|

|
|
هل تنجح الجبهة الوطنية فى أن تشكل معارضة فاعلة بالبرلمان الجديد؟
|
انتهى
"التحالف" الانتخابي الذي حاولت أحزاب
وقوى معارضة إقامته لخوض الانتخابات بقائمة
موحدة إلى ثلاثة أنواع من القوائم على الأقل،
فهناك أولا قائمة "التحالف" القلقة التي
أمكن الاتفاق عليها، وفي مواجهتها قوائم
لمعظم الأحزاب والقوى المشاركة في هذا "التحالف"
فسرها د. رفعت السعيد رئيس حزب التجمع بقوله:
إن من حق كل حزب من الأحزاب التي تشكل تحالف
قوى المعارضة أن يرشح أحد أعضائه في نفس
الدائرة التي توجد فيها قائمة التحالف في
حالة حدوث تصادم بينه وبين هذه القائمة. فنحن
إذن إزاء أحزاب تتحالف وتتصادم في اللحظة
نفسها.
ولو
سمع أحد في بلد يعرف أحزابا حقيقية هذا الكلام
لما صدق أذنيه. ولكنه يحدث عندنا لأسباب سنعود
إليها بعد استكمال خريطة القوائم المتنافسة
للقوى المتحالفة، فهناك، ثالثا، قوائم
لأحزاب وقوى معارضة لم تنضم إلى "التحالف"،
بعضها وعد بتنسيق جزئي عبر قوائم التحالف مثل
الإخوان المسلمين، وأفلح إن صدق. وبعضها في
حالة حرب مثل قائمة حزب الغد والمنشقين عليه (شرفاء
الغد) أو في حالة حرب ضد مرشحين في قائمة
التحالف حيث أصبح أحد أهداف حزب الغد هو إسقاط
بعض هؤلاء المرشحين أيا تكن النتيجة حتى إذا
أدت هذه المعركة إلى دعم مرشحي الحزب الوطني.
ضعف
ثقافة التحالف الانتخابي
هذا
الواقع الذي يفيض بالانقسام، بالرغم من أننا
نسمع عبارة التحالف الانتخابي والجبهة
الوطنية عشرات المرات كل يوم، ليس جديدا ولا
مثيرا للاستغراب، فقد رأينا مثل هذا المشهد
مرارا مع اختلاف بعض الممثلين وتغيير
السيناريو ومنهج الإخراج.
فمنذ
عام 1980 هناك محاولات للعمل المشترك بين
الأحزاب وقوى المعارضة كلها أو بعضها وفي كل
مرة إما أن تفشل المحاولة، أو تسفر عن صيغة
غير منتجة، سواء كان هدفها جبهة بالمعني
الدقيق للكلمة أو مجرد تنسيق يقوم على
الإخلاء المتبادل للدوائر.
فهذا
هدف بعيد المنال عندما يكون معظم الساعين
إليه عاجزين عن مد جسور مع من يختلفون معهم في
داخل أحزابهم أو جماعاتهم فضلا عن الخلافات
الواسعة بينهم، فأهم ما يميز الجبهة هو
البرنامج الانتخابي المشترك، الذي يبدو
مستحيلا لأن بعض أطرافها المحتملين ليس لديهم
برنامج سياسي أصلا (الإخوان المسلمون مثالا
بارزًا)، أو تعاني برامجهم ارتباكا واضحا ظهر
في حملة الانتخابات الرئاسية، فقد نشر أحد
الأحزاب مثلا برنامجين في صحيفته أحدهما قصير
مختزل قبل بدء الحملة رسميا، والثاني طويل
موسع خلالها، ولكن لم يكن الفرق بينهما في
الحجم فقط، بل في بعض النقاط والمواقف منها
على سبيل المثال أن أحدهما طالب بتخفيض
الضرائب والرسوم الجمركية إلى ما لا يتجاوز
عشرة في المائة، منحازا بشكل واضح إلى
المستوردين من المستثمرين على حساب
المنتجين، بينما خلا الثاني من هذا المطلب.
وأما
التنسيق الانتخابي فدونه عوائق كبيرة، أولها
ضعف الثقة المتبادلة بين أحزاب وقوى
المعارضة، منذ أول تجربة في هذا المجال بين
حزب الوفد و"الإخوان المسلمون" في
انتخابات 1984. فقد ضم الوفد على قائمته عددا من
مرشحي الإخوان في بعض الدائر، وليس في كلها
وفقا لاتفاق يقضي بالعمل المشترك في جميع
الدوائر.
ولكن
ما حدث هو أن الإخوان لم يعملوا لحشد الأصوات
إلا في الدوائر التي كان لهم فيها مرشحون
متقدمون في ترتيبهم في القائمة، أما الدوائر
التي لم يكن مرشحوهم في المواقع الثلاثة
الأولى بالقائمة فقد تجاهلوها أو لم يبذلوا
جهدا يذكر فيها وكان هذا مؤشرا على ضيق أفق
الإخوان وإصرارهم على وضع مصلحة التنظيم فوق
كل شيء، ولكنه كان في الوقت نفسه مؤشرا مبكرا
على ضعف ثقافة التحالف السياسي والانتخابي في
بلادنا، بالرغم من أن نظام الانتخاب بالقائمة
يوفر فرصة موضوعية أكبر لهذا التحالف.
الضعف
الحزبي عائقا
وفضلا
عن ضعف الثقة المتبادلة، يأتي ضعف الأحزاب
نفسها باعتبارها عائقا آخر، فليس لدى كل من
هذه الأحزاب إلا عدد قليل للغاية من المرشحين
الذين يجوز القول بأنهم منافسون حقا في
دوائرهم، فإذا كان لدى أكثر من حزب مرشح قادر
على المنافسة في الدائرة نفسها، يصبح من
الصعب الاتفاق على إخلائها لأحدهما أو أحدهم،
فقبول حزب ترشيح مرشح الحزب الآخر وسحب مرشحه
يفقده فرصة من فرص محدودة للغاية للحصول على
بضعة مقاعد، وخصوصا أنه فور الانتخابات سينفض
التنسيق ويتم إحصاء عدد المقاعد التي حصل
عليها كل حزب.
ولكن
المشكلة أبعد، أيضًا، من الدوائر التي يوجد
بها مرشحان لحزبين معارضين قادرين على
المنافسة وصعوبة تنازل أحدهما للآخر، فحتى في
الدوائر التي يسهل فيها الاتفاق على إخلاء
دائرة لمرشح واحد، لا يملك رؤساء الأحزاب
الأخرى إمكانية لضمان أن يلتزم أعضاء أحزابهم
وأنصارهم بدعم هذا المرشح، فقاعدة الإخلاء
المتبادل للدوائر لا تقتصر على إلزام حزب
بعدم تقديم مرشح في دائرة يتفق مع حزب آخر على
أن يخليها له، وإنما يشمل أيضًا قيام أعضاء كل
من الحزبين وأنصارهم في الدائرتين بدعم مرشح
الحزب الآخر.
ولكن
إذا استطاع رئيس حزب إخلاء دائرة لحزب آخر،
عندما لا يكون لحزبه مرشح مهم فيها، فهو لا
يملك ضمان أن يعمل أعضاء حزبه لمصلحة هذا
المرشح، وأن يعطيه أنصار الحزب وناخبوه
أصواتهم. ففي غياب مؤسسات حزبية حقيقية تشارك
في صياغة اتفاق الإخلاء المتبادل، وتشرك
قواعد الحزب فيه أو على الأقل تضعهم في صورته،
يصعب تحقيق تعبئة كاملة لمصلحة مرشح من حزب
آخر. سيكون هناك بالضرورة أعضاء وأنصار للحزب
الذي قررت قيادته دعم مرشح حزب آخر في حالة
انفصال عن عملية إخلاء المتبادل ولا يدركون
مغزى هذه العملية.
وتزداد
هذه المشكلة عندما يكون المرشح الذي تم
الاتفاق عليه في إحدى الدوائر غير مقبول لدى
قطاع من قواعد حزب أو أحزاب أخرى مطالبة
بدعمه، إما لأسباب سياسية أو أيديولوجية أو
لعوامل شخصية، وتصل المشكلة إلى ذروتها إذا
كان بعض أعضاء وأنصار حزب مطلوبا منهم مساندة
مرشح حزب آخر متشددين في انتمائهم إلى اتجاه
أيديولوجي إلى الحد الذي يجعل من الصعب عليهم
مساندة مرشح ينتمي إلى اتجاه آخر، وخصوصا إذا
كان واضحا في تبنيه لهذا الاتجاه ونقديا في
موقفه تجاه الاتجاه الذي ينتمون هم إليه "حالة
مرشح ناصري متشدد مثلا مطلوب من أعضاء وفديين
وأنصار للوفد أو الإخوان المسلمون مساندته".
خلل
في ميزان القوى الحزبية
يبقى،
بعد ذلك، عائق آخر أمام بناء تحالف أو تنسيق
انتخابي معارض واسع النطاق، وهو التفاوت
الكبير في أحجام وإمكانات الأحزاب والقوى
السياسية التي شاركت في الاتصالات
والمفاوضات حول هذا التنسيق فمن أصعب الأمور
بناء تنسيق انتخابي، حتى على قاعدة الإخلاء
المتبادل للدوائر دون غيرها، بين طرف له أكثر
من 150 مرشحا يملك نحو ثلثهم فرصة للمنافسة على
مقعد انتخابي، وطرف آخر لا يستطيع ترشيح أكثر
من أربعين أو خمسين مرشحا لا يملك ربعهم
الإمكانات اللازمة لخوض منافسة حقيقية.
هذا
الخلل في ميزان القوى يمثل عائقا ابتدائيا
أمام أية مفاوضات حزبية ائتلافية في أي نظام
سياسي، حتى إذا لم يكن الطرف الأقوى متباهيا
بقوته على غيره وراغبا في الحصول على نصيب
الأسد من التحالف أو التنسيق الذي يشارك في
المفاوضات بشأنه.
أما
إذا حضر استعراض القوى والإصرار على حصد معظم
المكاسب، يصبح مدهشا أن تستمر المفاوضات
لأكثر من جلسة واحدة، لأنها تصبح والحال هكذا
مضيعة للوقت والجهد.
ولذلك
فحتى إذا لم يكن الخلاف واسعا بين "الإخوان
المسلمون" وبعض الأحزاب وخصوصا التجمع،
فمن الصعب بناء تنسيق انتخابي جاد وملتزم به
في حدود الإخلاء المتبادل للدوائر في ظل خلل
في ميزان القوى الانتخابية.
فيا
لها من عوائق تلك التي تقطع الطريق أمام تحالف
انتخابي جامع وحقيقي بين مختلف أحزاب وقوى
المعارضة، وخصوصا في ظل ضعف وثقافة التحالف
السياسي في أوساطها.
ولا
ننسى أن مادة التحالف السياسي ليست مقررة في
"سنة ثانية سياسة" التي انتقلنا إليها
بعد نجاح الانتخابات الرئاسية واجتيازنا
السنة الأولى، فهذه المادة تحتاج إلى مستوى
معين من النضج السياسي والثقافة الديمقراطية
نأمل في أن تكون الانتخابات البرلمانية فرصة
لبلوغه إذا نجحنا فيها لننتقل إلى سنة ثالثة
سياسية.
اقرأ أيضا:
*
مقال نشر بمجلة روز اليوسف، العدد 4037، من 22 :
28 /10 / 2005.
**
نائب
مدير مركز الدراسات السياسية
والإستراتيجية بالأهرام.
|