|
|
|
الحركات الإسلامية فى طريقها للتعمق فى أمور السياسة
|
قد
يسأل البعض: هل تتغير الحركات الإسلامية؟ وفي
الواقع يصر البعض على النظر للحركات
الإسلامية بوصفها كيانا واحدا وتركيبا
متماثلا ورسالة مشتركة، ويصر هذا البعض على
أن الحركات الإسلامية لا تتغير، ولكنها قد
تأخذ أحيانا شكلا مغايرا، ولكنها في كل
الحالات لا تتغير. والبعض ينظر لهذه الحركات
بوصفها معادية أصلا للعصر وللتطور، ويرى أنها
ليست إلا حركات تكفيرية وقتالية في آن واحد،
وإن تعددت مناهجها وسلوكها. فبعض الرؤى تحاول
أن تجعل من الحركات الإسلامية كيانا واحدا،
وكأنها أشكال وتجليات لتنظيم واحد. وكل تلك
التصورات تجعلنا في النهاية لا نعرف شيئا عن
الحركات الإسلامية، وتظل طبيعتها غامضة
علينا، ليس لأنها كذلك، ولكن لأننا ننظر لها
من خلال قوالب لا تكشف لنا عن حقيقتها.
صحيح
أن للحركات الإسلامية منبع واحد، وهو غياب
المرجعية الدينية والحضارية عن النظام العام
الحاكم، وعن الأنظمة السياسية بما فيها
الدساتير والقوانين، ولكن من الصحيح أيضا أن
لكل حركة من هذه الحركات طريقا مختلفا
للتغيير، ينتج من فهم مغاير للظروف الراهنة،
وتفسير مختلف لأسباب تراجع المرجعية الدينية
والحضارية. والاختلاف في المنهج يتولد عنه
اختلاف في الرؤى وسبل التغيير، مما يترتب
عليه تبني رؤية فكرية مختلفة. والاختلاف بين
النهج السلمي والنهج العنيف، يتولد عنه
اختلاف في الرؤى، حيث يفرض النهج السلمي رؤى
معتدلة ووسيطة، في حين أن النهج العنيف يفرض
رؤى متطرفة شديدة في الإفراط. وتلك الفروق لا
تمثل مجرد فروق في الهوامش، ولكنها تمتد
لتصبح فروقا في الجوهر. والفرق الرئيسي بين
المنهج السلمي والمنهج العنيف، أن الأول يرى
أن الدعوة والتربية هي وسيلة التغيير، بمعنى
أن التغيير هو نتاج إقناع الناس بالفكرة التي
تدعو لها الحركة الإسلامية. أما المنهج
العنيف فهو يقوم أساسا على فكرة التغيير
بالقوة، ويبدأ من تغيير السلطة بالقوة،
لينتهي إلى محاولة تغيير الناس بالقوة. ولهذا
يبدأ المنهج السلمي من قاعدة حرية الاعتقاد
والفكر، ولكن المنهج العنيف يفترض أن للحركة
الإسلامية وصاية ما على الناس، تؤهلها لفرض
رؤيتها عليهم.
التعمق
في السياسة
ومع
هذا التنوع في الاستجابة إلى الواقع الراهن،
نجد أن الحركات الإسلامية تميل إلى تطوير
خطابها ومنهجها بصورة يفترض أن تلفت النظر.
وكلما أدركنا الفارق بين هذه الحركات،
وتعمقنا في خصوصية كل منها، استطعنا إدراك
حجم التغير الحادث. ومن اللافت للنظر أن
التغير الراهن والذي تمر به معظم الحركات
الإسلامية، يتركز أساسا على تعظيم الجانب
السياسي في الفكر والحركة. ووجه التميز هنا،
أن كل الحركات بما فيها السلمي والعنيف، تعيد
النظر في السياسة بصورة جديدة، وتغير من دور
السياسة في حركتها وخطابها.
وإذا
كانت المقابلة بين التربية والعنف، هي التي
ميزت بين الحركات الإسلامية، وحددت التصنيف
الأساسي لها، فإن التعمق في الجانب السياسي
من مختلف الحركات، سوف يعيد تصنيف هذه
الحركات، ليغير من معالم التيار الإسلامي في
المستقبل المنظور. فالملاحظ منذ السنوات
الأولى للقرن الحادي والعشرين، خاصة في عام
2005، أن الخطاب السياسي للحركات الإسلامية
تعمق وبرز، حتى أصبح يمثل جزءا مركزيا من
مفردات مخاطبة الجماهير. وهذه الملاحظة
للمفارقة، تظهر جلية لدى جماعة الإخوان
المسلمين في مصر منذ مبادرة مرشدها العام
للإصلاح في 3 مارس 2004، كما تظهر جلية أيضا في
خطابات أسامة بن لادن زعيم شبكة القاعدة
وأيمن الظواهري منظرها ورجلها الثاني، خاصة
منذ خطاب أسامة بن لادن عشية الانتخابات
الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية في
عام 2004. ثم تتأكد الظاهرة بصورة أكبر في نهج
جماعة الإخوان السياسي، خاصة منذ مظاهرة 27
مارس 2005، وتتأكد أيضا في سلسلة من الخطابات
المرسلة عن طريق شاشات الفضائيات من أيمن
الظواهري، والتي تناول فيها رؤيته للتغيير
والإصلاح. وفجأة بات واضحا أن الحركات
الإسلامية التي رفعت شعارات التربية، وتلك
التي رفعت شعارات التغيير بالقوة، أصبحت
مهتمة بصورة أساسية بقضية الإصلاح والتغيير
السياسي.
ولعل
المفارقة تأتي من حجم المسافة الفاصلة بين
جماعة الإخوان المسلمين وشبكة القاعدة
الجهادية، خاصة إذا تابعنا النقد الشديد
الموجه للجماعة من منظر شبكة القاعدة، ومنظر
تنظيم الجهاد المصري قبل ذلك، أيمن الظواهري.
يدلنا هذا على أن اختلاف المنهج والفكر، بل
اختلاف الطريق، لم يعد مانعا أمام تأثير
السياسة على مختلف الحركات الإسلامية. ومع
هذا التأثير سنجد إعادة صياغة صورة الواقع
بشكل جديد. فالرؤى الإسلامية المتنوعة أصبحت
تركز على فساد واستبداد الحكام، وغياب الحرية
وسيادة القهر، بوصفها أسبابا للتخلف
والتراجع، وبوصفها أيضا أسبابا لسقوط البلاد
العربية والإسلامية تحت وطأة الاستعمار
الجديد، وقوى الهيمنة الغربية والتي تقودها
الولايات المتحدة الأمريكية.
مرجعية
الدين قناعة جماهيرية
المسألة
لم تعد إذن بعد الناس عن الدين، بل أصبحت
تتركز أساسا على الأنظمة الرسمية التي تفصل
بين الناس وبين مرجعيتهم، وتحول بينهم وبين
استعادة الدين لدوره في حياتهم. وتلك الرؤية
في الواقع تعني أن معظم الحركات الإسلامية
بدأت تدرك أن مضمون الرسالة الأساسية لها،
وهي مرجعية الدين لكل جوانب الحياة، أصبحت
بالفعل قناعة لدى جمهور الناس؛ وهو ما يعني أن
الفطرة الدينية السليمة قد عادت للأمة، أو
يعني أن الإحياء الإسلامي كتيار عريض لا يخص
الحركات الإسلامية فقط، قد أدى إلى تحولات
مهمة لدى جمهور الناس.
وهنا
تبرز أهمية النضال السياسي، حتى يتم تغيير
النظم التي تحول بين الناس وإعلاء شأن قيمهم
الدينية بوصفها المقدس الحاكم للحياة. وهنا
أيضا تبرز أهمية المواجهة مع كل أشكال
العدوان الخارجي، والذي يهدف لإبادة هوية
الأمة، وأيضا المواجهة مع تحالف العدوان
الخارجي مع الاستبداد الداخلي. وبتلك الرؤية
تتحدد معان جديدة للجهاد ضد العدو الخارجي،
والنضال ضد الاستبداد والقهر الداخلي. وتتغير
بذلك مناهج العمل، ويتغير بالتالي فهم الواقع.
فالحركات المسلحة باتت تبحث عن ساحات للمعركة
مع العدوان الخارجي، يصبح فيها الجهاد عملا
من أعمال المقاومة ضد العدو. والحركات
السلمية باتت تتبنى مناهج النضال السلمي
لتحرير الأمة، حتى يكون لها خيارها الحر،
فتأتي استعادة المرجعية الدينية والحضارية
من هذا الاختيار الحر.
وصورة
مستقبل الحركات الإسلامية، سوف يتحدد من
تفاعل العوامل السياسية مع طبيعة تلك
التنظيمات، حيث يؤدي التناول السياسي إلى طرح
مواقف جديدة وخطاب جديد، يتفاعل أساسا مع
جماهير أصبحت واعية بمرجعيتها، وتحتاج من تلك
الحركات أن تقود حركتها، وتضع برنامجا لتحقيق
تلك المرجعية عمليا.
اقرأ
أيضًا:
**
مفكر وباحث اجتماعي