنرال محمد وفقير، الذي كان وراء إحدى المحاولتين الانقلابيتين اللتين شهدتهما البلاد على التوالي في سنوات 1971 و1972.

ولمواجهة انفلات خطير من حجم انقلاب دبر للإطاحة بنظام الملك الراحل، لم يكن الجواب يومها إلا عبر رفع سقف القبضة الأمنية، دون أن تقود تلك الأحداث، وبعيدا عن نوايا الانقلابيين، إلى مراجعات لأسلوب الحكم في البلاد. مع كل ذلك كانت حركة الداخل ممثلة في بعض الأحزاب والنقابات العمالية تعمل باستمرار ضمن الهوامش الضيقة على الجهر بمطالبها السياسية والاجتماعية، لكن الأجواء السائدة وغياب الثقة بين نظام الملك الراحل وقوى المعارضة فوتت على البلاد أي شكل من أشكال التفاهم رغم تحول حزب الاتحاد الاشتراكي، أكبر الأحزاب تأثيرا عام 1975، وإعلانه إستراتيجية جديدة نقلت الحزب من الصراع على السلطة إلى النضال على الديمقراطية، وهو تحول لم يشفع للحزب إلا بعد مرور عقدين من الزمان أو يزيد.

والواقع أن الانفراج الذي شهدته البلاد مع مطلع التسعينيات لم يتأتَ من فراغ، فنضال الضحايا ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، واستجابة الملك الراحل لتعديل الدستور عام 1992 كان وراء خيوط التغيير التي أطلت على البلاد باستحياء شديد. فقرار الملك الراحل بإطلاق سراح عدد من المعتقلين والسماح بعودة بعض المعارضين إلى أرض الوطن بعدما قضى بعضهم أكثر من ربع قرن منفيا خارج البلاد كانت ضمن إجراءات وترتيبات لانتقال المعارضة إلى المشاركة في الحكومة، لكن المعارضة ممثلة في حزب الاستقلال تحفظت على المشاركة في حكومة تضم في صفوفها وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري، ومع تشبث الملك الراحل بهذا الأخير ضاع التناوب وذهب أدراج الرياح العاتية لأقوى وزير في العهد السابق. لكن الأقدار كانت أقوي من عزيمة حزب الاستقلال حينما نجح تناوب عام 1996 وانتقلت المعارضة بما فيها حزب الاستقلال إلى المشاركة في الحكومة برئاسة الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي، وبقاء إدريس البصري على رأس وزارة الداخلية.

ورغم أن تنصيب زعيم اشتراكي حوكم أكثر من مرة بالإعدام في قضايا المس بأمن الدولة ترك أصداء إيجابية في الخارج عدا الداخل، فإن البعض فسر ذلك بالوضع الصحي للملك الراحل الذي كان منشغلا بترتيب البيت قبل رحيله. خاصة وأن تدهور حالته الصحية لم تكن لتخطئها العين، كما أن الأحزاب التي كانت تدور في فلك السلطة لم يكن ليعول عليها في ملء الفراغ، فمعظمها كان ثأثيره محدودا إن لم نقل منعدما داخل الأوساط الشعبية والشبابية.

تنصيب لجنة الإنصاف والمصالحة

لم تكن التركة التي ورثها الملك محمد السادس عن فترة حكم والده باليسيرة، فكانت ملفات الماضي الثقيلة ترهن بانطلاقة البلاد باتجاه بناء تجربة ديمقراطية وإحداث نقلة منشودة تقطع مع مسلكيات الماضي. من هنا كان ملف حقوق الإنسان واحدا من الملفات التي أعارها العهد الجديد كبير اهتمام لإزاحة ثقلها من أمام بناء مجتمع ديمقراطي. فكان أن أقدم الملك في السابع من يناير 2004 على تنصيب هيئة الإنصاف والمصالحة للانكباب على الملفات العالقة وكشف الغطاء عنها؛ وهو ما شدد عليه الملك محمد السادس في خطاب التنصيب بقوله: "ها نحن اليوم، بتنصيب لجنة الإنصاف والمصالحة نضع اللبنة الأخيرة للطي النهائي لملف شائك ضمن مسار انطلق منذ بداية التسعينيات، والذي شكل ترسيخه أول ما اتخذناه من قرارات غداة اعتلائنا العرش".

وتعتبر هيئة الإنصاف والمصالحة التي حظيت بدعم كامل من السلطات العليا بالبلاد أول تجربة في العالمين العربي والإسلامي التي انضمت إلى لجان الحقيقة التي تشكلت في بلدان عديدة في كل من أمريكا اللاتينية وأوربا وإفريقيا الجنوبية. كما أن هيئة الإنصاف والمصالحة التي يرأسها "إدريس بنزكري" المعتقل السابق إلى جانب أعضاء مروا بدورهم بتجربة الاعتقال، اشتغلت منذ تأسيسها على أهداف واضحة كالطي النهائي لصفحة الخروق السابقة وعلى أساس مبادئ العدل والإنصاف ودعم الانتقال الديمقراطي.

