|
|
|
القادة الخليجيون في أثناء اجتماعات القمة السادسة والعشرين لمجلس التعاون الخليجي
|
قمة
عادية في ظل ظروف غير عادية. ذلك هو حال القمة
السادسة والعشرين لمجلس التعاون الخليجي
التي عقدت بدولة الإمارات العربية المتحدة
واختتمت أعمالها في 19 ديسمبر 2005. الأجواء تشبه
تلك الظروف التي نشأ في ظلها المجلس عام 1981
وسط ظروف أمنية إقليمية بالغة التعقيد،
أبرزها قيام الثورة الإيرانية التي تبنت
شعارات كانت موجهة للدول الخليجية، وخصوصية
الوضع العربي بعد اتفاقية "كامب ديفيد"
والذي كان يحتم إيجاد ذراع خليجية جماعية
تكون بمنزلة عامل استقرار لدولها وتحميها من
الأيديولوجيات السائدة آنذاك. كذلك نشأ
المجلس في ظل عوامل دولية كانت تستلزم البحث
عن صيغة خليجية للعمل المشترك بعد أن انتقلت
السيادة النفطية من الشركات ودول الاستهلاك
إلى المنتجين، وبعد أن باتت الدول الخليجية
ضمن مناطق المواجهة في إطار الحرب الباردة.
أهمية
القمة الـ 26
الأجواء
المصاحبة لانعقاد القمة الـ 26 للمجلس أكسبت
هذه القمة أهمية خاصة ووضعت ربع قرن من العمل
الخليجي محل اختبار حقيقي. فالقمة لم تعقد فقط
في ظل ما يتردد عن وجود بعض الخلافات الخليجية-
الخليجية، ووجود تحد أمني داخلي مشترك هو
ازدياد حدة ظاهرة الإرهاب، ولكن يصاحب ذلك
مشهد عربي بالغ التعقيد على خلفية توتر
العلاقات السورية اللبنانية، وتصاعد حدة
الخطاب الأمريكي تجاه سوريا في أعقاب صدور
التقرير الثاني للقاضي "ديتليف ميليس".
وإقليميا لا تزال الأوضاع العراقية تعاني من
الفوضى الأمنية التي لها تأثير بالغ على
الأمن القومي للدول الخليجية الست، فضلا عن
استمرار إيران في تطوير برنامجها النووي، وهو
الأمر الذي تعتبره الدول الخليجية تهديدا
لأمنها بشكل مباشر. وقد عبّر عن هذا صراحة
وزير الخارجية الإماراتي راشد النعيمي
بالقول: "إننا في منطقة قريبة من المفاعل
النووي في بوشهر وليست لدينا حماية ووقاية في
حالة حدوث تسرب شيء من هذا المفاعل، خاصة أن
إيران ليست عضوا في اتفاق الإنذار المبكر".
وعلى المستوى الدولي تأتي القمة في ظل بدء
حوار بين حلف شمال الأطلسي (الناتو) والدول
الخليجية، حيث استضافت الدوحة مؤتمرا خلال
الشهر الجاري لبحث الصيغ المستقبلية لأمن
الخليج ودور الناتو فيها.
وإذا
كانت دول الخليج قد واجهت خلال الفترة
الماضية أزمات قاسية باندلاع ثلاث حروب كبرى
بالمنطقة استنزفت الكثير من الموارد المالية
لدول المجلس وأثرت على طريق الوحدة المنشودة
فيما بينها، فإن مجلس التعاون لدول الخليج
استطاع تحقيق عدة منجزات على الصعد السياسية
والاقتصادية والأمنية. ولم يتوان المجلس عن
الاجتماع سواء على المستوى الرئاسي أو
الوزاري، فضلا عن استحداث آليتين مهمتين:
-
الأولى القمم
التشاورية وهي قمم سنوية تعقد في شهر مايو من
كل عام لبحث آخر المستجدات الإقليمية
والدولية وتتسم تلك الآلية بأنها لا تسبقها
بروتوكولات أو دعوات رسمية مما يجعلها آلية
مهمة للتشاور فيما بين تلك الدول، وبخاصة في
ظل تلاحق الأحداث على المستويين الإقليمي
والدولي.
-
والثانية:
استحداث المجلس للهيئة الاستشارية وهي مكونة
من 30 عضوا بواقع 5 أعضاء من كل دولة خليجية من
ذوي الكفاءات في كافة المجالات لبحث ودراسة
التحديات التي تواجه دول المجلس وإعداد تقرير
عنها يعرض على القادة خلال القمة السنوية.
