|

|
|
الانتخابات البرلمانية المصرية ليست وحدها معبر الإصلاح |
انتهت
الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية
المصرية، وبدأ الاستعداد للجولة الثالثة
والأخيرة، لتسجل مصر بذلك آخر فصول العملية
الانتخابية الراهنة، واضعة اللمسات الأخيرة
لأطول عملية انتخابية برلمانية يشهدها
التاريخ المصري الحديث. وتزامنا مع تلك
اللحظات "الحرجة" الأخيرة، بدأت الأقلام
العربية والغربية أيضا تصوغ سيناريوهاتها
المتوقعة واستشرافاتها المفترضة، وتحاول وضع
الخطوط العريضة لما سيؤول إليه الوضع السياسي
المصري في غضون الأشهر القادمة.
وتتلخص
أبرز هذه السيناريوهات فيما يلي:
1)
أن النجاح الحقيقي للمعارضة لن يتم إلا بعبور
"المحك" مع النظام.
2)
أن كلا من النظامين المصري والأمريكي سيوظف
الانتصار البرلماني "الإخواني" لمصلحته.
3)
أن أزمة الديمقراطية المصرية لن تنتهي بمجرد
تدشين برلمان 2005.
عبور
"المحك"
أفادت
صحيفة "ديلي ميرور" البريطانية بتحول
جماعة "الإخوان المسلمين" المحظورة
رسميا إلى أقوى معارضة على الساحة السياسية
المصرية، خاصة بعد المكاسب البرلمانية التي
استمرت في تحقيقها على الرغم من أساليب "الحصار"
و"التضييق" و"الاعتقالات"، التي
اتسمت بها الجولة الانتخابية الثانية. ففي
مقالها "الإسلاميون يدشنون الكتلة
البرلمانية المصرية" الذي نشر فور انتهاء
إعادة الجولة الثانية، نقلت الصحيفة تصريح
"محمد حبيب" (نائب مرشد الجماعة) القائل:
"إن إصرار الناس والإخوان تغلب على
المعوقات". ورأت الصحيفة أنه تكفي الإشارة
إلى عدد المقاعد "الإخوانية" التي وصلت
بعد إعادة الجولة الثانية إلى خمسة أضعاف
العدد الذي كان موجودا في البرلمان المصري
السابق؛ مما يدل
على كبر وثقل الإسلام السياسي كأقوى معارضة
في مصر، كما صرحت الصحيفة.
وكذلك
أفادت صحيفة "دير شبيجل" الألمانية في
مقالها "الانتخاب البرلماني في مصر: مقياس
للإخوان المسلمين" بأن المعارضة المصرية
"القوية" باتت هي الوحيدة القادرة على
ممارسة الضغط الفعال على النظام الحاكم،
وتقليص سلطات الرئيس "مبارك". وتستدل
الصحيفة في ذلك على توحد صفوف المعارضة
المصرية الذي ميز الانتخابات البرلمانية
الراهنة، على عكس الانتخابات البرلمانية
السابقة التي اتسمت دوما ودائما بتفرق صفوف
المعارضة، وبالتناحر فيما بينها، كما تدلي
الصحيفة.
وردا
على هاتين الوجهتين، أشار "عمرو حمزاوي"
عبر مقاله "انتخابات الخريف" المنشور
بمركز "كارنيجي" الأمريكي إلى أن
المعارضة المصرية لن تتمكن من جني الثمار إلا
من خلال عبورها "المحك" القائم مع النظام
الحالي؛ وأنه لن يكون للانتخابات التشريعية
الحالية أي انعكاس على تطور الوضع السياسي في
مصر إلا بعبور ذلك "المحك"، الذي
يعتبره "حمزاوي" تفاوضا حقيقيا وإيجابيا
بين الحكومة المصرية والحزب "الوطني
الديمقراطي" من ناحية، وبين القوى
البرلمانية المعارضة الجديدة من ناحية أخرى؛
على أن يتم ذلك التفاوض حول النقاط التالية:
1)
استبدال قانون أكثر تفصيلا بقانون الطوارئ -قانون
الربع قرن- بحيث يكون مناهضا للإرهاب.
2)
تعديل الدستور بهدف تقليص سلطات الرئاسة
المصرية.
3)
إعطاء مزيد من السلطات إلى الجهات القضائية
والتشريعية.
4)
تدشين جولة جديدة من حوار الإصلاح الوطني.
وينبه
"حمزاوي" إلى أهمية مثل هذا التفاوض
المرهون بمبادرة الرئيس "مبارك"،
وبإعطائه الضوء الأخضر لحكومته وللحزب "الوطني
الديمقراطي" لكي يبدأ التفاوض مع القوى
المعارضة الجديدة حول تلك النقاط؛ على أن يتم
ذلك التفاوض بعد انتهاء الانتخابات،
واستقرار النتائج النهائية.
توظيف
الانتصار "الإخواني" مصريا وأمريكيا
وفي
مركز "واشنطون إنستيتوت"، كتب "خيري
أباظة" تحت عنوان "آفاق التغيير بعد
الانتخابات التشريعية في مصر" عن تدني عدد
المصوتين في الانتخابات البرلمانية الجارية،
وعدم تعديهم نسبة الـ25%، مما يدلل على عدم
تمثيل غالبية المواطنين المصريين في تلك
الانتخابات. بلغة أكثر صراحة، إن عدم ذهاب 75%
من الناخبين المصريين إلى صناديق الاقتراع
يقول ببساطة شديدة: إنه لا "الإخوان" ولا
"الوطني الديمقراطي" يمثلان أو يعكسان
رغبة الشعب المصري.
وقد
تستغل الرموز العلمانية في داخل النظام
المصري -كما يدلي "أباظة"- ذلك الأمر؛
فتبدأ في تخويف تلك القطاعات العلمانية وأيضا
غير العلمانية، التي لم تدل بصوتها لـ"الإخوان"،
وتسعى إلى تفزيعها من ظهور البديل الإسلامي؛
ثم تتبع ذلك بسياسات سلطوية، مبررة إياها
بتلك "الفزاعة" الإسلامية؛ مما
سيتيح فرصة ذهبية للنظام لكي يعود إلى سلطاته
القديمة التي "انتزعت" منه عنوة وكرها.
وقد
يوظف النظام الأمريكي الانتصار "الإخواني"
أيضا، كما تشير صحيفة "دير شبيجل"
الألمانية. فتمكين "الإخوان" برلمانيا -كما
ترى الإدارة الأمريكية- سيجعلهم يتحركون في
داخل إطار الدستور المصري، مثل ما حدث
للإسلاميين في تركيا والمغرب، وهذا بالضبط ما
تطمح إليه الإدارة الأمريكية، كما تقول
الصحيفة. وإن صح هذا القول، فهذا معناه تقليص
وتحجيم حركة "الإخوان" دستوريا وقانونيا،
وابتلاعها من قبل النظام؛ الأمر الذي يجعلنا
نبادر بتساؤل مهم في هذا الصدد، وهو: ما
هو الأنسب لحركة "الإخوان": أن تظل جماعة
محظورة رسميا ولكنها تنعم في نفس الوقت بحرية
التحرك بعيدا عن الروتين والدستور والنظام؟
أم أن تصير حزبا رسميا، فتصير حبيسة الروتين
والدستور النظام؟.
أزمة
الديمقراطية ليست في الانتخابات
ينفي
"خيري أباظة الباحث بمركز "واشنطون
إنستيتوت" العضو السابق بلجنة الشئون
الخارجية بحزب "الوفد" المصري ما يقال
حول نقص المسئولين التنفيذيين المؤهلين داخل
الحكومة المصرية، وحول تسبب ذلك النقص في
تعويق التحرك الديمقراطي. ويؤكد "أباظة"
أن السبب الحقيقي وراء ذلك "التعويق"
يكمن في فشل النظام نفسه الذي يفتقد إلى أبسط
معاني الشفافية والمسئولية؛ مما يدحض ويجهض
أية مبادرات إصلاحية من قبل الوزراء
والمسئولين الحاليين الذين يتميزون عمن
سبقهم بالديناميكية والليونة.
ومن
فشل النظام أيضا -كما يصرح "أباظة"- عدم
استخدامه الفعال للمعونات والمساعدات في رفع
معاناة الشعب الاقتصادية والاجتماعية. فقد
ظلت حكومة "مبارك" تتلقى، على مدى عقدين،
من الدعم الاقتصادي والسياسي الكثير، إلا أن
ذلك لم ينعكس البتة على حالة الشعب المصري،
سواء من الناحية الاجتماعية أو الاقتصادية.
ولذلك، يذهب بعض أعضاء أحزاب المعارضة إلى
القول بأن الإصلاحات المؤسساتية الأخيرة لم
تكن إلا مجرد شكليات؛ إذ إنها لم تستهدف سوى
"الهروب" من الضغوط الراغبة في الإصلاح
الديمقراطي، والانتظار عليها حتى تتخافت
وتتوارى.
إن
تأييد الديمقراطية في مصر -كما يشير "أباظة"-
لا بد أن يؤخذ في إطاره الصحيح، وهو تأييد
العملية الديمقراطية في ذاتها، وليس تأييد
مرشح أو جماعة؛ والسيناريو الأفضل للإصلاح
الديمقراطي المصري لن يتأتى إلا بتشجيع
وتحفيز النظام على العمل مع المعارضة لأنه لن
يكون هناك مشاركة أكبر للمواطنين في العملية
الانتخابية إلا بثقة أكبر في النظام؛ ولن
تزداد الثقة إلا بازدياد الإنجازات
الإصلاحية؛ ولن تزداد الإنجازات الإصلاحية
إلا بوضع أهداف محددة يمكن تحقيقها في وقت
محدد. ومن ثم، يجب عدم النظر أبدا إلى
الانتخابات باعتبارها مقياسا للنجاح على
صعيد الإصلاح السياسي. فالانتخابات ليست
المفتاح للإصلاح، وإنما المفترض أن يكون
الإصلاح هو مفتاح الانتخابات الحرة والنزيهة.
اقرأ أيضا:
برلمان
مصري قوي.. أول خطوات الإصلاح
برلمان
مصر غير كاف للانتقال الديمقراطي
برلمان
مصر 2005.. حراك داخلي وترقب خارجي
انتخابات
مصر.. "جمود" دولة و"حراك" شعب
برلمان
أوربا يرصد تجاوزات بانتخابات مصر
تعديل
دستوري متوقع بعد انتخابات برلمان مصر
قيادي
إخواني للغرب: "لا داعي للخوف منا"
**
باحثة
دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
بجامعة القاهرة.
|