وعلاقة بالأهداف السابقة حددت الهيئة المهام الموكولة إليها في ست نقاط نكثفها على النحو التالي: التقييم الشامل لمسلسل الانتهاكات الجسيمة، وتسوية ملف الخروق، وتقصي حالات الاختفاء القسري، وتحديد أماكن دفن الضحايا، ومواصلة أعمال الهيئة المستقلة للتحكيم، وإعداد مقترحات وتوصيات بشأن إعادة الإدماج الاجتماعي وإعداد تقرير رسمي.

أما مبدأ عدم الإفلات من العقاب فقد مثل نقطة خلاف حتى بين منظمات حقوق الإنسان؛ ففي الوقت الذي استمرت فيه الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومنتدى الحقيقة والإنصاف على مطلبهما بإقرار مبدأ عدم الإفلات من العقاب نَحَت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والعصبة المغربية لحقوق الإنسان باتجاه مختلف، أقر بإيجابية الصيرورة التي دشنتها البلاد مطالبة بطي الملف بعيدا عن إثارة المتابعات القضائية؛ خوفا من انحراف العملية عن مقصدها وهو المصالحة وتجاوز الماضي بكل عذاباته.

ولعل حساسية الموضوع تنبع أصلا من كون العديد من الأسماء التي تداولتها بعض المنظمات الحقوقية تشير إلى تورط أسماء متنفذة في هرم السلطة بعضهم أحيل على التقاعد فيما بعضهم الآخر لا يزال في موقعه إلى الآن. أما هيئة الإنصاف والمصالحة فحسمت الأمر منذ البداية وأراحت واستراحت كما يقولون عندما أسقطت التسوية القضائية لملف الخروق من اختصاصاتها.

تقرير الهيئة.. ارتياح ولكن

ننوه بداية إلى أن نص التقرير الكامل إلى حد كتابة هذه المقالة لم ينشر كاملا، ليتمكن المهتمون والباحثون ومختلف وسائل الإعلام من الاطلاع على فحواه، فيما وضع رهن إشارة الرأي العام المحلي والدولي ملخصا من 38 صفحة لمجموع التقرير التي أفادت مصادر من داخل الهيئة أن صفحاته بلغت الـ700 صفحة. وهو ما يتعذر معه إصدار حكم شامل على عمل الهيئة من ملخص سريع لأشغالها، لكن مع ذلك لم يتردد الكثيرون في نعت العمل الذي قامت به هيئة الإنصاف والمصالحة بالعمل الجدي الذي ينتهج الموضوعية والعلمية في كشف ملفات طواها النسيان على طول مرحلة قاربت النصف قرن؛ أي من 1956 إلى 1999. فاعتماد الهيئة على التحري الميداني والبحث الوثائقي والاستماع لشهادات الناجين من مختلف السجون والمعتقلات سواء كانت نظامية أو سرية واستفادتها من خبرة لجان الحقيقة في تجارب دول كثيرة ساعدها في بلوغ النتائج التي أعلنت عنها رغم المعيقات التي اعترضت طريقها.

وأول المعطيات التي تستوقف المرء وهو يطالع ملخص التقرير هي تلك المتعلقة بحجم الهوة بين أعداد الضحايا الذين أعلنت عنهم الهيئة وبين الأرقام التي كانت تتداولها بعض منظمات حقوق الإنسان. فالأحداث التي شهدتها مدينة الدار البيضاء عام 1981 و1984، وأحداث فاس عام 1990 كانت تتحدث عن سقوط المئات حتى لا نقول الآلاف، فيما الأعداد النهائية للهيئة لم تتجاوز 799 من بينهم 66 لم تعثر لهم عن أثر. فالتقرير أبرز أن 187 لقوا حتفهم وهم رهن الاحتجاز، فيما 325 توفوا إثر الأحداث الاجتماعية الواقعة بين 1956 و1990، وفي سياق النزاع بالأقاليم الجنوبية أفضت تحريات الهيئة إلى استجلاء مصير 211 حالة، وعلى مستوى الوفيات رهن الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري في مراكز اعتقال سرية كشفت الهيئة عن مصرع 173، ولم يتجاوز عدد الذين قضوا نحبهم على إثر مواجهات مسلحة 11 شخصا.

لكن حديث الهيئة في ملخص التقرير عن المعيقات التي اعترضت طريقها يلقي على السطح أكثر من سؤال، فالهيئة تم إحداثها بقرار ملكي رسمي وبخطاب وجهه الملك إلى كل المعنيين للعمل مع الهيئة أو مساعدتها من أجل إماطة اللثام عن ملف بات السكوت عنه في القرن الـ21 يضر ولا ينفع. فالملخص على سبيل المثال أثار رفض بعض المسئولين المحالين إلى التقاعد المساهمة في مجهود البحث عن الحقيقة والتعاون غير المتكافئ لبعض الأجهزة، هذا إلى جانب الشهادات الشفوية المحدودة والهشة وحالة الأرشيف الوطني المزرية.