كما
استطاع المجلس تحقيق عدة إنجازات اقتصادية
ابتداء بإقرار الاتفاقية الاقتصادية الموحدة،
مرورا بالاتفاق على العمل بالاتحاد الجمركي
منذ عام 2003 وانتهاء بإقرار الدولار ليكون
المثبت المشترك للعملات الخليجية كخطوة
للتوصل إلى عملة خليجية موحدة وانتهاء بإنشاء
العديد من المؤسسات المشتركة، فضلا عن
الاتفاق على تنفيذ الاتحاد الجمركي والوحدة
النقدية والسوق الخليجية المشتركة، بالإضافة
إلى الاتفاقيات العديدة التي تم إبرامها سواء
على المستوى الجماعي أو الثنائي وكان من
شأنها الإسهام في تنفيذ خطط التنمية التي
بدأتها هذه الدول وأسفرت عن معدلات أداء
أشادت بها المؤسسات الاقتصادية الدولية
المعنية.
تحديات
اليوم وإنجازات الأمس، رغم محدوديتها وعدم
تحقيقها آمال الشعوب الخليجية، تضع تساؤلا
مشروعا حول قدرة القمة الخليجية على التعاطي
وبشكل إيجابي مع تلك القضايا، وهل يمكن القول
إن هذه القمة قد نقلت مجلس التعاون الخليجي من
مرحلة التأسيس والاختبار إلى مرحلة التفاعل
الحقيقي الذي يسمح بمواجهة تلك التحديات؟.
سيطرة
الملف الأمني
الواقع
يشير إلى أن قضايا الأمن بمختلف مستوياته هي
المحرك الأول حاليا لأي سياسات قادمة لدول
المجلس. ولا شك أن هناك علاقة طردية بين
الأوضاع الداخلية والسياسات الخارجية، فكلما
كان الداخل قويا زادت فاعلية الأداء. وهنا
يلاحظ أن وجود بعض الخلافات فيما بين الدول
الخليجية لم يمثل أبدا تهديدا لانعقاد القمم
الخليجية التي تستطيع احتواءها، ومن ثم فإن
انعقاد القمة في حد ذاته ينهض دليلا على حيوية
المنظمة الإقليمية وفاعليتها. بيد أن
الانتقال لمرحلة الفعل الإيجابي يستلزم على
دول المجلس فتح ملفات الحدود ومعالجتها؛ حيث
إنها تمثل "قنابل موقوتة" يتعين التصدي
لها في إطار لقاءات مجلس التعاون الخليجي
التي تتجنب الإشارة إليها.
أيضا
لا بد من تفعيل المواد الخاصة بتسوية
النزاعات الخليجية- الخليجية من خلال تفعيل
دور هيئة تسوية المنازعات، حيث يرتكز الأساس
القانوني لها على المواد 8 و6 و10 من النظام
الأساسي لمجلس التعاون الخليجي؛ إذ تقضي
المادة 6 على أن "هيئة تسوية المنازعات تتبع
المجلس الأعلى"، كما تنص المادة 8 على أن
"يقوم المجلس الأعلى بإقرار نظام هيئة
تسوية المنازعات وتسمية أعضائها"، أما
المادة 10 فتنص على: يكون لمجلس التعاون
الخليجي هيئة تسمى هيئة تسوية المنازعات
وتتبع المجلس الأعلى، ويتولى المجلس الأعلى
تشكيل الهيئة في كل حالة على حدة بحسب طبيعة
الخلاف، وإذا نشأ خلاف حول تفسير وتطبيق
النظام الأساسي ولم يتم تسويته في إطار
المجلس الوزاري أو المجلس الأعلى؛ فللمجلس
الأعلى إحالته إلى هيئة تسوية المنازعات التي
ترفع تقريرها متضمنا توصياتها أو فتواها بحسب
الحالة إلى المجلس الأعلى لاتخاذ ما يراه
مناسبا.
وعلى
الرغم من الوجود القانوني لتلك الهيئة، فإنها
واقعيا ليست قائمة بذاتها وبصورة مستمرة
وإنما يشكلها المجلس الأعلى بقرار منه ولكل
قضية خلافية على حدة وتنتهي مهمتها بمجرد رفع
توصياتها أو فتواها بخصوص ما أحيل إليها من
جانب المجلس الأعلى. وهناك بعض النزاعات تمت
تسويتها بعيدا عن الهيئة ومنها النزاع القطري
البحريني الذي أحيل إلى محكمة العدل الدولية.
أما
على مستوى الأمن الإقليمي وهو الأكثر تعقيدا،
فقد تصدرت القضايا الأمنية الخارجية أجندة
عمل المجلس ومنها البرنامج النووي الإيراني
الذي استقطب اهتمام كافة الدول الخليجية خلال
هذا الاجتماع، وهو ما عبر عنه أمين عام مجلس
التعاون الخليجي بالقول "مجلس التعاون لا
يريد سباقا نوويا في هذا المنطقة"، و"المجلس
فزع بشدة من ذلك". لكن يلاحظ أن البيان
الختامي لم يترجم هذه المخاوف بشكل مباشر بل
إنه أشار إلى إسرائيل تحديدا والمنطقة عموما،
حيث طالب المجلس "إسرائيل بالانضمام إلى
معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وإخضاع
كافة منشآتها النووية لنظام التفتيش الدولي
التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما
طالب من المجتمع الدولي الضغط على إسرائيل
للوصول إلى ذلك.. وجدد المجلس الأعلى مطالبته
بجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة
الدمار الشامل بما فيها منطقة الخليج".
ويمكن أن نعزي تلك الصياغة التي عكست فجوة
كبيرة بين ما أثير قبيل الاجتماعات وما نص
عليه البيان إلى عدة أسباب:
أولا:
رغم إجماع الدول الخليجية الست على المخاطر
النووية الإيرانية، فإنها تتمتع مع الأخيرة
بعلاقات طيبة على الصعد السياسية
والاقتصادية وهي سمة تميز العلاقات
الإيرانية- الخليجية، فهي وإن توترت على
المستوى السياسي، تشهد نموا واضحا على
المستوى الاقتصادي فيبلغ حجم التبادل
التجاري بين الكويت وإيران 180 مليون دولار في
عام 2003، كما بلغ بليون ريال بين إيران
والمملكة العربية السعودية خلال عام 2004، وتعد
دولة الإمارات العربية المتحدة ثالث أهم
الأسواق بالنسبة لإيران حاليا، كما أن
الإمارات تعد خامس دولة في تزويد إيران
بالبضائع.
ثانيا:
يبدو أن الدول الخليجية لم تشأ أن تنتهج خيار
التصعيد مع إيران تلك الدولة ذات الـ70 مليون
نسمة وهي جار أبدى لدول المجلس ولديها برامج
عسكرية متطورة؛ حيث إن دول الخليج لا تزال
تعاني من تداعيات الملف العراقي وتدرك جيدا
مدى النفوذ الإيراني فيه. وبالتالي فإن
التصعيد ضد إيران لم يكن خيارا صحيحا ويبدو أن
دول المجلس قد أخذت في اعتبارها الرسالة التي
بعث بها أمين عام الجامعة العربية للمجلس -بالرغم
من الانتقادات التي أبداها تجاه هذه الرسالة
مسئولون بالإمارات- وطالب فيها دول الخليج
"بتركيز مخاوفها على البرنامج النووي
الإسرائيلي وتجنب التصعيد مع إيران بشأن
الملف النووي"، وهي النصيحة التي حظيت
باهتمام الدول الخليجية على ما عداها من
نصائح أخرى ومنها الرغبة الأمريكية -من خلال
الاتصالات بين الإدارة الأمريكية وبعض الدول
الخليجية- في أن تتخذ دول المجلس موقفا جماعيا
ضد البرنامج النووي الإيراني.
ثالثا:
هناك إدراك جماعي خليجي بخطورة الملف النووي
الإيراني بالنسبة للأمن القومي لتلك الدول،
ولتلك المخاوف ما يبررها وبخاصة أنها أضحت
محاطة بدول ذات طموحات نووية (الهند، باكستان،
إسرائيل، إيران) ومن ثم اتخذ الموقف الخليجي
صيغة وسطا فلم يتجاهل البيان الإشارة إلى
القضية النووية ولم يشر إلى إيران تحديدا
وإنما أشار إلى ضرورة جعل المنطقة خالية من
أسلحة الدمار الشامل.
لقد
برز اهتمام القمة الخليجية بالقضايا الأمنية
كذلك من خلال التعرض لعدد من القضايا، منها
الموافقة على مقترحات الملك عبد الله بن عبد
العزيز بتطوير قوة درع الجزيرة، وهو ما عبر
عنه وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل
بالقول، مشيرا إلى أنه "يهدف إلى قوات درع
الجزيرة القادرة على التحرك السريع إضافة إلى
تطوير قدرتها التسليحية، إلى جانب الموافقة
على مقترح إقامة مركز دولي لمكافحة الإرهاب.
ومع
التسليم بأهمية الأجندة الأمنية على القمة
السادسة والعشرين لمجلس التعاون الخليجي،
فإن ثمة متطلبات لتفعيل دور تلك المنظمة
الإقليمية، منها على سبيل المثال لا الحصر:
أولا:
ضرورة بل
حتمية أن تكون هناك رؤية خليجية موحدة لأمن
المنطقة التي لا تزال تعاني من خلل أمنى
إقليمي؛ حيث إن أحداث العراق والملف النووي
الإيراني ليسا سوى جزء من كل، إذ تعاني الدول
الخليجية الست من خلل في موازين القوي
الإقليمية فهي دول لا تتعدى 32 مليون نسمة،
وتمتلك 65% من الاحتياطيات النفطية العالمية،
فضلا عن تحكمها في ممرات الملاحة
الإستراتيجية العالمية، وتقع في إقليم لم
يشهد استقرارا منذ استقلالها وحتى الآن، بسبب
وجود قوتين إقليميتين متصارعتين هما العراق
وإيران، ومن ثم فإن تداخل الاهتمامات
الإقليمية والدولية في المنطقة يعزز حالة من
عدم الاستقرار، وبالتالي هناك حاجة لتوحيد
الرؤى إزاء ما يطرح من تصورات ومن ذلك الحوار
مع حلف الناتو وعلاقته بالاتفاقيات الأمنية
الثنائية الموقعة مع الولايات المتحدة، وأثر
ذلك على علاقات دول الخليج بإيران، ولا شك أن
هذا الأمر يعد أحد المتطلبات الأساسية لتجربة
التكامل بين دول المجلس التي تعد تجربة
اندماج إقليمي قد لا تتطابق بالضرورة مع
الأهداف، ومن ثم فإن الأمر يتوقف على الإرادة
السياسية.
ثانيا:
لا بد من حل
المعضلة القائمة بين أعضاء المجلس والتي
تتمثل في التناقض بين متطلبات الاندماج
والتعاون وضرورات السيادة الوطنية؛ حيث إن
للتعاون متطلبات تقتضي تقديم تنازلات كشرط
أساسي من أجل إنجاحها، وهذا التناول يجب أن
يكون عن بعض مظاهر السيادة لإعطاء المجلس
سلطة الولاية الإلزامية بما يجعله منظمة
إقليمية فاعلة.
ثالثا:
يلاحظ أن
هناك بعض الأطراف الإقليمية التي لا تزال
ترفض الاعتراف بالمجلس كمنظمة إقليمية،
ويشار في هذا الإطار إلى تصريح المتحدث باسم
الخارجية الإيرانية حميد رضا آصفي الذي رفض
المواقف المتكررة لمجلس التعاون بشأن ملكية
الإمارات للجزر الثلاث (أبو طنب الصغرى وأبو
طنب الكبرى وأبو موسى) وجدد تأكيده "حصر
النزاع بين إيران والإمارات وتجنب تدخل أطراف
أخرى"، وهو الأمر الذي يحتم على دول المجلس
المزيد من التكامل ليصبح قوة إقليمية فاعلة
لها تأثير على الأوضاع الإقليمية.
وأخيرا،
فإن قضايا الأمن لا تنفصل عن المسارات الأخرى
الاقتصادية والتنموية، ومن ثم يبدو لزاما على
الدول الخليجية أن تبذل جهودا جماعية لعلاج
الاختلالات الاقتصادية وإسراع التكامل
الخليجي، ومعالجة الفجوة بين مخرجات التعليم
ومتطلبات التنمية؛ حيث إن المردود التعليمي
لا يلبي تلك المتطلبات؛ الأمر الذي يخلق فجوة
تسعى الدول الخليجية للتغلب عليها من خلال
استقدام العمالة الآسيوية التي أضحت تمثل
عبئا اقتصاديا وأمنيا واجتماعيا باهظا،
وضرورة تنفيذ القرارات السابقة للقمم
الخليجية لا سيما قرارات المجلس الأعلى التي
تحتاج إلى تفعيل وتطوير من أجل أن يواكب
القادة والمسئولون تطلعات وآمال شعوبهم.
اقرأ
أيضًا: