 |
|
غياب شارون لن يغير ما يعرف بالثوابت الإسرائيلية |
تعرض
"إريل شارون" لمحنته الصحية
المستعصية وخانته قواه الجسدية بقسوة
حين كان طالعه السياسي يراوح بين قمة
التألق من ناحية والإنذار بالهزيمة
القانونية من ناحية أخرى!. ففي اللحظة
التي باغتته فيها هذه المحنة، وجعلته
يراوح جيئة وذهابًا بين غرف العمليات
والعناية المكثفة في مستشفى هداسا
بالقدس، كانت استطلاعات الرأي تسجل
شعبية قياسية لحزبه الجديد "كاديما"،
متوقعة أن يحصد 42 من مقاعد الكنيست الـ120
مقابل 19 مقعدًا لحزب العمل و14 لحزب
الليكود المنافسين له بقوة على التوالي.
وفي اللحظة ذاتها تقريبًا، كانت
الأخبار الداخلية في إسرائيل توالي
التعليقات المتباينة حول الكشف عن تلقي
رئيس الحكومة للرشوة المالية أثناء
معركته لزعامة الليكود في عام 1999.
لا
عودة للحياة الحزبية كما كانت
الراهن
أن شارون بعد غيابه لم يستطع الابتهاج
بمكانته القيادية أو الندم على خروقاته
للقوانين الإسرائيلية، وهو الذي أدمن
هذه الخروقات على الصعيدين الداخلي
والخارجي وشق طاعة رؤسائه منذ كان
شابًّا محاربًا أو حتى وزيرًا للدفاع.
لقد أصبح الرجل خارج نطاق الصلاحية
للخدمة في المجال السياسي، ولم تكتمل
بعد معالم حزبه الذي أحدث انقلابًا في
البنية الحزبية الإسرائيلية.
سيقول
البعض إن غياب شارون السياسي سيصيب هذه
البنية بجروح بليغة، جراء الفراغ
القيادي لحزب كاديما الصاعد بقوة تاريخ
زعيمه وتراثه العسكري والإستراتيجي
والسياسي ورؤيويته. وقد يذهب آخرون إلى
أن اقتران كاديما، من حيث النشأة
والبرنامج والرؤية الفكرية، لا سيما
على صعيد التسوية مع الفلسطينيين
بشخصية شارون على نحو مفرط، يعني تعرض
هذا الحزب لضربة قاصمة تغور به إلى نفق
ومستقبل لا يمكن توقع آفاقهما. وذلك
بالنسبة لهؤلاء أمر طبيعي يحدث لكل
القوى أو البنى السياسية والمدنية التي
تتأسس على الزعامة الكارزمية.
وبناء
على تقديرات من هذا القبيل، ستمضي
التشوفات إلى أن غياب شارون السياسي (أو
العضوي!) ستتبعه إعادة نظر في مكانات
الأحزاب الكبيرة بين يدي الانتخابات
العامة المقبلة (28 مارس 2006)، وكذا فيما
يخص أدوار الزعامات والقيادات الوريثة
داخل كاديما... وهنا تبدو حظوظ شاءول
موفاز عالية في خلافة شارون، وربما صح
الاعتقاد ذاته بالنسبة لـ"إيهود
أولمرت".
وتقديرنا
أن مثل هذه التوقعات تبالغ كثيرًا في
شخصنة حزب كاديما وفي كونه قام على رهان
الفارس الوحيد. فالأصل أن التقاليد
الحزبية الإسرائيلية، بما فيها قيام
الأحزاب وأفولها ومراتبها من الشعبية
والاقتراب من حلقة صناعة القرار أو
العكس، تكاد تخلو من نموذج الشخصنة
المنتشر في رحاب العالم الثالث.
المراد
هو ضرورة الحذر من الغلو في توقع إعادة
عجلة التراتب الحزبي إلى ما كان عليه
الحال قبل نشوء كاديما شارون، باعتبار
أن لشارون محازبين وتلاميذ وأشياع
ومديرين، يمكنهم الاضطلاع باستكمال
مهمته، بناء على مساررته لهم بنيّاته
وما كان يرفعه على صعيدي السياسات
الداخلية والخارجية، وبشكل أكثر خصوصية
على مضمار التسوية الفلسطينية.
