من
النادر العثور على قرار فارق بقوة يحدث
أصداء واسعة لفترة ممتدة في بيئته
المحلية والإقليمية والدولية، كقرار
حركة حماس بالمشاركة في الانتخابات
التشريعية الفلسطينية الوشيكة جدلا.
ففي وقت كاد يخلو من عنصر الدهشة، كانت
انعطافة حماس مدهشة بالفعل، بل مثارا
لحيرة كل القوى المنغمسة في مسار القضية
الفلسطينية، دون استثناء بعض الأطراف
الفلسطينية!.
من
آيات هذه الحالة أن بادرت كل من تل أبيب
وواشنطن ورام الله وبشكل متزامن،
بالحديث عن إمكانية تأجيل الانتخابات
بمجرد أن أفصحت حماس عن موقفها الجديد
في الربيع الماضي. حدث هذا بعد أن أكدت
أوساط السلطة الفلسطينية مرارا وقتذاك
بأن الانتخابات ستجرى في يوليو 2005 مهما
كانت الظروف. والواقع أن حكومة إريل
شارون كانت وما زالت الأكثر تعبيرا عن
الرفض المطلق للتحول في المشهد السياسي
النظامي الفلسطيني، حتى إن شارون جاهر
بإمكانية التدخل الإسرائيلي لمنع أو
إعاقة الانتخابات الفلسطينية إذا ما
شاركت فيها حماس.
ومع
أن السلطة الفلسطينية التزمت جانب
الترحيب بخطوة حماس، فإن بعض الخبثاء
يعتقدون، ربما عن حق، بأن هذا الموقف لا
يعدو أن يكون أقرب للنفاق السياسي ورفع
العتب والرهبة من تبعات اتخاذ موقف
معاكس، ذلك أن إلقاء السلطة وحزبها
الحاكم فتح للعصي في دولاب هذه الخطوة
سيفهم على نحو لا يخدم ما يوصف بالسياسة
الإصلاحية الديمقراطية للقيادة
الفلسطينية من جهة، كما سيفهم على أنه
انسجام لهذه القيادة مع الرفض
الإسرائيلي وانصياعا له من جهة أخرى،
ولا مصلحة لهذه السلطة في خلق هذين
الانطباعين أحدهما أو كلاهما. لكن
الحقيقة أن حركة فتح بوغتت بخطوة حماس
التي جاءت في توقيت غير ملائم بالنسبة
لجهوزيتها التنظيمية والفكرية.
بل
قد يطمئن المرء إلى أن خطوة حماس مسئولة
عن تعظيم أزمة الجهوزية الفتحاوية هذه
وأنها بمعنى ما سوف تستفيد من هذه
الأزمة.
من
آيات صحة هذا التقدير نتائج الانتخابات
البلدية في مراحلها المختلفة علـى
مـدار العـام (2005)، التي سجلت ولا سيما
في مرحلتها الرابعة والأخيرة في مدن
الضفة (نابلس والبيرة وجنين) تقدما
مذهلا لصالح حماس، وذلك في الوقت الذي
كانت فيه فتح مشغولة حتى أذنيها
بالتدافع الداخلي، على مستوى الأجيال
والمناطق والأفكار، حول إعداد قائمة
مرشحيها للانتخابات التشريعية!.
أسباب
التحول
الشائع
أن حماس تقع في زمرة الحركات المنتمية
إلى التيارات السياسية ذات المرجعية
الأيديولوجية الدينية الصارمة. ومن هنا
اطمئن معظم المعنيين بسيرورة العملية
السياسية الفلسطينية بأن هذه الحركة
ليس بوارد لديها التخلي عن عزوفها
الانغماس في النظام الفلسطيني بشقيه (منظمة
التحرير بعامة وسلطة الحكم الذاتي
بخاصة)، ذلك –أساسا- للتعارض الكبير
بينها وبين تجليات هذا النظام على صعيد
الأهداف والوسائل وأنماط التحالف علاوة
على الأسس الفكرية الأيديولوجية. وقد
اشتط البعض في اعتماده على هذا التحليل
معتبرين أن التفكير البرجماتي العملي
هو أبعد ما يكون عن سلوكيات مثل هذه
الحركة بطبيعتها غير المرنة
ودوجمائيتها. وهناك من بالغ في اعتقاده
باستمرارية تمنع الحركة عن المشاركة في
نظام السلطة بالذات استنادا إلى خطابها
المناهض لموادعات أوسلو وتوابعها
وإيغالها في منهجية المقاومة البحتة
الخالية من دسم التفاوض والحلول
المؤقتة أو الوسطية وما يوصف بالاعتدال
إزاء التعامل مع العدو الصهيوني على
مستويي الفكرة والكيان السياسي (إسرائيل).
غير
أن أصحاب هذا الفهم لم يتنبهوا لبعض
المحطات السياسية في حياة حماس ولا لبعض
المقولات والمواقف التفصيلية التي
اتخذتها في مرحلة ما بعد فورة النشأة
والتأسيس، ولا سيما بعدما تبدى لها فشل
صيغة أوسلو. ثم إن هؤلاء لم يلحظوا أحد
خصائص هذه الحركة ونمط تعاملها السياسي،
نقصد بذلك خاصة القراءة الديناميكية
لما يعتمل حولها في الواقع المنظور من
مستجدات ومتغيرات وإمكانية مقاربة هذا
الواقع بالمرونة اللازمة التي بها
تتجاوب مع المتغيرات بدون انتهاك
الثوابت والخطوط الحمراء على صعيدي
الأهداف والوسائل.
لقد
سبق لحماس أن فاوضت فتح حول الالتحاق
بمنظمة التحرير قبل نشوء السلطة، وهي
ساومت على اقتطاع ما نسبته 40 في المائة
من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني؛ بما
يشي بتفاعلها مع أسلوب المحاصصة الذي
درجت عليه فتح وبقية الفصائل داخل
المنظمة ومؤسساتها!. ولم يكن من الحصافة
المغالاة في الاعتقاد بأن حماس ستخلّد
موقفها من السلطة بسبب مرجعية أوسلو أو
استمرار الاحتلال بغض النظر عما يحيط
بها وبالسلطة من محددات وقيود، طبقا
لتحليلات بعض الفتحاويين. أولا، لأن
حماس ثبتت أقدامها بين يدي الرأي العام
الفلسطيني بعد أن تأكدت خلال العقد
المنصرم صحة تقديرها لاحتمال فشل
وحدانية صيغة التفاوض مع إسرائيل، وأنه
من الضرورة ردف المفاوضة بالمقاومة
الساخنة والمزاوجة بينهما. وثانيا، لأن
حماس قرأت المشهدين الإقليمي والدولي
غداة الحادي عشر من سبتمبر، واستطلعت ما
ينتظرها من ضغوط جبارة سياسية وقانونية
واقتصادية وإعلامية في سياق الانصياع
العام لما يدعى بالحرب على الإرهاب التي
تقودها الولايات المتحدة. وبناء على هذه
القراءة رأت حماس ثالثا أن تغريدها خارج
السرب سيعرض ظهرها للانكشاف والتعرية،
لا سيما أن حلفاءها الإقليميين (كإيران
وسوريا وحزب الله، وقطاعات الممانعة
والمقاومة الشعبية) باتوا معرضين لهذه
الحرب بغية التخلي عنها وعن نهجها في
الشأن الفلسطيني.
هذا
بالإضافة إلى أن حماس لم تر ضيرا في
توكيد شرعيتها الثورية المعمدة بالدم
وشرعيتها الاجتماعية المدنية المشهرة
بالتفضيلات الشعبية عبر الانتخابات
البلدية، بالشرعية السياسية
الانتخابية الديمقراطية، فمثل هذه
الشرعية الأخيرة تمنحها حصانة قوية ضد
المبادرات الرامية لاستئصالها أو أقله
عزلها جماهيريا بزعم أنها تخشى
الاحتكام لصناديق الاقتراع. كذلك
انتصرت قيادة حماس للرأي القائل بأنه
حان الوقت لدخول السلطة وإثبات الجدارة
القيادية على قاعدتي "التنمية
والمقاومة"، وتوجيه أجهزة السلطة من
الداخل لصالح الشعب الفلسطيني استجابة
لنداءات أنصار الحركة. وعموما فإن حماس
بقرارها للمنازلة السياسية العامة
أثبتت أنها أكثر برجماتية مما تصور
خصومها في الداخل والخارج وأنها لا
تمارس الفعل النضالي مغمضة الذهن عما
يدور حولها من تفاعلات.
حيرة
الفواعل الآخرين:
 |
|
فلسطينيات يدلين بأصواتهن فى المرحلة الرابعة للانتخابات البلدية |
يفهم
عن ردود أفعالهم على مدار الفترة
اللاحقة لقرار حماس الإستراتيجي، أن
القوى المعنية بالمسار الفلسطيني لم
تتهيأ لمثل هذا القرار.
من
ناحية تبدو حركة فتح وكأنه ألقي عليها
قول ثقيل؛ فلأربعة عقود ونصف اعتادت فتح
على مكانة الفصيل الأكبر، صاحب اليد
الطولى في صناعة القرار الفلسطيني،
الذي بوسعه أن يتحمل مشاغبات بعض
الفصائل المنمنمة، لكنه ليس مستعدا
لاستقبال منافس يحظى بمعطيات الندية.
وللإنصاف كان هذا المستجد مفيدا لفتح من
حيث إنه دفعها إلى تحريك مياهها الراكدة
والانشغال بتصفيف أوراقها لإظهار أحلى
ما عندها في حلبة السباق الانتخابي. غير
أن إزاحة ما ران على الحركة من تراكم في
السلبيات لعقود كان بحاجة إلى فسحة أطول
مما يتيحه الوقت المتبقي على يوم الحسم
الانتخابي؛ ولذا راحت فتح تسعى لشراء
الوقت.
وعليه،
ظهرت حالة فلسطينية لا تخلو من طرافة.
فقد تبادلت فتح وحماس الموقع. إذ بدت فتح
كمن يسعى إلى تأجيل الانتخابات فيما
راحت حماس تستعجلها وهي التي كانت لوقت
قريب منصرفة كليا عن هذه الآلية. كذلك
تبدلت المواقف بشأن التنافس الانتخابي
في الأطر المدنية. فقد أصبحت فتح هي التي
تنتظر نتائج هذا التنافس لإثبات رسوخها
القيادي كلما ظفر محازبوها بإدارة
بلدية أو جمعية أو اتحاد نقابي أو ناد
رياضي.
أربك
قرار حماس أوساط حركة فتح التي باتت
تراودها فكرة تأجيل الانتخابات رغم ما
يقال عن تمسك رئاسة السلطة بالموعد
المحدد وهو الخامس والعشرون من يناير
المقبل. وذلك لأجل إعادة حساباتها
والتمكين للذات قبل يوم الاختبار
الانتخابي الذي لم تتعود عليه.
هذا
الارتباك ليس قاصرا على فتح. فلعله من
المفارقات المثيرة أن تشاركها فيه
إسرائيل والولايات المتحدة والأوربيون
وربما بعض العرب. وإذا كانت إسرائيل قد
حسمت موقفها مبكرا بإعلان رفضها تسهيل
إجراء الانتخابات الفلسطينية في حال
مشاركة حماس، فإن الولايات المتحدة
والشركاء الأوربيين أظهروا التردد في
التزام هذا الموقف القطعي إلى حين ظهور
نتائج المرحلة الرابعة من الانتخابات
البلدية، التي تأكد فيها تقدم شعبية
حماس على فتح بفارق ملموس، وذلك في
مناطق كانت تحسب مطولا على إنها منحازة
إلى فتح في الضفة مقابل معاقل حماس في
غزة.
فيتو
الأطراف الثالثة
لم
يصطف الطرفان الأمريكي والأوربي خلف
الموقف الإسرائيلي المعارض لمشاركة
حماس إلا بعد ظهور مؤشرات قوية على
احتمال شغل هذه الأخيرة لمساحة واسعة من
المؤسسة التشريعية للسلطة. فمع احتدام
أزمة فتح وثبوت عدم جهوزيتها للمنافسة
واختلاف ذات بينها إلى أكثر من اتجاه
وقائمة، بل التحاق بعض قيادييها
ورموزها بقائمة حماس بشكل مباشر أو غير
مباشر، ثارت مخاوف هذه الأطراف من وقوع
هزيمة انتخابية كبيرة بحزب السلطة
وصولا ربما إلى سيطرة حماس على أغلبية
مرشحيها لتشكيل الحكومة الفلسطينية
المقبلة.
ونحسب
أن هذه المخاوف هي التي دفعت الولايات
المتحدة والأوربيين إلى التلويح بقطع
المساعدات عن السلطة (والشعب الفلسطيني)
إذا ما شاركت حماس في الانتخابات قبل أن
تتخلى عن رفضها الاعتراف بإسرائيل
ونبذها للمقاومة المسلحة. وهذان على حد
العلم شرطان تعجيزيان، دون التضحية
بصدقيتها العقيدية الأيديولوجية
والسياسية والنضالية، فالسؤال هنا: هو
ما الذي يبقى لحماس كي يميزها عن حزب
السلطة إذا ما استجابت لهذين المطلبين؟!.
هذا يعني أن الأطراف الخارجية الثالثة
المنغمسة في الشأن الفلسطيني - بحكم
عوامل ليس هنا مقام الاستطراد إليها -
تكاد تضع العملية السياسية الفلسطينية
في موقف شديد التعقيد. وهي تستخدم
الأداة الاقتصادية (ناهيك عن الضغوط
الأخرى من إعلامية ودعائية وسياسية...
إلخ) كوسيلة لتكييف هذه العملية وفقا
لأهوائها المتساوقة مع الأجندة
الإسرائيلية.
نستطيع
مع كثيرين رمي هذا الموقف الانحيازي
باللاديمقراطية كما يمكننا التشهير به
على أرضية تعارضه مع دعوى بسط
الديمقراطية والإصلاح السياسي في ربوع
الشرق الأوسط، لكن ذلك لن يثني هذه
الأطراف عن هذا الموقف (المتواقح في
الحقيقة). ومن سوءات مثل هذه المداخلة
الفجة، أنها تستهدف إقحام الفلسطينيين (الناخبين)
في دائرة الخيارات الصعبة. إذ المطلوب
منهم التراجع عن إسناد قوى التيار
السياسي الذي قد يتسبب لهم في خسارة
العطايا والمنح الدولية!.
بعض
الآفاق المستقبلية
من
الصعوبة بمكان توقع الكيفية التي ستنفض
بها معضلة المعارضة الإسرائيلية
الأمريكية الأوربية لالتحاق حماس بركب
السلطة عبر الشرعية الانتخابية. هناك
احتمال كبير بأن يجري تأجيل هذا الإجراء.
وهو أمر إن حدث، فسوف يفاقم تقويض صدقية
هذه الأطراف إزاء التحول الديمقراطي في
الشرق الأوسط من البوابتين العراقية
والفلسطينية. هذا في حين ستتمكن حماس من
استقطاب الرأي العام الفلسطيني (وربما
غير العربي) بحسبها كانت ملفوظة حين
كانت خارج النظام وهي الآن مرفوضة بعد
أن أبت إلا الشرعية الانتخابية ووضعت
نفسها رهن الإرادة الشعبية وفقا
للإجراءات الديمقراطية.
ويبدو
هدف استئصال حماس أو أقله تفريغ خطابها
من خصائصه الأساسية البنيوية صعب
المنال. ذلك لأن لهذه الحركة أصولا
ضاربة في الثقافة السياسية والعقيدية
الفلسطينية، فضلا على البيئة الإقليمية
المحيطة بفلسطين.
على
أنه في حال إذا أمكن تجاوز عقبة
الممانعة الإقليمية والدولية، ومضت
الانتخابات بمشاركة حماس، فسنكون بصدد
نقلة نوعية في النظام الفلسطيني. على
صعيد السلطة الوطنية بالذات، سيتحول
هذا النظام إلى القطبية الثنائية بين
فتح وحماس، بين التيارين العلماني
والديني، التفاوضي، والأقرب إلى نهج
المقاومة. ومن فضائل هذه الحالة، أنها
تسمح للتيار التفاوضي بشيء من الصلابة
وتقحم تيار المقاومة في العملية
التفاوضية، ذلك لأن حماس لا يمكنها
الغوص في مياه السلطة بكل تراثها
وفروضها ومحددات وجودها دون أن يلحق بها
بعض البلل، أي التأثر بهذه الفروض
والقيود.
وأغلب
الظن أن برجماتية حماس، كما ستتجلى في
معمعة الانتخابات والقبول بالانفتاح
على السلطة والاندماج في أجهزتها، سوف
تصبح عرضة للزيادة. وهذه هي علة الترحيب
بها في صلب نظام السلطة. ومن المفترض
جدلا أن الفترة المتبقية على يوم
الانتخابات -إذا ما تم التقيد بموعدها-
ستشهد مباحثات مكثفة، كثيرها غير معلن،
حول ما الذي تعتزمه حماس في اليوم
التالي للانتخابات وتبوؤها مكانة
مرموقة، كما هو المتوقع بحسب الشواهد،
داخل السلطة وعملية صناعة القرار
الفلسطيني. وسيتعين في كل حال على فتح
وبقية الفصائل إعادة النظر جديا في
أنماط تعاملها وحراكها الداخلي من جهة،
وأدائها على الصعيد الوطني والمجتمعي
العام من جهة أخرى. هذا فضلا عن ضرورة
النظر في منهجية التعامل مع إسرائيل،
حربا أو سلما وتفاوضا.
ولا
ينتظر في ظل مشهد كهذا أن تمضي عملية
التسوية الفلسطينية بوتيرتها المعهودة
منذ ما بعد مدريد وأوسلو أن دخول حماس
الثابتة على خطابها إزاء التسوية
وشرائطها في جوف السلطة لا بد أن يترك
بصماته على هذه العملية، بل ربما أدى
ذلك إلى وصولها لطريق مسدود. وإذا لم
تتخل إسرائيل عن منهج إملاء التسوية على
الطرف الفلسطيني، فقد يكون كل المعنيين
في انتظار جولة كبيرة أخرى من الصدام
الدامي على أرض فلسطين.
اقرأ
أيضا:
** كاتب
وأكاديمي فلسطيني.
إستراتيجيات
|القضية
الفلسطينية |
المنطقة
العربية | بقية
العالم الإسلامي
| آسيا
| أوروبا
وأمريكا الشمالية وأستراليا
|
إفريقيا
|
شئون عالمية
| رواق
الأفكار | مساهمات
الزائرين
|