بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

ساحة الحوار    -    دليل المواقع

آسيا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


هل حقا تنازلت كوريا الشمالية عن برنامجها النووي؟

محمد عبد الحليم**

21/09/2005

ممثلو اللجنة السداسية يتصافحون عقب التوصل لاتفاق بشأن البرنامج الكوري الشمالي

فجأة ودون مقدمات طيرت وسائل الإعلام العالمية خبرا يفيد أن بيونج يانج رضخت لرغبة واشنطن وتعهدت بالتخلي عن برنامجها النووي، لكن معطيات الوضع الراهن والمنطق يشيران إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت الجانب الأكثر رضوخا أمام مطالب وتعنت كوريا الشمالية لإحراز أي نصر على أي صعيد؛ سعيا من الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة بوش الابن لتحسين صورتها وموقفها أمام الرأي العام الداخلي في مواجهة طوفان الانتقادات والضغوط الداخلية، فضلا عن إلهائهم بقضية أخرى غير القضايا الساخنة الأهم والتي تعاني فيها أمريكا من تراجعات مستمرة.

فعناوين الأنباء الواردة من العاصمة الصينية بكين تبشر بأن الجولة الرابعة من المحادثات السداسية الأطراف بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية بحضور كل من كوريا الجنوبية والصين واليابان وروسيا تحمل طابع الانتصار الدبلوماسي الباهر للخارجية الأمريكية، وبالطبع للإدارة الأمريكية الجمهورية التي يسيطر عليها المحافظون الجدد، وهم في نظر الجميع دون استثناء سبب كل بلاء وقع بأمريكا منذ أن تسلم بوش الابن مقاليد الأمور في البيت الأبيض.

لكن بقراءة سريعة للمعطيات المتاحة والمعلومات المتوافرة، يمكن القول بأن حقيقة الأمر أن الولايات المتحدة خرجت بعد أن تراجعت كثيرا أو قليلا عن الخطوط الحمراء التي كانت وضعتها لنفسها من قبل في أثناء مفاوضاتها مع كوريا الشمالية في ثلاث جولات سابقة فشلت جميعها، بينما لم تتراجع كوريا الشمالية عن أي خط أحمر وضعته لنفسها كمحدد وكإطار للمفاوضات، ومن ثم فإن أمريكا هي التي زادت مساحة الأرضية المشتركة التي يمكن التفاوض عليها بين الجانبين وليس كوريا الشمالية.

وبداية نقرر أن المتاح من معلومات عن تفاصيل وملابسات وكواليس الجولات الثلاث السابقة التي حضرتها نفس الأطراف الراعية الأربعة تكاد تكون منعدمة، ولا نعلم منها إلا أنه مع نهاية كل جولة يتم الإعلان عن فشل الجولة، وتم هذا ثلاث مرات بحضور الأطراف الراعية نفسها.

وفي المقابل فإننا لا نعلم أيضا شيئا عن تفاصيل وبنود الاتفاق الأخير الذي تم بين الخصمين بيونج يانج وواشنطن، وجل ما هو معلوم هنا هو أن كوريا تعهدت (ضع خطا تحت تعهدت هذه) بالتخلي عن برنامجها كما تشير عناوين الأنباء والانضمام مجددا لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية في وقت لاحق، وهو وضع يترتب عليه السماح لمفتشي الوكالة الذرية الدولية بدخول أراضيها. وقالت الدبلوماسية الكورية الشمالية: إن ذلك سوف يتم في أسرع وقت ممكن، وفي بعض الأنباء هناك كلام عن التخلي عن أسلحتها النووية ولكن بشكل كثير الغموض.

وبالتعمق أكثر في تفاصيل الأخبار فإنها تحمل جميعها على اختلاف صياغاتها معنى واحدا، وهو توقف بيونج يانج عن إنتاج أسلحة نووية؛ بل إن وكالات الأنباء العالمية وعلى رأسها أسوشيتدبرس (وهي الأولى في الأمريكتين عامة والولايات المتحدة خاصة) بعد أن صدّرت عنوانا جذابا يقول: إن كوريا (الشمالية) تتخلى عن برنامجها النووي، قالت في صدر الخبر بلغة إنجليزية واضحة ما معناه إيقاف بناء أسلحة نووية (هكذا فقط)، ويمكن لنا أن نضيف من عندنا أن السياق كان يستلزم إضافة كلمة "جديدة" هاهنا.

حقيقة البرنامج النووي الكوري الشمالي

يعزز هذا الاستنتاج عرض شيء عن تفاصيل ما يسمى بالبرنامج النووي الكوري الشمالي، فما هو معلوم -على قلته- أن كوريا الشمالية دولة فقيرة للغاية في الموارد والإنتاج وليس لديها بنى تحتية تتحمل متطلبات برنامج نووي حقيقي ولو متواضعا، فضلا عن عزلة قاسية عن العالم الخارجي حولها، لكنها رغم ذلك توافر -بطريقة أو بأخرى- لديها 8 آلاف عود يورانيوم مستنفد في إنتاج الطاقة الكهربية، كان قد تم استخدامها في أغراض المفاعلات النووية المدنية السلمية.

هذه الأعواد تحتوي على نسبة 1% من عنصر البلوتونيوم المشع، وهي نسبة متواضعة للغاية، ويمكن بعد سلسلة من العمليات الكيماوية المتعاقبة التي لا تتطلب إمكانات هائلة ولا تكنولوجيا متقدمة فصل وتركيز هذا البلوتونيوم وتشكيله في شكل كروي يقترب في حجمه من ثمرة الجريب فروت، وقد أثمرت بالفعل هذه العمليات عن توفير كرتين من البلوتونيوم.

وتستطيع كوريا الشمالية وضع أي من الكرتين مع كمية من المتفجرات في مقدمة أي صاروخ بعيد أو متوسط المدى، عند وصوله لهدفه تتولد كمية كافية من الضغط والحرارة اللازمين لتوليد سلسلة من الانشطار الذري، وهذا هو السلاح النووي الذي لدى كوريا الشمالية.

وأقرت كوريا الشمالية في وقت سابق بشكل رسمي بحيازتها لقنبلتين نوويتين، سبق أن تم التلميح لهما من جانب صغار المسئولين الكوريين الشماليين، كما توافرت لدى وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه" نفس المعلومات وأذاعتها.

تأسيسا على ما سبق، فإنه يتقرر أمور مهمة عدة:

أولا: ليس لدى كوريا الشمالية برنامج نووي بالمعنى الحقيقي المعروف الذي يتطلب بنى تحتية وتكنولوجيا متقدمة فضلا عن أطقم علمية قادرة على إدارة هذا البرنامج وتوافر كوادر علمية يمكنها الاستمرار فيه، كما أن كوريا الشمالية ليس لديها مقدرات مالية أو موارد طبيعية تمكنها من بناء برنامج حقيقي.

كذلك ليس لدى كوريا الشمالية يورانيوم خام، وفي الوقت نفسه لا يسعها جلب اليورانيوم الخام عن طريق استيراده مثلا للقيام بعملية التحويل والإثراء للحصول منه على يورانيوم مشع لإنتاج سلاح نووي يعتمد على اليورانيوم، وليس بإمكانها حتى إنتاج سلاح يعتمد على البلوتونيوم بعد إجراء العمليات التقنية اللازمة لفصله وتنقيته.

ثانيا: ليس لدى كوريا الشمالية تقنيات ولا بِنى تحتية تمكنها من إنتاج وتصنيع رأس نووي حربي بالمعنى التقليدي الذي يعتمد في تطويره على تقنيات عالية للغاية ومعقدة، ويستلزم في الوقت ذاته قاعدة صناعية وأخرى علمية عريضتين، وهو ما ليس متوافرا بالفعل لدى كوريا الشمالية المعدمة والتي يحلو لبعض المراقبين وصفها بأنها خارج "سياق الزمن"؛ فهي تعاني من مشاكل جمة أهمها رسوخ مثلث الفقر والجهل والمرض بها.

صاروخ كورى متوسط المدى يمكنه حمل شحنات نووية 

ولا يعدو في ضوء ما سبق أن القنبلتين النوويتين اللتين لدى كوريا الشمالية ليستا سوى نوع من الصواريخ العادية الحاملة لشحنات متفجرة ولكنها تحتوي على عنصر مشع هو البلوتونيوم، في هذه الحالة ينتظر أن يتولد مع انفجارها والضغط والحرارة الناتجين سلسلة من الانشطارات الذرية، ولكنها في الوقت ذاته تمثل تهديدا نظرا لما لدى كوريا الشمالية من صواريخ قادرة على حملها.

هنا ينبغي أيضا التأكيد على أن ما تنتجه كوريا الشمالية من صواريخ يعتمد على نظم صواريخ سوفيتية أو صينية حصلت عليها بيونج يانج مباشرة من روسيا والصين ولم تنتجه مصانعها، ويعد الدور الكوري الشمالي هنا هو ما يشبه التجميع فيما يخص صناعة السيارات.

لماذا الآن؟

إن الإدارة الأمريكية منذ دخول جورج دبليو بوش المكتب البيضاوي في البيت الأبيض على رأس ثلة من اليمين المسيحي المتطرف تسير على شوك في نظر الكثير من المراقبين؛ فهي تنتقل من مأزق لآخر ومن أزمة لغيرها، وهي الآن -مثلما كانت دائما- في أشد الاحتياج والعوز لأي نصر على أي صعيد.

لكن هذا الوضع ليس بجديد منذ تسلم الجمهوريين مؤخرا سدة الحكم في الولايات المتحدة كما هو معلوم، ويصبح السؤال الأهم في هذا الصدد هو: لماذا الآن، وفجأة هكذا؟ والإجابة المنطقية عليه تعتمد على عدة محددات تتمثل في ضغوط داخلية نتيجة تفاقم الوضع على كافة الأصعدة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ودبلوماسيا، بشكل غير مسبوق.

فعلى الصعيد الدبلوماسي فإن هذا النصر المدوي الذي أحرزته الدبلوماسية الأمريكية، جاء بعد إخفاقات متوالية أحرزتها تلك الدبلوماسية في السنوات الخمس الماضية سواء بقيادة كونداليزا رايس مؤخرا، أو بقيادة كولن باول قبل ذلك على مدار 4 سنوات، وهما وزيرا خارجية الولايات المتحدة في عهد الرئيس جورج دبليو بوش أو بوش الابن.

والحقيقة أن الإخفاقات لا تلاحق الدبلوماسية الأمريكية فحسب، بل إن ولايتي الرئيس بوش الابن تمثلان معا أكبر إخفاق في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية سواء على المستوى الداخلي أو على الصعيد الخارجي، ومما يبرز هذه الإخفاقات أن الولايتين تأتيان بعد نجاح واضح لإدارة الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون؛ وهو ما يجعل المقارنة تهبط بكفة الإدارة الجمهورية للرئيس بوش الابن التي يسيطر عليها المحافظون الجدد أو اليمين المسيحي المتشدد، وتضعها في موقف حرج ومأزق عسير.

كذلك تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة لإدارة بوش الابن بسبب الحرب في العراق، والتي أثبتت الأيام خطأ الإدارة في شنها وتورطها في حرب كانت في غنى عنها، فضلا عن سوء إدارة الأمور في العراق بعد الغزو وتصاعد المقاومة العراقية التي يحلو للإعلام الأمريكي أن يسميها بالمتمرد، وتزايد أعداد الضحايا من الأمريكيين، وهروب المجندين من التجنيد، ووقوع من يعود منهم لأرض الوطن فريسة لأمراض نفسية وعصبية تسببت في مشاكل كثيرة.

كل ذلك أدى إلى تسليط دائرة الضوء على الخطأ الفادح الذي ارتكبته الإدارة الأمريكية الحالية بغزو العراق وتركيزه بشدة على كل صغيرة وكبيرة، وتتبع الإعلام الأمريكي لسلبياته، وهو ما نمّى حالة الرفض المتصاعدة لبقاء القوات الأمريكية بالعراق، في مقابل عجز الإدارة الأمريكية عن إيجاد مخرج لها من المستنقع الذي يشبهه البعض بالمستنقع الفيتنامي، والذي يستنزف من موازنة الولايات المتحدة الأمريكية الكثير.

وإذا أضفنا لما سبق تردي الأحوال المعيشية في الولايات المتحدة الأمريكية، واتهام الإدارة الأمريكية بسوء الأداء في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية وتفشي البطالة وعدم توفير فرص عمل، وتسريح الشركات الأمريكية لأعداد ضخمة من العاملين تقدر بعشرات الآلاف.. فإن ذلك يفسر حاجة وعوز الإدارة لإلهاء الرأي العام الأمريكي المضاد لكافة سياساتها.

ثم جاء وعمّق جراح الإدارة الأمريكية بقيادة بوش الابن إعصار كاترينا الذي وضع الإدارة في دائرة الاتهام المباشر، سواء على مستوى الاستجابة أم الاستعداد لتداعيات الإعصار والتي تسببت في خسائر فادحة في الممتلكات والأرواح لم تعهدها الولايات المتحدة منذ زمن ليس بالقليل، وزاد الطين بلة اتهام الإدارة بالعنصرية في تعاطيها لأزمة الإعصار، وتوجيه اتهام مباشر لها برعاية وإنقاذ البيض من سكان الولايات التي دهمها الإعصار المدمر وإهمالها لغيرهم خاصة السود.

يواكب كل ما سبق تراجع مستمر في قيمة الدولار، وتراجع مطرد في شعبية الرئيس بوش كما تظهر قياسات الرأي العام والتي توليها الإدارة والنظم والحكومات عناية في الدول المتقدمة، لكنه وصل كما سبق إلى مستويات غير مسبوقة.

اتفاق بطعم الصفقة

إذا ضممنا الصورتين معا في كوريا الشمالية والولايات المتحدة يمكن أن نفهم أن ما تم الاتفاق عليه كان كلا الطرفين في حاجة إليه؛ فكوريا الشمالية ليس لديها ما تخسره في هذه الصفقة، فليس لديها برنامج نووي فعليٌّ تتخلى عنه كما يروج لذلك إعلاميا، وليس لديها أسلحة نووية تتمثل في رؤوس نووية حقيقية، والشعب الكوري الشمالي اعتاد الفقر والعوز ولا يمارس أي ضغط على النظام الشمولي المستبد هناك بقيادة كيم إيل يونج.

كذلك تعهدها بالسماح للمفتشين التابعين لوكالة الطاقة الذرية يمكن أن تتراجع عنه فيما بعد إذا هي نالت ما تريد من الجانب الأمريكي المتمثل في الحصول على مفاعلين نوويين سلميين يداران بالماء الخفيف، ثم إنه ليس لديها ما تخشاه من هؤلاء المفتشين؛ لأنه ما يطلق عليه برنامج نووي كوري شمالي ليس سوى اختراع أمريكي بحت، بل يبدو أن بنود هذه الصفقة الغامضة لم تتطرق لمسألة القنبلتين النوويتين اللتين تحوزهما كوريا الشمالية.

أيضا انضمامها لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية مجرد تعهد -يتم في وقت لاحق- مرهون بتنفيذ الطرف الآخر وهو الولايات المتحدة بتعهداتها والتزاماتها، وما أيسر أن تتراجع عنه في وقت لاحق، وكلا الأمرين حدث بالفعل من جانبها سواء الانسحاب من المعاهدة الدولية لحظر انتشار الأسلحة النووية أم عدم التعاون من الوكالة الذرية الدولية.

أما فيما يخص الولايات المتحدة، فتعهداتها يمكنها التراجع عنها أيضا في وقت لاحق، والمهم لديها الآن هو وجود قضية بذلك الحجم يصرف الأنظار داخليا عن أي مشاكل، ويكفكف من حدة الانتقادات الموجهة للإدارة الحالية.

باختصار: ما أعلن عنه يشبه كثيرا صفقة أبرمت بين الجانبين خرج فيها الجميع وهو راض عن نتائجها، والجميع يعلم أيضا أن الإطار العام للاتفاق ليس إستراتيجيا ولكنه تكتيكي؛ أي مرحليا ينتهي الالتزام بمحدداته بزوال الدوافع المسببة له.

اقرأ أيضا:


** باحث مهتم بالشئون النووية.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع