 |
|
جيفري وايت المحلل الاستخباراتي السابق بالإدارة الأمريكية |
لم
يحظ حدث سياسي عراقي على تلك الدرجة من
الأهمية كما حظيت الانتخابات
البرلمانية العراقية الأخيرة (15 ديسمبر
2005)؛ وهي أهمية تنطلق مما شهدته
الانتخابات من مشاركة فعالة وغير
مسبوقة من قبل العرب السنة. تلك
المشاركة التي من شأنها أن تحدد مدى
نجاح أو فشل تلك الانتخابات، وأن تحدد
أيضا المرحلة القادمة للدراما السياسية
العراقية. إنها مشاركة سيتمخض عنها
تمثيل العرب السنة في الحكومة العراقية
الجديدة؛ ليس تمثيلا عاديا، وإنما
تمثيل يتماشى ويتناسب مع حقيقة وجودهم
في بلاد العراق؛ ويسمح لهم بالتواجد في
داخل العملية السياسية العراقية
كلاعبين شرعيين، مما يمكنهم من لعب دور
حيوي في تشكيل وبلورة السياسات
والممارسات القادمة، سواء من جانب
الحكومة العراقية أو من جانب "قوات
التحالف".
إدراك
تحدي الانتخابات
مثلت
الانتخابات البرلمانية الأخيرة تحديا
ملموسا بالنسبة للعرب السنة وبالنسبة
للمقاومة على حد سواء. فأما العرب
السنة، فقد بدت الانتخابات أمامهم
كفرصة وحيدة وأخيرة للتأثير بإيجابية
على الحكومة العراقية الدائمة الآخذة
في طريقها للتبلور. أدرك العرب السنة
أن مقاطعة الانتخابات ليست بالأمر
المجدي؛ إذ إنها ستضاعف من تمكين الشيعة
وحلفائهم الأكراد، وستجعلهم أكثر
استحواذا على الحكومة العراقية؛ هذا في
ظل ما هو متوقع ومفترض من تصاعد مستمر
للعمليات المضادة للمقاومة في مناطق
العرب السنة، ومن "استحواذ" مستمر
أيضا على قوات الأمن العراقي المتزايدة
من قبل عناصر شيعية وكردية.
باختصار،
لقد تعلم العرب السنة الدرس جيدا بعد
انتخابات يناير 2005؛ تعلموا أن المقاومة
وحدها لن تحمي مصالحهم في العراق الذي
تتطور أحداثه بسرعة البرق.
وأما
المقاومة، فقد أدركت حجم الضغوط
السياسية التي صارت أمرا محتوما لا
يحتمل الفصال أو النقاش؛ وهو ما أجبرها
في النهاية على المشاركة في العملية
السياسية. وبدا شعار الانتخابات واضحا
في مخاطبة المقاومة: "شارك في التصويت
للسنة وإلا فستفقد نفوذك في داخل
المجتمع السني". وفي ليلة
الانتخابات، وجد المقاومون أنفسهم وقد
انقسموا بين فريقين: فريق المقاومين
الوطنيين -يتخللهم بعض عناصر النظام
السابق- الذين بدا على غالبيتهم
الموافقة على خوض الانتخابات؛ وفريق
"أبو مصعب الزرقاوي" الذي وصف
الانتخابات -قبل بدءها بأيام- بأنها "مشروع
شيطاني يُعادي حدود الله"؛ بل قام
تنظيم "القاعدة" في العراق
بالتهديد بحملة عنف تستهدف تخريب
العملية الانتخابية؛ وأعقبه إعلان على
شبكة الإنترنت كتبه أحد المقاومين
المنتمين للفريق الأخير، قائلا: "إن
منظمات المقاومة العراقية تشير بوضوح
إلى أن الانتخابات المقامة تحت سلاح
المحتلين إنما هي انتخابات غير حرة،
وغير قانونية، وغير شرعية". إلا أن
تلك التهديدات لم تلق آذانا صاغية لدى
الكثير من السنة الذين دعموا عملية
التصويت عبر توفيرهم للأمن عند صناديق
الاقتراع، كما فعلوا من قبل في أثناء
الاستفتاء الدستوري، أكتوبر 2005.
