|

|
|
الملك محمد السادس يقود عملية الإصلاح منفردا
|
ست سنوات من حكم
الملك محمد السادس اعتبرت مدة كافية بالنسبة
للمراقبين لتكوين صورة دقيقة عن أسلوب حكم
الملك الشاب، ووفرت فرصة هائلة بالنسبة للبعض
لاختبار مدى صدقية شعارات "العهد الجديد".
فالذين دافعوا
في بداية حكم الملك محمد السادس عن أطروحة
الانتقال الديمقراطي، وحاولوا إقناع الجميع
بأن المغرب يعيش تحولا ديمقراطيا مهما..
سيكتشفون بعد 6 سنوات من الممارسة السياسية أن
الملك اختار بإصرار واضح أسلوب الملكية
التنفيذية التي تسود وتحكم وتدبر الشئون
اليومية للمواطن، وتتدخل في تفاصيل الشأن
العام والشأن المحلي، بغض النظر عن هيبة
المؤسسة الملكية التي تنأى بنفسها عن
الاحتكاك اليومي بشئون المواطن حتى لا تكون
محل محاسبة ومراقبة، ودون مراعاة مستلزمات
التأهيل الديمقراطي الذي يستلزم إفساح
المجال للمؤسسات المنتخبة لتضطلع بدورها في
ممارسة السلطة، وتحمل تبعات أدائها أمام
المؤسسات الرقابية وأمام المواطن.
فالملك هو الذي
يرسم الأولويات ويخلق المبادرات، ينزل إلى
الشارع، يدشن الكثير من الأوراش، بعضها يدخل
في إطار الأعمال الاجتماعية البسيطة التي
تقوم بها مجموعة من الجمعيات.
مبادرة
التنمية وقانون الأحزاب: أية دلالة؟
وفي هذا الإطار
تطرح الكثير من الأسئلة حول الجدوى من قانون
للأحزاب السياسية، وحول مصداقية الخطاب
الرسمي الرامي إلى تأهيل هذه الأحزاب حتى
تقوم بمهام تأطير المواطنين وتمثيلهم، وتقوم
بتأهيل نخب سياسية قادرة على القيام بتدبير
الشأن العام وممارسة السلطة بكل مسئولية في
إطار نظام ديمقراطي حقيقي يضمن التداول
السلمي على السلطة بواسطة انتخابات حرة
ونزيهة، تفرز القوى السياسية التي تعبر عن
تطلعات المواطنين، وتقوم بتطبيق برنامجها
السياسي والاجتماعي والاقتصادي انطلاقا من
النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع.
كما تطرح الكثير
من الأسئلة حول الجدوى من الانتخابات في ظل ما
سمي بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية،
والتي أعلن عنها الملك قبل حوالي ثلاثة أشهر،
وأعلن أن برامجها تغطي مدة 3 سنوات، وهي المدة
التي تتجاوز الفترة الزمنية التي تفصلنا عن
الانتخابات؛ بمعنى أن الأحزاب الفائزة
بالانتخابات ستكون ملزمة بالاندماج في إطار
هذه المبادرة، وقد عرف شهر شعبان ورمضان
انطلاق مبادرة التنمية تحت الإشراف الفعلي
للملك الذي قام بجولات ماراثونية، زار خلالها
العديد من المدن المغربية، هذه الجولات التي
كانت مصحوبة بتغطية إعلامية مكثفة، في غياب/تغييب
كامل للحكومة عن الحضور في فعاليات هذه
المبادرة.
المبادرة
الوطنية للتنمية البشرية تضمنت برنامجا
تفصيليا ذا طبيعة اجتماعية للقضاء على بعض
مظاهر التهميش الاجتماعي التي تعاني منها
العديد من ضواحي المدن والمناطق القروية في
المغرب، مثل القضاء على دور الصفيح والسكن
العشوائي، ومحاربة الأمية، وكهربة العالم
القروي، وتزويده بالماء الصالح للشرب،
والاهتمام بفئة المعاقين، هذه المبادرة رأى
فيها العديد من المراقبين أنها تضمنت جوابا
سياسيا للحد من نفوذ الإسلاميين، والتأثير
على حضورهم في المناطق الفقيرة التي يسجل
فيها الإسلاميون عملا اجتماعيا ملحوظا، لكن
هذا الرأي يرد عليه الإسلاميون بكون أغلب
الدوائر الانتخابية التي عرفت فوزا ملحوظا
لمرشحيهم كانت في المدن الكبرى وفي المناطق
التي تقطنها الفئات الوسطى والميسورة.
لكن يبقى من
المؤكد أن المبادرة محكومة بخلفية سياسية
واضحة قائمة على التواصل الملكي المباشر مع
شعبه، وتجاوز كل مؤسسات الوساطة بين الدولة
والمجتمع، سواء كانت أحزابا أو مؤسسات
تمثيلية.
وهكذا يمكن أن
نقرأ من الناحية السياسية أن أسلوب حكم الملك
محمد السادس يركز المبادرات السياسية المهمة
في يد الملك، ويجعل باقي الأطراف السياسية
خاصة الأحزاب السياسية مجرد مساهمة في تنشيط
الحياة السياسية، ولا يرقى دورها إلى درجة
صنع المبادرة وإعطاء مضمون سياسي لمفهوم
التعددية السياسية قائم على تعدد المشاريع
السياسية المطروحة.
إن قانون
الأحزاب الذي صادق عليه البرلمان المغربي
ليلة الجمعة 21 أكتوبر في توقيت متأخر من
الليل، يحمل في طياته العديد من الرسائل
المباشرة والأخرى غير المباشرة؛ فمن الرسائل
المباشرة تعقيد إجراءات التأسيس، وإطلاق يد
وزارة الداخلية في مراحل التأسيس أو عند
إرادة الحل أو الإبطال، وتهميش دور القضاء،
لكن الرسالة غير المباشرة تكمن في إفراغ
مفهوم الحزب السياسي من مضمونه الحقيقي
كجماعة من الناس لها برنامج سياسي، وتسعى
للحصول على السلطة بواسطة صناديق الاقتراع،
وإفراغ محطة الانتخابات من مضمونها التنافسي
الحقيقي، وجعلها محطة للتنافس بين الأحزاب
السياسية على من يطبق برنامج الدولة الجاهز
وليس لتطبيق برامجها الحزبية؛ وهو ما يعني أن
النظام السياسي شبه مغلق، ولا يسمح بالتداول
السلمي على السلطة بشكل حقيقي، وانطلاقا من
إرادة المواطنين.
هل
نشهد حراكا سياسيا مضادا؟
انطلاقا مما
سبق، هناك شعور متزايد بأن مساحة الهامش
الديمقراطي آخذة في التقلص، وبأن شروط
ومستلزمات الفعل السياسي الحقيقي ما زالت
تحتاج إلى الكثير من الإنضاج؛ وهو ما يتطلب
فتح حوار واسع بين مختلف التيارات السياسية
للاتفاق على الحدود الدنيا لشروط العمل
السياسي. فالقانون المنظم لعمل الأحزاب
السياسية -بما هي من أهم أدوات الفعل السياسي-
يعتبر قانونا تأسيسيا، وهو ما كان يقتضي
الحرص على التوافق على مقتضياته، وهو الشيء
الذي لم يحصل مع إصرار الحكومة على تجاهل
مطالب المعارضة ممثلة في حزب العدالة
والتنمية الرامية إلى إدخال بعض التعديلات
على القانون المذكور.
وهكذا صوت فريق
العدالة والتنمية في البرلمان بالامتناع على
القانون المذكور الذي حظي بالمصادقة
بالأغلبية المطلقة في جلسة الجمعة الماضية،
وقد جاء اعتراض الفريق على التصويت على هذا
القانون بسبب امتناع الحكومة عن أخذ تعديلات
الفريق حول هذا القانون بعين الاعتبار، خاصة
التعديلات التي تهم المادة الرابعة من
القانون، والتي تتحدث عن منع تأسيس أحزاب على
أساس ديني أو عرقي.. حيث طالب الفريق باستعمال
عبارة ".. على أساس التمييز بسبب الدين أو
العرق...".
ومن جهتها نظمت
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وقفة
احتجاجية ضد قانون الأحزاب الأربعاء الماضي
أمام مقر البرلمان المغربي، بعدما اعتبرت
القانون الحالي "غير ديمقراطي، ولا يخدم
تطوير الحياة السياسية على أسس ديمقراطية"،
كما دعت كافة القوى السياسية إلى رفضه، "والنضال
الوحدوي من أجل إقرار دستور ديمقراطي كمدخل
حقيقي لتطوير الحياة السياسية على أسس
ديمقراطية، ولبناء دولة الحق والقانون
ومجتمع المواطنة بكافة الحقوق"، وقالت
الجمعية وهي تعدد سلبيات المشروع: "إنه حصر
دور الأحزاب في المساهمة في تنظيم المواطنين
وتمثيلهم، دون التنصيص على هدف تقلد السلطة
التنفيذية لتطبيق برامجها وممارسة المعارضة
بحرية للسلطة الحاكمة".
ومن هنا يمكن أن
نلاحظ أن قانون الأحزاب لم يحظ بقبول أطراف
سياسية وازنة في الساحة؛ وهو ما ينبئ على أن
الساحة السياسية ستكون مفتوحة في السنتين
اللتين تفصلاننا عن الانتخابات على
سيناريوهات خطيرة، لا سيما إذا عمدت السلطة
إلى استغلال القانون بشكل تعسفي، أو أقدمت
على التضييق على حق بعض المجموعات السياسية
في التأسيس بموجب هذا القانون؛ مما سيعمق
الهوة الحاصلة بين الدولة والمجتمع، ويدفع
البعض إلى اعتماد أساليب عنيفة في التدافع
السياسي، لا سيما مع ارتفاع معدلات الفقر
والبطالة، وتنامي ظواهر اجتماعية خطيرة مثل
تعاطي المخدرات، واحتراف الدعارة، وتنامي
الجريمة...
إن المؤشرات
الاقتصادية الثقيلة تدل على أن الوضع
الاجتماعي والاقتصادي المغربي يبعث على
القلق، لكن هل بإمكان المبادة الوطنية
للتنمية البشرية التي أقدم عليها الملك أن
تشكل البديل الحقيقي بطريقة بنيوية؟.
الجواب على هذا
السؤال هو من واجب الأحزاب السياسية التي
ثمّن أغلبها هذه المبادرة دون تقديم أي
انتقادات تذكر، رغم أن هذا القانون سجل
تراجعا واضحا عن المقتضيات التي كانت واردة
في القانون المنظم للجمعيات، وذلك حين انتقل
من نظام "التصريح" إلى نظام "الترخيص"
الذي يجعل كلمة الفصل في مسطرة تأسيس الحزب
السياسي لوزارة الداخلية، في الوقت الذي
اختار فيه حاملو الشواهد العليا المعطلون
الخروج إلى الشارع والاحتجاج الميداني من أجل
المطالبة بحقهم في الشغل؛ حيث تصدت قوات
الأمن منذ أسبوعين بقوة إلى ما يزيد على 800
معطل من الأطر العليا (حاملو الدكتوراه
ودبلوم الدراسات العليا في مختلف التخصصات)،
كانوا يستعدون لاقتحام المشوار السعيد في
الرباط؛ حيث يوجد مقر الوزارة الأولى (وكذلك
مدخل القصر الملكي)، وكان اتحاد الأطر العليا
قد قرر تنظيم مسيرة في اتجاه مقر الوزير الأول
إدريس جطو يوم 19 أكتوبر الماضي، لكن قوات
الأمن واجهتهم بقوة؛ حيث سقط ما يزيد على 100
جريح من بينهم معطلات، وذلك في شارع محمد
الخامس قبالة مقر البرلمان المغربي.
وربما تكون هذه
الخطوات التي عزفها الملك وحيدا مقدمة لأن
يشهد المغرب حراكا سياسيا وإن كان عكسيا؛
فالمنظمات الحقوقية قد استنكرت هذا الهجوم
العنيف على المعطلين، وطالبت بفتح تحقيق في
الموضوع. كذلك اعتزمت النقابات التعليمية خوض
إضراب عام عن الشغل يوم الثلاثاء 25 أكتوبر في
مجموع المؤسسات التعليمية على الصعيد الوطني
للمطالبة بتحسين ظروفها المادية والمعنوية.
ومن جهة أخرى
عرف ملف معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق
الإنسان مستجدات هامة، تمثلت في إعلان هيئة
الإنصاف والمصالحة (هيئة رسمية شكلها الملك
محمد السادس استجابة لتوصية تقدم بها المجلس
الاستشاري لحقوق الإنسان للنظر في
الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي
عرفها المغرب منذ استقلاله سنة 1956 إلى سنة 1999
تاريخ تولية محمد السادس) يوم 9 أكتوبر الماضي
عن بعض المقابر الجماعية لخمسين من ضحايا
الاختطاف والاختفاء القسري الذين فقدوا
حياتهم في المعتقلات السرية، وظلت عائلاتهم
تجهل مصيرهم لعقود وسنوات.
وجاء الكشف عن
هذه المقابر السرية بعد عدة تحريات قامت بها
الهيئة، قادتها للعثور على خمسين جثة لمختفين
قضوا في معتقلات سرية بأكدز وقلعة مكونة
وتاكونيت، تحت تأثير التعذيب المادي والنفسي
الذي مورس عليهم، وقد لقي هذا الكشف خطوة
إيجابية في نظر المهتمين؛ لأنه يمثل اعترافا
رسميا بانتهاكات جسيمة مورست في تاريخ المغرب
المعاصر من قبل الدولة، لكن بعض الهيئات
الحقوقية وعائلات الضحايا اعتبرت هذه الخطوة
غير كافية حتى تتأكد من أن الأسماء التي توصلت
إليها الهيئة تمثل بالفعل الحقيقة؛ وهو ما
دفعها للمطالبة بالرفات، وتحليل ما تبقى منها
لتحليل الحامض النووي.
يشار إلى أن عدد
المختفين لأسباب سياسية أو اجتماعية أكبر من
الأرقام التي تم الكشف عنها، ومن المنتظر أن
تستكمل الهيئة عملية الكشف عن أسماء آخرين،
خصوصا أن عدة شهادات تحدثت عن مقابر جماعية
وحددت مواقعها.
وقد تزامن هذا
الحدث بعد مصادقة الحكومة المغربية على مشروع
قانون يتم بموجبه تجريم التعذيب، ورفع تحفظات
الدولة المغربية على الاتفاقية الدولية
لمناهضة التعذيب التي تهم المادة 21 والمادة 22.
الخلاصة
أن المغرب يشهد
بوادر حراك سياسي يروم توفير شروط الإصلاح
السياسي الشامل الذي يرتكز -بالإضافة إلى
تأهيل الأحزاب السياسية- على إصلاح مؤسسات
الدولة بما ينسجم مع وجود حكومات مسئولة،
ومسنودة من أغلبية برلمانية منبثقة عن صناديق
الاقتراع الحر والنزيه؛ وهو ما يتطلب في
نظرنا إصلاحا دستوريا حقيقيا يمكن بموجبه
تنظيم العلاقات بين السلطات الموجودة على
قواعد المحاسبة والمراقبة، وتمكين المؤسسات
الموجودة (البرلمان والحكومة) من وسائل
العمل، وهو ما لا ينسجم مع وجود مؤسسة ملكية
تنفيذية تنخرط في تفاصيل الشأن العام دون أن
تكون محل محاسبة أو مراقبة، وذلك في الوقت
الذي لا تتوفر فيه الحكومة على السلطة
التنفيذية اللازمة التي تمكنها من اتخاذ
قرارات جريئة ومبادرات نوعية تعبر عن
امتلاكها لحرية المبادرة والابتكار والقيام
بالوظائف الطبيعية التي تقوم بها الحكومات في
العالم؛ وهو ما يقتضي طرح السؤال المرتبط
بإصلاح الإطار القانون الأساسي الذي يفتح
المجال أمام تداول حقيقي على الحكم، تقوم فيه
الحكومة بممارسة صلاحيات حقيقية -وليس فقط
القيام بتنفيذ تعليمات مملاة من أعلى قمة هرم
الدولة، هذه التعليمات التي تستعصي على
المراقبة والمحاسبة أمام المواطن- وذلك في
إطار ملكية برلمانية يقوم فيها الملك بدور
التحكيم بين الفرقاء السياسيين وحماية ضوابط
العملية الديمقراطية.
اقرأ أيضا:
**
أستاذ
العلوم السياسية والقانون الدستوري، جامعة
عبد المالك السعدي بتطوان
|