|
بعد 11 سبتمبر.. أمريكا فقدت قوتها المرنة
|
|
جوزيف إس. ناي*
قراءة: شيرين حامد فهمي**
|
10/09/2005
|
|

|
|
غلاف كتاب القوة المرنة وسائل النجاح فى السياسات العالمية
|
لا
تقف التحليلات السياسية الأمريكية عند
أحداث 11 سبتمبر 2001 لتبحث تداعياتها على
ظاهرة الإرهاب العالمي، لكنها تتجاوز
ذلك بالبحث حول تساؤل هام هو: كيف أضحت
القوة الأمريكية بعد 4 سنوات من
إعلانها الحرب على الإرهاب؟
ويعد
المنظِّر الأمريكي المعروف "جوزيف
ناي" صاحب نظرية "القوة المرنة"
في العلاقات الدولية، والمتخصص في
تناول قضية "قوة أمريكا الخارجية"..
واحدا ممن تمثل آراؤهم جاذبية خاصة
داخل أمريكا وخارجها على السواء. لذا
يبدو ضروريا استعراض رؤيته حول إجابة
هذا التساؤل السابق، لا سيما أن مرور 4
سنوات على تفجيرات نيويورك يسمح
بدراسة أين تقف قوة أمريكا اليوم.
وتتلخص
رؤية "ناي" في أن استخدام
الولايات المتحدة للقوة المرنة قد
تراجع إلى أدنى درجاته خلال الأعوام
الثلاثة الأخيرة، وأن الاعتماد على
القوة العسكرية وحدها كما حدث في الحرب
الأمريكية على العراق كان سببا جوهريا
في اتجاه منحنى القوة الأمريكية إلى
الأسفل. ويشير إلى أن الهيمنة العسكرية
الأمريكية لم تعد ذات جدوى في عصر باتت
فيه المعلومات "متداولة"،
والحروب "مُخصخصة"؛ بحيث لا تقل
القوة المرنة أهمية عن القوة الصلبة،
إن لم يكن أكثر. وينتقد "ناي"
السياسيين الأمريكيين الجدد الذين
ضربوا عرض الحائط، وقللوا من أهمية
المؤسسات الدولية والقيم الأمريكية؛
باعتبارهما أداتين مرنتين تمكنان
أمريكا من تجديد وتطوير إستراتيجيتها
الأمنية في العالم.
أولوية
القوة المرنة
تعتبر
أدبيات "ناي" عن "القوة المرنة"
كعامل ثقافي في العلاقات الدولية
المنطلق الفكري الأصلي لهذا الحديث.
يفترض "ناي" في كتابه "القوة
المرنة.. وسائل النجاح في السياسة
العالمية" الذي نشر في عام 2004.. أنه
على الرغم من أهمية القوتين العسكرية
والاقتصادية، فإن استخدام العصا
والجزرة وحدهما لن يحقق هدف مواجهة
مخاطر الإرهاب عبر القومي وأسلحة
الدمار الشامل. فمحاربة الإرهاب كما
يعتقد "ناي" هي نفسها محاربة
الوهابية التي لن تتأتى إلا من خلال
المبادرة بحرب مدنية في داخل العالم
الإسلامي، تستهدف دعم المسلمين
المعتدلين لهزيمة الوهابيين.
إن
القوة المرنة -من وجهة نظر "ناي"-
أوسع من الدعاية، وأكبر من مجرد "صورة"
أو "علاقات عامة وشعبية". إنها قوة
حقيقية قادرة على حصد الأهداف، وأخذ ما
تريد عبر جذب الآخر وإقناعه باتباعك في
غير إكراه، إلا أن تلك الجاذبية
بإمكانها التحول إلى نفور إذا ما
صاحبها تصرف مغرور ومتكبر، كما تفعل
الإدارة الأمريكية الحالية.
ويسرد
"ناي" أمثلة ناجحة حول تطبيق مثل
هذه "القوة"؛ فيذكر إذاعة Radio Free
Europe التي استخدمتها الإدارة الأمريكية
في أعقاب الحرب العالمية الثانية
للتأثير على الأوربيين، ويذكر الطلاب
الصينيين الذين استخدموا نموذج تمثال
الحرية الأمريكي في مظاهراتهم، ويذكر
الطلاب الإيرانيين الذين تأثروا
بالمحطات التليفزيونية الأمريكية عبر
الأقمار الصناعية.
عصر
المعلومات والقوة المرنة
ويقسم
"ناي" القوة إلى ثلاث فئات:
1)
أن تحصل على ما تريد بالقوة والتهديد.
2)
أن تحصل على ما تريد بالإغراءات
المالية.
3)
أن تحصل على ما تريد بجذب الآخرين،
وجعلهم يحبون فعل ما ترغبه.
ويؤكد
على أن عصر المعلومات قد عمق من تأثير
الفئة الثالثة. ومن ثم ينصح الإدارة
الأمريكية بمضاعفة جهودها
الدبلوماسية الشعبية؛ فكما سعت
الولايات المتحدة للوصول إلى أكبر قوة
صلبة، فهي مطالبة الآن ببذل كل ما في
وسعها للوصول إلى أكبر قوة مرنة في
المستقبل. ويقتبس "ناي" هنا
مقولة "نيويت جينجريتش" المتحدث
السابق باسم الكونجرس: "إن المفتاح
الحقيقي ليس: كم من الأعداء أقتل؟،
ولكن: كم من الحلفاء أكسب؟". ولذا
ينتقد "ناي" حرب العراق؛ كونها
أضرت بالقوة الأمريكية، مؤكدا أن
التاريخ لا يقف دائما في صف ذوي الجيوب
العميقة أو الذخائر العظيمة.
وفي
مقال له بـ"إنترناشيونال هيرالد
تريبيون" في يناير 2003 تحت عنوان "البروباجندا
ليست الطريق وإنما القوة المرنة"،
يشير "ناي" إلى أن سياسة الجذب
التي تعتمد عليها القوة المرنة أرخص
كثيرا من سياسة الإرغام التي تعتمد
عليها القوة الصلبة. وهذا الجذب يجب أن
يقوم على المصداقية، لا أن يكون مجرد
دعاية فقط. ومن ثم إذا أراد "البنتاجون"
تطوير القوة المرنة الأمريكية؛ فعليه
أن يعلم جيدا أن ذلك لن يكون من خلال
حملات البروباجندا العسكرية، وإنما من
خلال إحساس أكبر بآراء الآخرين في
تشكيل السياسات العالمية. كما ينصح "ناي"
الإدارة الأمريكية قائلا: "بما أن
أمريكا تمتلك الآن العصا الكبيرة،
فيجب أن تتعلم كيف تتحدث بنعومة".
وتبعا
لذلك يفيد "ناي" في مقال آخر بمجلة
"فورين آفيرز" الأمريكية تحت
عنوان "القوة والإستراتيجية
الأمريكية بعد العراق" أن الهيمنة
العسكرية الأمريكية ليست دليلا على
القوة الأمريكية، وأن الاعتماد المفرط
على القوة العسكرية لن يكفي لدحر
الإرهاب طويل المدى والذي يحتاج إلى
تعاون مدني دءوب مع دول أخرى في شتى
المجالات، من حراسة الحدود، إلى
مراقبة تدفق الأموال، إلى أعمال
الشرطة، ومن
ثم فإن أفضل إجابة على الشبكات
الإرهابية عبر القومية هي إيجاد شبكات
تعاونية في تلك المجالات.
الهيمنة
العسكرية لم تعد المعيار
|

|
|
المفكر الأمريكى جوزيف ناي
|
يفترض
"ناي" أن الهيمنة العسكرية لم تعد
مقياسا في عالم قد تغير بشدة في
السنوات العشر الماضية (الثورة
التكنولوجية، دمقرطة المعلومات،
خصخصة الحرب). والدليل على ذلك أنه
بالرغم من التفوق الأمريكي في القوة
الصلبة، فإنه لا يواجهه تفوق مماثل على
الأصعدة الأخرى. فليس سرا أن الولايات
المتحدة عاجزة عن اللحاق بالتحول
التجاري في السياسة الدولية، من
العولمة، إلى دمقرطة التكنولوجيا، إلى
خصخصة الحرب. وليس سرا أن الولايات
المتحدة على الرغم من كونها أقوى
الإمبراطوريات في التاريخ تفتقد
السيطرة على ما يحدث في داخل البلدان،
بعكس الإمبراطورية البريطانية مثلا.
وكذلك
فهي تفتقد القدرة الدولية والمحلية
لحل النزاعات الداخلية في البلدان
المختلفة؛ الأمر الذي يحيلنا إلى ذلك
التناقض الغريب في القوة الأمريكية؛
فهي أكبر قوة عالمية منذ الإمبراطورية
الرومانية، ومع ذلك تقف عاجزة مكتوفة
الأيدي أمام تحولات السياسة الدولية.
وتلخيصا
لهذه النقطة يؤكد "ناي" على أن
القوة العسكرية وحدها ما عادت تكفي
لإحراز الهيمنة أو التغلب على
التهديدات عبر القومية، سواء المخدرات
أو الأمراض أو الإرهاب.
لا
للأحادية الأمريكية
بناء
على هذه الأفكار ينتقد "ناي"
أصحاب الفكر الأحادي المسيطرين على
الإدارة الأمريكية الحالية، والذين
يوجهون الدفة في حرب العراق الراهنة
متوهمين أن انخلاعهم عن إطار التعددية
الدولية سيعضد من هيمنة الولايات
المتحدة في المستقبل.
ويذكر
"ناي" أن هذه الأحادية المتوهمة
لا يمكن تحقيقها على عدة مستويات:
اقتصاديا: لن تستطيع الإدارة
الأمريكية تحقيق تلك الأحادية لأن
مصالحها التجارية والتمويلية ترتبط
بموافقة الاتحاد الأوربي واليابان.
مستوى
القضايا العالمية الكبرى: لن تستطيع
الولايات المتحدة حل القضايا عبر
القومية مثل الإرهاب والهجرة غير
الشرعية، وانتشار المخدرات، والأمراض
بمفردها، أو بطريقة أحادية تتجاهل
المؤسسات الدولية؛ كما أن تجاهل مثل
هذه المؤسسات سيُضعف من القيم
الأمريكية المتمثلة في الديمقراطية
والعدالة، وبالتالي تفقد كثيرا من
عناصر قوتها المرنة في عصر صار يعترف
بشدة بهذه القوة.
ويخلص
"ناي" إلى استنتاج يقول: إن
تجاهل قيمة القوة المرنة وقيمة
المؤسسات الدولية من قبل الأحاديين
الجدد new
unilaterlists القائمين الآن على الإدارة
الأمريكية سيحرم واشنطن من استخدام
أهم أدواتها لتطبيق إستراتيجية أمنية
جديدة.
ويلاحظ
أن "ناي" لا ينفي في الوقت نفسه
أهمية القوة الصلبة التي يعتبرها
ضرورة ملحة في عالم الدول القومية.
لكنه يقر بأن القوة المرنة باتت أيضا
ضرورة ملحة في مواجهة الأزمات عبر
القومية التي أضحت في أمسِّ الحاجة إلى
تعاون الولايات المتحدة مع باقي
الدول؛ وهو ما يتطلب أن تصير السياسات
الأمريكية شرعية و"جذابة" في أعين
باقي الدول. ولذلك يناشد "ناي"
الإدارة الأمريكية المتورطة حاليا في
حرب العراق المسارعة في تدشين
إستراتيجية جديدة لحفظ القوة المرنة
وجعلها إطارا للعمل. ويؤكد أن هذا
الأمر لن يكون ممكنا دون تنحية أفكار
وتصورات الأحاديين الجدد.
موجز
القول هو أن
"ناي" يأسف على تهوين الإدارة
الأمريكية الحالية (الأحادية الجديدة)
من شأن القوة المرنة في حرب الإرهاب،
وينتقد إستراتيجية الرئيس "جورج بوش"
الحالية التي نقضت وخالفت نصيحة
الرئيس الأمريكي السابق "روزفلت"
التي تقول: "يجب التحدث بمرونة في
وقت الإمساك بالعصا الكبيرة". فقد
تحدى "بوش" -برعونته السياسية- ذلك
التقليد السياسي الأمريكي الذي كان
سائدا بعد الحرب العالمية الثانية،
حينما كانت إستراتيجية "الاحتواء"
تقوم على مزيج متكامل يجمع بين القوتين:
الصلبة والمرنة؛ الأمر الذي أدى إلى
إنهاء الحرب الباردة لصالح الولايات
المتحدة.
اقرأ
أيضا:
بروكينجز:
الثقافة لمحاربة الإرهاب بعيد
المدى
أمريكا
تتجمل أمام المسلمين.. كلاكيت ثالث
مرة
مسلمو
أميركا: حصاد 3 أعوام بعد 11 سبتمبر
أميركا
بين الانفجارات وصراع الحضارات
التأله
الأمريكي في العالم
تحديات
النظام العالمي الجديد
المحافظون..
من رؤى المجتمع إلى العولمة
والإمبريالية
*كاتب وأكاديمي أمريكي متخصص في أدبيات "القوة المرنة". **باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
|