خاض
المعركة الانتخابية كبرى الجماعات
السياسية السنية: "الجبهة العراقية
للحوار الوطني" و"الاتفاق العراقي".
وعلى الرغم من تبني هاتين الجماعتين
السنيتين مواقف المقاومة -أهمها محاربة
الاحتلال- فإنهما لم يخوضا الانتخابات
تحت اسم المقاومة، أو تحت "مباركة"
المقاومة. ولم تمثل هاتان الجماعتان
كل البرامج الانتخابية السنية؛ إذ شهدت
الانتخابات مشاركة 20 حزبا -أو أكثر-
منتمين إلى العرب السنة؛ ومن ثم، فإن
الأمر لا يعتمد فقط على الجماعتين
السنيتين الكبيرتين، بل يعتمد أيضا على
تلك الأحزاب الصغيرة.
والسؤال
المطروح الآن هو: هل سيكون من ضمن تلك
الأحزاب السنية حزب أو أحزاب تتحدث
بلسان المقاومة؟ وإذا كانت الإجابة
إيجابا، فأي حزب سيكون هو، أو أي أحزاب
ستكون هي؟ ونستطيع القول هنا، إنه لمن
المتوقع جدا أن تقوم مختلف الأحزاب
السياسية السنية بتمثيل مختلف العناصر
العراقية للمقاومة.
انتخابات
"ديسمبر" مختلفة
على
الرغم من أن النتائج لم تكتمل بعد، فإنه
من الظاهر اكتساح الجماعتين السنيتين
الكبيرتين لمقاعد البرلمان في
المقاطعات السنية. فكما أشارت "رويترز"،
فإن فوز "الاتفاق العراقي" بمعظم
الأصوات في مقاطعة "الأنبار"،
أعقبه فوز "صالح المطلك" من "الجبهة
العراقية للحوار الوطني". ومن
المعروف أن "المطلك" لديه اتصالات
قوية بالعناصر القديمة للنظام؛ ومن
المعروف أيضا أن "الاتفاق العراقي"
لديه علاقات وطيدة بالعناصر الإسلامية
السنية.
لم
يتصاعد العنف في أثناء الانتخابات
الحالية بالوجه الذي شوهد في
الانتخابات السابقة (يناير 2005). فكانت
مناطق العرب السنة مشهودا لها بالهدوء
النسبي في ظل وجود أمني مكثف، سواء على
يد القوات الأمنية العراقية، أو على يد
"قوات التحالف"، أو على يد بعض
المقاومين الذين ساهموا في توفير الأمن
عند بعض صناديق الاقتراع. وعلى الرغم من
حدوث بعض الهجمات على صناديق الاقتراع
وعلى العمال، فإنه لم يحدث هجوم إرهابي
كبير من قبل "القاعدة"؛ الأمر الذي
يمكن إرجاعه إلى الإجراءات الأمنية
الفعالة.
وعلى
عكس انتخابات يناير 2005 التي شهدت يوم
بدئها ما يقرب من 300 حادثة للمقاومة، فإن
انتخابات ديسمبر 2005 شهدت العكس تماما؛
وهو ما دلل عليه "الجيش الإسلامي"
في العراق -من المنظمات الكبرى للمقاومة-
حينما قام في 15 ديسمبر 2005 بنشر تصريح على
شبكة الإنترنت يقول: "إنه لمن المتوقع
من السنة أن يصوتوا لمحاولة استعادة
السلطة من الأحزاب الشيعية المهيمنة
حاليا على العراق".
إستراتيجية
الكلام + الرصاص
لا
شك في أن المقاومين سيدخلون مرحلة
جديدة، تصير فيها "السياسة" على
نفس أهمية "المقاومة المسلحة".
ورغم استمرار بعض المقاومين خاصة من
العنصر "الإرهابي" في انتهاجهم
للعنف فقط، فإن الاتجاه السائد
للمقاومة لم يعد يستطع تجاهل الواقع
السياسي. بمعنى، أن هذا الاتجاه
سينتهج، في أغلب الأمر، إستراتيجية
جامعة بين إطلاق الكلام وإطلاق الرصاص؛
وهو ما سيعني نشوء علاقة أكثر قربا بين
المقاومين والعناصر السياسية. وبما
أن المقاومين الوطنيين يزدادون انخراطا
في العملية السياسية، فإن المقاومين
"المتطرفين" -أمثال "القاعديين"
و"الجهاديين"، وما تبقى من "البعثيين"-
لا يُنتظر منهم إلا التراجع والانحسار.
ومن ثم، فإنه من المتوقع أن تصير الساحة
السياسية والاجتماعية أكثر رفضا لـ"المتطرفين".
بيد أن هذا لا يعني أبدا زوالهم؛ فهم لهم
مصادرهم التي تمولهم سواء في داخل
العراق أو في خارجه، إضافة إلى أنهم
سيظلون عنصرا مهما للاتجاه السائد في
داخل المقاومة.
ليس
من المنتظر أن تكون العناصر السياسية
السنية هادئة الطباع، بل العكس هو
الصحيح. بلغة أخرى، ستكون أكثر عزما
وإثارة للمشاكل. والسبب واضح: فهي
عناصر انتخبت أولا وأخيرا على أساس
معارضة الحكومة العراقية و"قوات
التحالف". ومن ثم، فهي ستبذل كل جهدها
في المفاوضات القادمة الساعية لإقامة
الحكومة العراقية الجديدة والدائمة،
وستعمل كل ما في وسعها لتصير قوة ضابطة،
سواء على الحكومة العراقية أو على "قوات
التحالف". وفي نفس الوقت، لن يستطيع
السياسيون السنة الاستغناء عن
المقاومين؛ فهم يحتاجون إلى قوة
المقاومة -الحقيقية والمتخيلة- من أجل
ترسيخ تأثيرهم.
إن
الحكومة العراقية الجديدة -حتى ولو
هيمنت عليها الأحزاب الدينية الشيعية-
ستواجه حتما وضعا معقدا، بل بالغ
التعقيد. فمساومتها للعرب السنة، بأن
يمنحوا المشاركة بشرط تقليل عمليات
العنف، لن يزيد الأمر إلا صعوبة. إذ
كيف سيتسنى لمثل هذه الحكومة اتخاذ
قرارات قومية، خاصة في داخل مؤسسة مثل
"قوات الأمن العراقي"، والمشاحنات
مشتعلة بين العرب السنة وبين الشيعة
والأكراد المهيمنين على تلك المؤسسة؟
وليست "قوات الأمن العراقي" هي
المؤسسة الوحيدة التي يهيمن عليها
الشيعة والأكراد، بل هناك أيضا وزارة
الداخلية العراقية. كذلك، فإن "قوات
التحالف" ستواجه -غالبا- وضعا معقدا
مشابها. فهي ستتعامل لأول مرة -منذ
سقوط "صدام"- مع العراق باعتباره في
أيدي العراقيين ذاتهم، وليس في أيدي "قوات
التحالف".
اقرأ
أيضًا:
*
مقال نشر بموقع "معهد واشنطن لسياسات
الشرق الأدنى" تحت عنوان "السنة
والمقاومة والانتخابات"، 20 ديسمبر 2005
- طالع
أصل المقال.
**
محلل استخباراتي سابق بالإدارة
الأمريكية، متخصص في الشئون العسكرية
والأمنية العراقية.
***
مساعد باحث بمركز "واشنطون إنستيتوت".
****
باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم
السياسية، جامعة القاهرة.
|