|
انفجار جباليا.. زلزال ما بعد الانسحاب |
|
إبراهيم غالي**
|
26/09/2005
|
|

|
|
غارات إسرائيلية وهمية قرب قطاع غزة لإشاعة الرعب بين الفلسطينيين
|
لم
يكد يمر أسبوعان على خروج آخر الجنود
الإسرائيليين من قطاع غزة يوم 12 سبتمبر
الماضي، حتى وجدت جميع الأطراف نفسها
إثر وقوع انفجار جباليا أمام أول محك
فعلي واختبار جاد لتداعيات مرحلة ما
بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة. إنه
اختبار أثبت حقيقة المعادلة الحسابية
المعقدة والثنائيات المتناقضة لمصالح
كل طرف، والتي يسعى كل من رئيس الوزراء
الإسرائيلي "شارون" والسلطة
الفلسطينية وحركة المقاومة الإسلامية
"حماس" إلى تحقيقها دونما خسائر
جسيمة.
ويبدو
أن الانسحاب الإسرائيلي من غزة قد ترك
آثاره الداخلية على كل من الساحتين
الفلسطينية والإسرائيلية، ففي الجانب
الأول ثمة تنافس سياسي ساخن بين حركتي
فتح وحماس يسبق الانتخابات التشريعية
المقبلة. وعلى الجانب الثاني انقسام
حاد بين أوساط اليمين وداخل الليكود
إثر تطبيق خطة الفصل الأحادي بعد أن
دخل نتنياهو على خط تنازع زعامة الحزب
مع رئيس الوزراء الحالي إريل شارون.
الداخل
يشكل سياق الخارج
فالمناخ
الذي سبق هذا التصعيد الأخير يمكن
إيجازه في أمرين: أولهما التغير
الملحوظ في تكتيكات حماس. تقدمت الحركة
بصورة لافتة في الانتخابات البلدية
الفلسطينية، وتشرع في العمل على تحقيق
المزيد في مرحلتها الثالثة التي ستجرى
في 29 من سبتمبر الجاري، والدخول بقوة
في الانتخابات التشريعية المقبلة، حتى
إن المبالغة في الاحتفالات العسكرية
المتكررة للانسحاب الإسرائيلي من قطاع
غزة قد وصفه البعض بأنه دعاية انتخابية
حمساوية، فالحركة التي تسعى للجمع بين
العسكرة والسياسة سعت إلى تضخيم هذا
الانسحاب بشكل مثالي يعمل على إكسابها
مزيدًا من الشعبية. من جانب آخر، أعلنت
الحركة وبوضوح قبيل تنفيذ الانسحاب
الإسرائيلي أنها ستنقل قدراتها
القتالية وعملياتها القادمة إلى الضفة
الغربية مطالبة بأن الحركة التي حررت
غزة لن يمس أحد سلاحها مهما كان.
والمتأمل في حركة الداخل الفلسطيني
يلحظ على الفور هذا الاستقطاب بين
حركتي فتح وحماس: الأولى تسعى لتجديد
دمائها عبر اجتماعات متتالية للجنتها
المركزية لتضع أفضل التصورات
والقيادات للمرحلة المقبلة، والثانية
تعمل على جذب أنظار المواطن الفلسطيني.
الأمر
الثاني: هو أن خطط التوسع الاستيطاني
الشارونية في الضفة الغربية والقدس
وكذا هذا الخطاب التوراتي الميثولوجي
الذي ألقاه شارون أمام الجمعية العامة
للأمم المتحدة يوم 15 سبتمبر الماضي
وصور خلاله الانسحاب من غزة، وكأنه
تخلٍّ عن جزء من بلاد أرض إسرائيل،
وأيضا مطالبته الولايات المتحدة بمنع
مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية
قبل نزع سلاحها، لم يحل دون استمرار
مهاجمة اليمين بكل شرائحه لشارون الذي
ذكر أن المجتمع الإسرائيلي يمر بأزمة
عميقة نتيجة الانفصال من قطاع غزة.
واتهمه اليمينيون بأنه ينوي الانسلاخ
من حزب الليكود وتشكيل حزب وسط جديد من
حزب الليكود يخوض الانتخابات المقبلة.
وسوف
يحسم هذا الصراع الداخلي على زعامة
الليكود اليوم بعد أن يقرر الاجتماع
المركزي للحزب هل يستمر شارون في زعامة
الحزب أم يتم إسقاطه ويتولى أموره
نتنياهو بما يقود لإجراء انتخابات
مبكرة في إسرائيل قبل نهاية العام
الجاري.
وطبقا
لهذين الأمرين، يمكن تفسير سلوك
الأطراف المختلفة إثر انفجار جباليا
الذي وقع في أثناء أحد العروض العسكرية
لحركة حماس في 23 سبتمبر 2005، وأدى إلى
وفاة 17 فردًا من أعضاء حماس وجرح 85
آخرين، وهو الأمر الذي قاد بدوره إلى
التصعيد المتبادل بين الحركة وبين
الإسرائيليين. وبداية وصفت الحركة هذا
الانفجار بأنه مجزرة ارتكبها الجيش
الإسرائيلي، بينما نفت إسرائيل أن
تكون على صلة بهذا الانفجار، فيما ذكرت
وزارة الداخلية الفلسطينية أنه انفجار
داخلي وقع في أثناء الاستعراض العسكري
لحركة حماس.
مصلحة
حماس
 |
|
انفجار جباليا المأسوي فجر الكثير من التداعيات على الساحة الفلسطينية |
حركة
حماس يبدو في مصلحتها اشتعال الوضع
الأمني في القطاع حتى في أعقاب
الانسحاب الإسرائيلي، وهذا يفيدها في
كسب الشعبية المطلوبة، ويكمل أسبابها
في رفض نزع سلاحها سواء طالبت بذلك
إسرائيل أم السلطة أم ضغطت الولايات
المتحدة في كل اتجاه لتحقيق ذلك، وهي
تدرك أن ذلك يمثل انتقاصًا من شعبية
حركة فتح في الوسط الفلسطيني.
ومشكلة
حماس ليست في نزع السلاح، فلا شك أن ذلك
مطلب غريب ربما قد لا يقتنع به الرئيس
الفلسطيني "أبو مازن" ذاته، وهذا
واضح في تصريحاته غير القاطعة بهذا
الأمر. لكن المشكلة هي أن الحركة وهي
تسعى لتعزيز شعبيتها تتصرف في كثير من
الأمور بطريقة تبدو انفرادية وبعيدة
عن نطاق السلطة الواحدة وإجماع الرأي
الذي هو أهم ما يجب أن يصل إليه
الفلسطينيون اليوم. وإذا كان لدى
الحركة شك في قيام إسرائيل بتوجيه ضربة
صاروخية إلى أفرادها في أثناء استعراض
عسكري، فلماذا الإصرار على المبالغة
في هذه الاستعراضات من حماس دون غيرها
من الفصائل، رغم أن حركة الجهاد
الإسلامي أيضا من مصلحتها المشاركة في
هذه الاستعراضات. وإذا كانت الحركة
مهددة بضغوط إسرائيلية وخارجية
أمريكية لنزع سلاحها ومنعها من
المشاركة في الانتخابات المقبلة،
فلِمَ أيضا الإصرار على استعراض القوة
والسلاح. هناك فارق كبير بالطبع بين
توجيه رسائل للداخل وأخرى للخارج،
وكان على الحركة أن توازن بين الأمرين
بشكل أكثر إتقانا وحكمة.
الانفجار
قد يبدو حدثًا عارضًا؛ لأن استعراضا
عسكريا ضخما وسط حالة من التلاحق
والازدحام ووجود بعض الأسلحة وربما
المتفجرات يجعل ذلك مقبولا نسبيًّا.
وخبرة الاغتيال الإسرائيلي لا تشير
إلى قيامها بضرب صواريخ وسط تجمع يضم
آلاف الفلسطينيين ولو كانوا من حركة
حماس.
شارون
في اختبار حقيقي
وينقلنا
ذلك إلى الموقف الإسرائيلي. شارون ليس
من مصلحته أن يظهر أمام الرأي العام
وقبل الاجتماع المركزي لليكود مباشرة،
وهو يرى الأمور في قطاع غزة وخارجه
خارج السيطرة، وهل يرغب شارون في رؤية
الصواريخ القسامية تضرب مستوطنات
إسرائيلية أو عمليات استشهادية تستهدف
إسرائيليين في هذا التوقيت، وما فائدة
الانسحاب من غزة إذن؟ شارون ليس في
مصلحته أن يستثير الوضع الأمني قبل أن
يؤكد استمرار زعامته لليكود سيما أن
استطلاعات الرأي تظهر أن نتنياهو
سيفوز بزعامة الحزب إذا ما جرت
الانتخابات خلال شهرين؛ لأنه يتمتع
بتأييد كبير داخل الليكود لمعارضته
خطة فك الارتباط واستقال من وزارة
المالية لدى موافقة الكنيست على الخطة.
على
أن هناك وجهة نظر أخرى تتمثل في أن
شارون قد قام بهذه الضربة لحماس أولا
لإثارة الوضع الأمني وإفزاع
الإسرائيليين، ما يقود إلى إعادة
انتخابه، في ضوء أن الإسرائيليين ورغم
انسحاب غزة يرون أن إحدى أبرز إسهامات
شارون خلال رئاسته للوزراء هي توفير
درجة أكبر من الأمن. وثانيا هي ضربة
موجهة لحماس تؤثر على وضعيتها في
الانتخابات المقبلة. بيد أنه يجب
ملاحظة أن الإثارة الأمنية وإن كانت
الآن ليست في صالح شارون، إلا أنه يمكن
استغلال الأحداث ما أمكن ذلك؛ لذا لا
تمنع رغبة شارون في التهدئة ولو لأيام
ألا يظهر أمام اليمين حزمه في التعامل
مع الحركة. من هنا كانت حملات اعتقال
أعضاء حماس وقتل ثلاثة من أعضائها في
طولكرم ونشر قوات عسكرية ضخمة على طول
الحدود الشمالية الشرقية لقطاع غزة
ونشر الحواجز ومراقبة مداخل الضفة
الغربية، وإعلان الجيش والشاباك بعد
اجتماعهما أمس عن توجيه ضربة مدمرة
لحماس بالعودة لسياسة الاغتيالات
واستهداف نشطائها في الضفة الغربية. كل
هذا يأتي من وجهة نظر شارون كرد على
إطلاق حماس لصواريخ القسام بعد حادث
جباليا على مستوطنة سيدروت.
شارون
يجد نفسه في اختبار حقيقي بين تنفيذ
وعوده بالرد غير المسبوق على إطلاق
صواريخ قسامية بعد خروجه من غزة؛ لذا
لم يكن من مصلحته أن يبدأ في استفزاز
حماس وأن يجبرها على تنفيذ عمليات داخل
تل أبيب تهز من وضعه السياسي المتذبذب،
وتزيد شعبية الحركة التي لا يبغي
رؤيتها جزءًا من السلطة الفلسطينية. هو
كذلك ولمواجهة أزمته الحزبية الراهنة
شدد الخناق على الحركة من جديد، واستغل
حادث جباليا وتداعياته ليبرهن أمام
الليكود على أن لديه خطة قادمة
لاستئصال الحركة، وليرفع أسهمه أمام
منافسه بنيامين نتنياهو.
السلطة
تبحث عن نقطة توازن
 |
|
أبو مازن يواجه ضغوطا من كل الاتجاهات |
أما
موقف السلطة الفلسطينية من هذه
الأحداث، فكان هو الآخر بحثا عن مصالح
خاصة توازن بين اعتبارات الداخل
الفلسطيني وحسابات الخارج الإسرائيلي.
السلطة طالبت أكثر من مرة بوقف
الاستعراضات العسكرية من طرف واحد،
طلب لا يخلو من خوف على شعبية فتح في
مقابلة حماس من جانب وحرصها على الظهور
بموقف المسيطر على الوضع الداخلي، أي
وحدانية السلطة، مع التزامها بإجراء
انتخابات تشريعية نزيهة تمثل كل أطياف
اللون السياسي الفلسطيني، ومنه حركة
حماس. السلطة تدرك أن أي اختلالات
أمنية يسببها الطرف الإسرائيلي ستكون
على حساب شعبية فتح وهي لا تريد الدخول
في مواجهات ولو كلامية مع الحكومة
الإسرائيلية الآن، وحتى استقرار
الأوضاع في غزة، أملا في العودة
للتفاوض وإحياء خطة خارطة الطريق قبل
أن يصبح الإسرائيليون في حل كامل منها.
هي تعلم وترغب في أن إسرائيل وأمامها
الولايات المتحدة يريدان لها
الاستمرار والتفرد بالسلطة.
وليس
من مصلحة السلطة أيضا أن تدخل في صدام
صريح ومباشر مع حماس، وأن تدخل إلى
مرحلة من الانفلات الأمني في القطاع أو
الوصول لحافة الحرب الداخلية.
فإسرائيل تربط أي تقدم مستقبلي بما
ستحققه السلطة من قدرة على إنهاء ما
تطلق عليه "الإرهاب الفلسطيني"
ومحاربة الكراهية والفكر المتطرف.
لذا
لم يكن غريبًا أن تعلن السلطة أن
انفجار جباليا حادث داخلي عرضي. فهي قد
تطيق الدخول في مرحلة من المشادات
الكلامية المتبادلة والمؤقتة مع حركة
حماس والتي سيتدخل طرف ثالث (مصر)
لوقفها بديلا عن اتهام قد لا يكون
حقيقيا لإسرائيل، ويتسبب في تعكير
الأجواء مع إسرائيل والولايات المتحدة
في مرحلة هي في أمس الحاجة فيه
لمساعدات اقتصادية خارجية، ودعم سياسي
يسهل عليها معركة الانتخابات
التشريعية الشرسة مع حماس.
بإيجاز..
الانسحاب الإسرائيلي من غزة ترك
الجميع أمام معادلة حسابية صعبة
متعددة الأطراف وكثيرة المعطيات،
وأوراق الكسب والخسارة فيها مفتوحة
على كل الاحتمالات. وإذا كان الخلاف
الفئوي والداخلي على الأهداف مقبولا
على الجانب الإسرائيلي باعتباره دولة
محتلة، فإن المحير حقًّا هو ألا يتفق
الفلسطينيون بعد هذا العمر من الصراع
على برنامج وطني واحد، وأن يضعوا خطة
للعمل المشترك الجماعي لاكتساب حقوقهم
المشروعة.
اقرأ
أيضا:
**محرر
الشئون السياسية بموقع إسلام أون لاين.نت.
|