ورثة
شارون يسيرون على خطاه
على
أن غياب شارون من المسرح الإسرائيلي،
بشقية المدني السياسي والإستراتيجي
العسكري، وفي توقيت بالغ الحرج بالنسبة
لدوره في تصفيف ملف التسوية
الفلسطينية، ليس حدثًا عابرًا
إسرائيليًّا؛ ذلك لأن هذا القائد
الإسرائيلي -حتى مع القناعة بأنه مجرم
حرب قديم ومتجدد- تمكن من إحكام قبضته
على رقبة هذا الملف، وكان على مدار
السنوات الخمس الماضية صاحب مبادرات
ومشروعات بعيدة التأثير في أحوال
الفلسطينيين ومدارات حياتهم السياسية
وغير السياسية. هو الذي عرض التسوية
الجزئية طويلة الأجل، وقبل بخريطة
الطريق (الدولية!) بعد أن أحلها بتحفظاته
إلى خريطة إسرائيلية الهوى، وأعلن أن
الراحل عرفات ليس شريكًا ولا ذا صلة في
عملية التسوية، وحاصره في مقره وحرض
عليه لعزله إقليميًّا ودوليًّا (وربما
كان مسئولاً عن قتله)، وشرع في تطبيق
الجدار الاستيطاني العنصري في جوف
الكيان الفلسطيني، ونفذ سياسة
الأبارتيد والمعازل بحق هذا الكيان،
وهو الذي خطط للانفصال أو الانسحاب
الشكلي أحادي الجانب من قطاع غزة دون
التهاون في قضية السيطرة عليه برًّا
وبحرًا وجوًّا!.
شارون
فعل هذا كله بحق المسار الفلسطيني. وهو
قد غادر الساحة بينما تتلصص الأقوال عن
وجود المزيد في جرابه كي يتبوأ مقام
صاحب القول الفصل في تحديد معالم فلسطين
الدولة على ما لا يزيد عن 42% من الضفة
وغزة المحتلين منذ عام 1967!. ولعل ورثته
في كاديما سوف يحرصون سريعًا على بيان
أنهم حملة عباءة زعميهم والأمناء على
وصاياه بهذا الخصوص. وذلك على أمل ألا
ينفض عنهم الرأي العام الذي محض شارون
ثقته وأقطعه مساحة الأغلبية.
لم
يكن شارون، بسيرته ماضيًا ولا بسياساته
الأخيرة أو المأمولة مناط إعجاب
الفلسطينيين.
ولا نحسب أن قطاعًا سياسيًّا أو أهليًّا
فلسطينيًّا سيأسف على غيابه. وستكون
الفرق الفلسطينية الأكثر منجاة من
أوهام التداعيات السلبية لغياب رئيس
الوزراء الإسرائيلي، هي تلك التي خبرت
جوهر النظام وعملية صناعة السياسات
والقرارات في إسرائيل تجاه القضية
الفلسطينية. نقصد
بذلك هؤلاء الذين لا تداخلهم الشكوك في
أن مختلف أطياف اللون السياسي والقوى
الفاعلة في العملية السياسية
الإسرائيلية متفقون على ما يعرف
بالثوابت في هذا الاتجاه.
المنتظر
فلسطينيًّا.. لامبالة وإصلاح داخلي
وعليه
فإن ذهاب شارون من خريطة القيادات
الإسرائيلية يفترض ألا يواجه
فلسطينيًّا سوى باللامبالاة بوصفه
متغيرًا إسرائيليًّا داخليًّا، ولن
يحول قلوب القوى الإسرائيلية المختلفة
بعيدًا عن هذه الثوابت التي تتصل
بالقضايا الفارقة على المسار الفلسطيني.
ومن دلائل ضرورة الأخذ بهذه التوصية
تحول شيمون بيريز أحد أبرز رموز حزب
العمل (اليساري، الحمائمي جدلاً!) إلى
تابع مخلص لشارون في أيامه الأخيرة،
سواء كان الأخير زعيمًا لليكود (الصقوري!)
أم قائدًا لكاديما (الموصوف تعجلاً
وسخفًا بالوسط!).
ومع
ذلك ربما استطلع البعض أن الساحة
الإسرائيلية ستفقد مع شارون قائدًا
قادرًا على فرض رؤاه وبرامجه، يملك
الحزم والجرأة على مقاومة خصومه في
الداخل، وأنه كان من القلائل الذين
يعتمد عليهم في اجتراح تسوية مؤلمة مع
الفلسطينيين على حد تعبيره وتعبير
البعض. لكن ما يتعين تذكره في هذا المقام
أن ما أراد شارون اجتراحه مع
الفلسطينيين كان مؤلمًا له جدلاً
وادعاء وكان مؤلمًا أكثر بكثير حقًّا
وصدقًا للجانب الفلسطيني. وعلى من يدّعي
غير ذلك أن يقرأ جيدًا المآل الذي آلت
إليه خطوة الانسحاب إياه من غزة، وكيف
أنه استتبعها توحش شارون وتابعيه بغير
إحسان في أحشاء القدس والضفة،
استيطانًا وعزلاً وتهويدًا واستكمالاً
لجدار العزل وولوغًا في دماء قادة
المقاومة وزروع الفلسطينيين وقلوعهم،
واستخفافًا بسلطتهم وقيادتهم
السياسية، وتدخلاً في عملياتهم
وخياراتهم الانتخابية..
شارون
بعامة لم يكن رجل السلام المنتظر الذي
يفترض أن تتعلق به أعناق دعاة التسوية
السلمية.
وكان من حظوظه المواتية أنه صعد إلى قمة
صناعة القرار في إسرائيل في توقيت مناسب
للإقلاع مع قيادة المحافظين الجدد
أمريكيًّا، الأمر الذي منحه علامات
زائدة ومرتبة متقدمة في ميزان السياسة
الأمريكية المتميزة عالميًّا
وإقليميًّا. وهذه ميزة تحسب له
ولإسرائيل وليس للفلسطينيين أو العرب
بعامة.
وقد
يترتب على أفوله من مسرح الشرق الأوسط،
ذهاب وقت مستقطع في سبيل البحث
أمريكيًّا عن البديل إسرائيليًّا.
وسيكون ذلك على الأرجح على حساب الجانب
الفلسطيني. ذلك أن الانشغال
إسرائيليًّا بموسم الانتخابات العامة
علاوة على الانشغال بتداعيات غياب سيد
القصر في حزب كاديما، فضلاً عن الانشغال
أمريكيًّا بهاتين الجزئيتين، سوف يفاقم
من قضية الوقت اللازم لاحتمال -احتمال
وليس حتمية- إعادة دوران دولاب التسوية
الفلسطينية. هذا دون الاستطراد إلى ما
يلزم من وقت وجهد لإصلاح شئون البيت
الفلسطيني ذاته!.
كأن
جهود التسوية الفلسطينية، والمشهد كذلك
فلسطينيًّا وإسرائيليًّا ودوليًّا (أمريكيًّا)،
سوف تعاني من بيات شتوي وربيعي وربما
صيفي طويل يستغرق الشق الأكبر من عام 2006.
والطبيعي
أنه لا مصلحة للجانب الفلسطيني في
انتظار كهذا ممل نفسيًّا ومكلف ماديًّا.
فغياب شارون وبقية توابعه لا يعني توقف
معاول الهدم والبناء الجارية في لحم
القضية الفلسطينية ودمها!.
ولعل
أفضل ما يفعله الفلسطينيون في هذا
الإطار هو استغلال ما يسعهم من وقت وجهد
في سبيل ترميم بيتهم وإصلاح ذات أمرهم
من الداخل. لن يفيد القوى الفلسطينية في
شيء أن يعلقوا مصير قضيتهم بمن راح وجاء
من قيادات إسرائيلية أو أحزاب من وإلى
سدة الحكم.
الزمن هنا عنصر محايد، لكنه ينحاز إلى
من يملأه بالفعل البنّاء. وليس بلا مغزى
بالنسبة للفلسطينيين استذكار أن شارون
لم يعبأ بقياداتهم ولا بسياستهم
ومواقفهم ولا بشراكتهم عمومًا، وهو
يتولى تخطيط وتطبيق رؤاه للتسوية.. كان
ذلك واضحًا أواخر عهد عرفات وهو مستمر
الآن في عهد ورثته.
ولذا،
نقول بأن رحيل شارون من العملية
السياسية الإسرائيلية جدير بأن لا يثير
لديهم أية ردود فعل صارخة. وحجتنا في ذلك
أن الناخب الإسرائيلي الذي وثق بشارون
وهو على ما هو عليه، لن يثق في خليفة له
يرتضي بأقل من السقف الذي حدده!.
الاستثناء
المحتمل للخروج من دائرة اليد العليا
الإسرائيلية في عملية التسوية، بعد
رحيل شارون، هو أن يخرج الإسرائيليون من
معمعاتهم الداخلية، ليفاجأوا بمشهد
فلسطيني (وعربي!) مغاير.
مشهد يبدو فيه الفلسطينيون وقد اصطفوا
في هيكلية نظامية سياسية أكثر صلابة
وتلاحمًا، محفوفة بأهداف ووسائل
توافقية جامعة وطنيًّا، ونحسب أن لديهم
الآن وقتًا كافيًا لإبداع هذا المشهد.
اقرأ
أيضا:
** كاتب
وأكاديمي فلسطيني.
|