إذن يبقى السؤال: هل تمكنت الهيئة من طي ملف خروقات الماضي؟ والجواب في ملخص التقرير 66 حالة أوصت الهيئة بمتابعة العمل من أجل الكشف عن مصيرهم وفي مقدمتهم ملف المعارض المهدي بن بركة الذي اختطف عام 1956 وسط باريس واغتيل دون أن تتمكن أسرته من معرفة مكان دفن الجثمان.

قد تكون قضية المهدي من القضايا الحساسة اليوم؛ فدم الرجل -كما يجري على ألسنة الكثيرين- تم إهداره بتعاون مخابراتي مغربي فرنسي أمريكي إسرائيلي. كما أن التكتم الفرنسي والأمريكي عن وثائق على صلة بالاغتيال تبرز الحد الذي كان فيه بن بركة، الذي كان يعد لمؤتمر القارات الثلاث صيدا ثمينا لكل الذين استشعروا الخطورة من تحركاته المناهضة للتغلغل الأمريكي الصهيوني في المنطقة، وهو ربما ساهم في استمرار ملف بن بركة عصيا حتى في ساعة الرخاء والبوح بملفات الماضي.

هل تكفي التوصيات بعدم العودة إلى الماضي؟

إذا كانت الحقيقة شرطا لاستعادة الثقة وإجراء مصالحة وطنية شاملة، فإن ضمان عدم العودة إلى انتهاكات الماضي والقطع مع كل صنوف التعذيب والاختطاف هو العامل الأهم في إنجاح الخطوة والانتقال بها إلى مصاف الدول الحامية لحقوق مواطنيها.

وبالنظر إلى توصيات الهيئة لضمان عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان يتبين حجم الفراغ على صعيد حماية حق الأفراد والجماعات؛ فمطالبة الهيئة بالتأصيل الدستوري لحقوق الإنسان وترسيخ سمو القانون الدولي على القانون الوطني وقرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة وتحريم الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والإبادة والجرائم الأخرى ضد الإنسانية، والدعوة إلى إقرار وتطبيق إستراتيجية وطنية لمناهضة التعذيب وتوطيد دولة القانون، وتنظيم مسلسل اتخاذ القرار الأمني وطرق التدخل أثناء العمليات، وأنظمة المراقبة واستقلالية القضاء تدل على ما هو كائن من فراغ مغربي. ونظرا للأهمية البالغة لهذه المطالب، فإنها ذات المطالب التي رفعها أكثر من حزب سياسي في البلاد.

صحيح أن السياقات اليوم مختلفة، وما كان محرما بالأمس قد يصبح حلالا اليوم مع بعض من الجدية وكثير من الإرادة؛ لذلك فالهيئة لم تكشف فقط عن جثت الضحايا ولم تحرر ملفات الاختفاء بل أفرجت كذلك عن مطالب وبرامج ظلت حبيسة الدهاليز والرفوف.

لكن مهما بلغت القوانين والدساتير في تمجيد الحرية والعدل وكل القيم النبيلة، فإنه لا يمكنها وحدها أن تصنع مجتمعا ينعم بحقوقه وينهض بواجباته، فتنزيل تلك القوانين -إن هي وجدت- يحتاج إلى العنصر البشري المؤهل لتطبيقها بشكل سليم. فتعديل القوانين أو استبدالها كان نتيجة مخاضات اجتماعية وفكرية إن لم نقل نتيجة ثورات وقطائع مع كل ما هو سلبي ولا إنساني. وقد تكون الهيئة بتأكيدها على أهمية التكوين والمراقبة ومناهضة التعذيب أرادت إثارة الركن الذي يقوم عليه بناء هذه العملية برمتها.

وختاما..

رغم كل الملاحظات التي يمكن تسجيلها على عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، يبقى أنها فتحت سبيلا ما كان أن يفتح لولا الإرادة الجمعية التي توفرت لهذه العملية التي تعد اليوم سابقة وخطوة شجاعة لقراءة حقبة سوداء من تاريخ المغرب المعاصر.

وتبقى كلمة "الحقيقة" كلمة قريبة من عوالم الفلاسفة؛ إذ تظل نسبية خاصة عندما يتعلق الأمر بالحفر في قرابة النصف قرن من الزمان المليء بالاضطرابات والأحداث الاجتماعية الأشد احتقانا بين السلطة ورموزها، وبين المعارضين والناقمين على قتامة الأوضاع السياسية والاجتماعية.

 اقرأ أيضًا:


** صحفي وكاتب مغربي.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع