|
|
|
البرلمان الكردستاني بالعراق
|
من
المعلوم أن الانتخابات العراقية التي ستجري
في 15 ديسمبر 2005 تعد من الأحداث المهمة وذلك
لأن شكل البرلمان وطبيعة الحكومة ومن يقودها
ستتحدد من خلال هذه الانتخابات. وتتميز هذه
الانتخابات بعدة أمور:
1-
التركيز سيكون عاليا في هذه الانتخابات
والمنافسة ستكون على أشدها؛ لأنها تأتي
لاختيار أعضاء البرلمان العراقي، ومن ثم
تشكيله حكومة عراقية جديدة، وأنها انتخابات
منفردة ليس معها انتخابات رئاسية أو إقليمية
أو بلديات، ولا استفتاء على أمر معين
كالدستور وغيره.
2-
تتم بمشاركة واسعة من جميع قطاعات الشعب
العراقي حيث يشارك السنة العرب لأول مرة
مشاركة جادة وواسعة وليس هناك فصيل خارج هذه
المشاركة، مما يعطي العملية أبعادا مهمة
وحيوية، الأمر الذي سيترك آثارا على تشكيل
الحكومة القادمة التي يتوقع أن تكون أكثر
تمثيلا للشعب العراقي ومشاربه المختلفة.
3-
هناك تحالفات جديدة كجبهة التوافق العراقية
التي تعبر عن القوى السنية العربية، وتحالف
إياد علاوي مع بعض القوى والرموز، كما نجد
انسلاخا من التحالفات مثل انسلاخ أحمد الجلبي
من قائمة الائتلاف العراقي ووقوف مرجعية
السيستاني على حياد من الأطراف.
4-
وعلى الجانب الكردي، كان أبرز حدث هو عدم قبول
الاتحاد الإسلامي الكردستاني الدخول في
قائمة التحالف الكردستاني في خطوة غير مسبوقة
بالرغم من حرص التحالف على ذلك ودعوتهم إياه،
الأمر الذي أدى إلى اشتعال الموقف وإظهار
الحزبين قدرا كبيرا من الكراهية للاتحاد
وتخطيطهما المشترك لضربه والإطاحة به بكل
السبل المشروعة وغير المشروعة حتى وصل حد
القتل والجرح والضرب وإحراق المقرات وإتلاف
الممتلكات في أحداث يوم السادس من ديسمبر.
ومن
هذه النقطة ننتقل إلى الإقليم الكردي حيث
مدار الحديث والمقال، ونقسم حديثنا على
محورين اثنين: محور الحزبين الرئيسين ومن
معهما من الأحزاب المتحالفة وبرنامجهم
الانتخابي للعراق ومشروعهم السياسي، ومحور
الاتحاد الإسلامي الكردستاني وقائمته وأسباب
اختياره التميز عن التحالف الكردستاني،
ومشروعه الانتخابي والتطورات التي حدثت في
خطابه السياسي والدعوي في آن معا، وهل هناك
تراجع من الاتحاد في الخطاب القومي الكردي
لحساب الخطاب العراقي كما يتهمه التحالف؟ أو
هو تغليب للديني على حساب الإثنى كما يقول
البعض الآخر في محاولة منهم لتفسير الموقف؟.
التحالف
الكردستاني: دوافع النشأة والبرامج
الانتخابية
التحالف
الكردستاني عبارة عن تحالف الحزبين الكرديين
الكبيرين: الحزب الديمقراطي الكردستاني،
وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ومعهما
مجموعة من الأحزاب الأخرى بأحجام مختلفة،
كالجماعة الإسلامية في كردستان، وحزب
الكادحين، والحزب الاشتراكي، والحزب الشيوعي
الكردستاني... إلخ.
وهذا
التحالف هو في حقيقته مشروع لاحتكار السلطة
من الحزبين وإعطاء مشاركة رمزية للأحزاب التي
معهما، وصحيح أن هناك مصلحة في توحيد الكلمة
الكردية على مستوى الوطن العراقي وبرلمانه،
ولكن هذا يكون ممكنا عبر تحالف لاحق
للانتخابات وعندما يعرف كل حزب حجمه الحقيقي
ومدى قدرة برنامجه الانتخابي على الاستحواذ
على رأي الناخبين.
وفي
الحقيقة فإن التحالف بين الحزبين قائم على
رغبتهما في احتكار السلطة من ناحية، ونتيجة
حتمية لعدم قدرتهما على تحمل نتائج انتخابات
ديمقراطية حقيقية يفوز فيها أحدهما بروح
رياضية وسعة صدر وخصوصا فيما يتعلق
بالانتخابات البرلمانية الخاصة بالإقليم.
ومن المعلوم أن أول انتخابات كردية والتي
كانت في عام 1992 صارت نتيجتها في البرلمان
تقسيما بالتناصف ليس لأن ذلك كان النتيجة
وإنما لأن ذلك الأمر جنبهما القتال في ذلك
الوقت فحصل بينهما بالتراضي، وهم يقبلون
بالتوافقات أيضا وبالتحالفات بديلا للعودة
للقتال وسفك الدماء وهذا أمر حسن يفسرونه على
أنه إحساس وطني والتزام بمصالح عليا، ويتهمون
الاتحاد الإسلامي الخارج من ذلك الموقف بأنه
حزب غير مرتبط بالمصلحة الوطنية الكردية
لكونه خارج سرب التحالف.
وعلى
مستوى البرامج الانتخابية فلم يأت التحالف
بجديد يذكر، ففي المجال السياسي: الإصرار على
جعل العراق دولة موحدة ديمقراطية تعددية
برلمانية، والسعي لترتيب الوضع الفيدرالي
للمنطقة مع الحكومة المركزية في بغداد،
والسعي لحل مشكلة كركوك بعد تطبيع الأوضاع
فيها طبقا للمادة 58 من قانون إدارة الدولة
العراقية وكذلك المدن المشابهة مثل خانقين
ومندلي وغيرهما.
ولا
يتجاوز الطموح الكردي الرسمي هذا القدر مع
المطالبة بطبيعة الحال بنسبة من العائدات
المركزية وزيادتها ما أمكن، والسعي لزيادة
الحصة الكردية من الوزارات والمناصب
الدستورية في الدولة المركزية.
وهناك
تيار من المثقفين يطالب بالعودة لمطلب تقرير
المصير باعتباره حقا أصيلا للشعوب، ومن خلال
تقرير المصير يرى هؤلاء بأنه يمكن للشعب
الكردي أن يختار الوحدة الطوعية القائمة على
التراضي، أو يختار الانفصال عن العراق لتكوين
دولة مستقلة. وهذا التيار لا يحظى بتأييد
الساسة في الأحزاب لأنهم يعتبرونه مطلبا غير
ممكن التطبيق، حيث إن المعادلات الإقليمية
والدولية لا تسمح بذلك، كما أن الدولة
الصغيرة لن تعيش وسط بحار من الأعداء المحيطة
بها من كل ناحية، وكلها دول لها وزن إقليمي
مثل تركيا وإيران والعراق وسوريا.
ويطرح
برنامج التحالف توحيد الإدارتين الكرديتين
التي انقسمت منذ 1996 وإلى الآن. وبالرغم من أن
اتفاقية واشنطن التي وقع عليها الطرفان هناك
برعاية أمريكية كانت تنص على توحيد الإدارة،
إلا أن هذا المطلب الشعبي الملح ما زال يراوح
مكانه، مما يدل على أن المصلحة الحزبية لدى
هؤلاء فوق المصلحة الكردية العليا.
ويتحدث
البرنامج عن الخدمات المختلفة التي ستوفرها
قائمة التحالف الكردستاني، مع أن الجميع يدرك
أن ملف الخدمات متعثر بيد هذين الحزبين منذ
توليهما السلطة عام 1992 وحتى اليوم، ولم ينعكس
تحسن الدخول الذي لوحظ بعد سقوط النظام
السابق بشكل واضح بسبب غلاء المعيشة وارتفاع
الأسعار، وما تزال الكهرباء مثلا لا تتوفر في
اليوم والليلة إلا ساعات محدودة فقط.
ويعد
البرنامج الانتخابي الناس بمحاربة الفساد
الذي استشرى في كردستان والعراق بشكل بشع غير
مسبوق، فعلى المستوى الحكومي لا يوجد أي
تمييز بين مال الحزب وموارده وبين مال
الحكومة ومواردها على الإطلاق ولا تتوفر أية
شفافية في تلك البيانات بل لا تذكر بيانات في
هذا المجال أصلا، وعلى مستوى الإدارات
والتنفيذيين والقيادات الحزبية، انتشرت
المحسوبية وأصبح المواطن يشعر بأنه يذهب
لإدارة حزبية وليست حكومية، وحتى الإدارات
الشرطية والأمنية والجيش هي إدارات حزبية
وتأتمر بأمر الحزب، وحتى البرلمان ليس له
قيمة تذكر، فقد وكل إليه التصفيق للمشاريع
التي تطبخ وتعد في اجتماعات المكتب السياسي
للحزبين، ثم تمرر على البرلمان تمريرا باهتا
دون معنى.
وانطلاقا
من هذا الواقع والمعطيات السيئة وضرورة
الإصلاح كمطلب وطني وقومي، بدأ الاتحاد
الإسلامي الكردستاني خطابا سياسيا ودعويا
جديدا، وهذا محور الحديث الآتي.
الاتحاد
الإسلامي الكردستاني والقائمة المستقلة
الاتحاد
الإسلامي الكردستاني حزب سياسي تأسس عام 1994،
وهو حركة إسلامية قوية في كردستان العراق
يمارس أدوارا خدمية ودعوية، وهو بدون منافس
يشكل القوة الرئيسية الثالثة في كردستان،
ويتميز بتواجده النشط والفعال في جميع المدن
والمناطق وبين جميع الشرائح ومكونات الشعب
وطبقاته. وينتهج الحزب منهجا فكريا معتدلا،
ملتزما بالقانون، ولم يدخل في مهاترات
ومواجهات مع أحد بالرغم من أنه أوذي من
الكثيرين، وتبنى نهج الابتعاد عن كل مظاهر
العسكرة والمليشيات واستعراض العضلات
والعنتريات، ودعا لمجتمع مدني يسود فيه
القانون والدستور، ويقوم على التعددية
والديمقراطية والشفافية، وتتداول فيه السلطة
سلميا عبر الاحتكام لصندوق الانتخابات
والانصياع لرأي الأمة.
ويرى
الاتحاد أن موجبات الوجود في قائمة التحالف
الكردستاني قد انتهت، وأنه قد خسر كثيرا من
خلال اختلاط ملفه بملفات تلك الأحزاب الحاكمة
التي أوصلت البلد إلى ذلك الوضع الذي تحدثنا
عنه. وكان الحزب يشارك في قائمة التحالف لعدة
أسباب:
1-
أن الوضع العراقي يحتاج إلى توحيد الصفوف
للدفاع عن المطالب الشرعية للشعب الكردي
وحقوقه السياسية في عراق موحد من خلال وضع
فيدرالي، وضمان ألا تعود المنطقة والعراق إلى
حروب ودماء بين الأشقاء حتى يتاح للعراق
دستور مدون مستقر تكتب فيه هذه الأمور، ومن ثم
كانت الوحدة ضرورة.
2-
أن العمل الجماعي المشترك من باب التعاون على
الخير أصل معتبر، وما نحصل عليه من خلال
التراضي والأخوة ولو كان قليلا أفضل من كثير
نحصل عليه بصراع وتوتر في توقيت غير مناسب.
3-
ليشارك في الحياة السياسية مشاركة جادة من
خلال الحصول على نسبة من الحصص المعطاة للشعب
الكردي من المواقع السيادية والمناصب
الدستورية ليدعم به خطابه الإسلامي ونهجه
المتميز، ويبني علاقات أقوى مع الداخل
والخارج.
ولكن
تجربة الاتحاد في الفترة الأخيرة مع التحالف
أفرزت هذه المعطيات:
1-
زال المبرر الأول من خلال تثبيت الحقوق
المشروعة للشعب الكردي، والاعتراف
بالفيدرالية، والاستفتاء الناجح على
الدستور، واحتلال الكرد لمواقع سيادية.
2-
تأكد لدى الاتحاد أن الحزبين الكبيرين لا
يريدان شريكا حقيقيا في عملية قيادة البلد
واتخاذ القرار، وحتى المناصب الدستورية
والمواقع المختلفة تقاسماها بينهما ولا
يعطيان لغيرهم إلا المشاركة الرمزية التابعة.
3-
رأى الاتحاد أن قيادة التحالف وتمثيله داخل
البرلمان والحكومة وأمام العالم منحصران في
الحزبين ولا يتعديانهما، الأمر الذي لا يسمح
بالوجود والتعبير والتأثير، وإذا لم تلتزم
بذلك فستعاتب.
4-
أدرك الاتحاد أن الفساد وسوء الخدمات وتبديد
الموارد قد بلغ حدا فظيعا، وأن هناك أصوات
جماهيرية كبيرة تتعاظم يوما بعد يوم تندد
بالفساد والمحسوبية واحتكار السلطة
والاستبداد وضياع حقوق الإنسان... وأن الوضع
قد وصل حدا سيفقد الحزب مصداقيته لو بقي في
التحالف.
وقد
قام الاتحاد بدراسة الوضع بتأن، ووزع استفتاء
على المئات من القيادات الميدانية التي تعيش
هذه اليوميات يستطلع رأيهم في الخيار الأفضل:
هل نبقى في التحالف الكردستاني؟ أم نتكتل مع
قوى أخرى إسلامية؟ أم نفكر في تحالف عراقي
باعتبار أن الانتخابات عراقية؟ وجاءت
النتائج بالغالبية العظمى تؤيد النزول
بقائمة مستقلة وبمشروع إصلاحي، والانتقال
لدور المعارضة الحقيقية وعدم السكوت عن هذه
الأوضاع، وعدم القبول بالمشاركات الرمزية،
أو الدخول في جلباب الآخرين المفصل على
مقاساتهم والمعبر عن برامجهم ونواياهم.
ودرس
الاتحاد الخيارات بالتفصيل، وقرر المشاركة
بقائمة مستقلة، وجعل عنوان وشعار حملته
الانتخابية: "مكافحة الفساد وتوفير
الخدمات"، وبرنامجه الانتخابي مفصل على
نحو يعالج الأزمتين: أزمة الفساد والاستبداد
واحتكار السلطة والمحسوبية، وأزمة الخدمات
المتعثرة والمتفاقمة.
ولم
يكن الاتحاد الإسلامي يتخيل أن الاحتكار
والاستبداد وعقلية تصفية الآخر ستصل إلى هذه
الدرجة أو الطريقة البشعة التي حدثت يوم 6
ديسمبر 2005، حيث قامت مجموعات منظمة بطريقة
غوغائية وفي توقيت واحد بمهاجمة 6 مقرات
للاتحاد الإسلامي في كل من دهوك وزاخو وعقرة
وعمادية وشقلاوة وبردرش مدعومين من أجهزة
الأمن والشرطة المحلية التي شاركت في تنفيذ
الجريمة، واستشهد في تلك العمليات 4 من أعضاء
الاتحاد وجرح العشرات وتم تدمير تلك المقرات
ونهبها وإحراقها بما فيها من أثاث وأجهزة
وإرسال تلفزيون وراديو، وأحرقت السيارات
بشكل جماعي، وتم اختطاف وسجن العشرات أيضا
بأيدي مسلحي الحزب الحاكم في هذه المناطق وهو
حزب رئيس الإقليم.
واليوم،
فإن القيادة السياسية الكردية أمام امتحان
النزاهة والحفاظ على الحريات والحقوق وتطبيق
العدالة ضد المجرمين العابثين بالأمن
والعابثين بسمعة الشعب الكردي المسلم أمام
العالم، وأن تثبت حرصها على التجربة الوطنية
الديمقراطية.
سيناريوهات
متوقعة
ومن
ثم، يأمل الاتحاد الإسلامي - على المشهد
الكردي - في توفير النزاهة الانتخابية التي إن
توافرت فسيكون للاتحاد ظهور واضح، خصوصا أن
الاعتداء الأخير أكسبه مزيدا من الشعبية
والمصداقية، ويستلزم ذلك توقف الحزب الحاكم
عن توتيره للأجواء لأن أعضاء الاتحاد في
مناطق دهوك وكل المدن الستة ما زالوا تحت
الإرهاب والتهديد ويطلب منهم التخلي عن
انتمائهم السياسي.
وعلى
المستوى العراقي ككل، من المتوقع أن تظهر قوى
سنية عربية (جبهة التوافق العراقية) بقوة،
وسينال إياد علاوي - لكونه غير طائفي - حصة
جيدة عبر قائمته المشكلة من قوى متعددة،
ويتوقع أن تتراجع نسبة قائمة الائتلاف
العراقي نظرا للأداء السابق ولانفصال قوى
منها، ولوقوف السيد "السيستاني" منها
موقف المحايد هذه المرة. ومن ثم فإنه على
الأرجح ستتشكل حكومة عراقية أكثر تعبيرا عن
أطياف الشعب العراقي نأمل أن تسهم في عودة أمن
وحرية واستقلال العراق.
تابع
في الموضوع:
اقرأ
أيضًا:
**
باحث عراقي في الفلسفة والعلوم السياسية.