English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

ساحة الحوار    -    دليل المواقع

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الغوث العربي.. البعيد أولى

2005/09/08

خالد حنفي علي**

مساعدات الإغاثة الدولية تتدفق لضحايا الإعصار كاترينا

يثير العون الإغاثي العربي الذي تدفق بمئات الملايين من الدولارات إلى ضحايا الإعصار كاترينا في الولايات المتحدة الحديثَ مجددا حول الخلل في هذا العون الذي نراه في أزمات تمسنا مباشرة إما ضعيفا دون تأثير فعال معتمدا على معونات رمزية كما حدث في النيجر وقبلها في الصومال والسودان، وإما صامتا كما حدث في مأساة جسر الأئمة في العراق التي قتل فيها أكثر من ألف شخص.

ولئن كان هذا العون العربي لمنكوبي كاترينا يأتي على خلفية العلاقات المشتركة أمنيا وسياسيا واقتصاديا بين الولايات المتحدة والدول العربية خاصة دول الخليج، فإنه لا يوجد مسوغ لضعف هذا العون داخل المناطق العربية نفسها والدول المجاورة لها، والتي لا تقل أهمية عن الولايات المتحدة من منظور المصالح السياسية والاقتصادية.

العون الإغاثي.. دور سياسي واقتصادي

ولو وجد عون عربي -مادي ومعنوي- مشترك موجه إلى ضحايا جسر الأئمة، لأمكن خلق محفزات إيجابية في العلاقات بين سنة المنطقة وشيعتها، لا سيما أن حادث الجسر أحدث تقاربا ولو ضئيلا بين السنة والشيعة بالعراق. وعلى النقيض؛ فقد انعكس غياب هذا العون العربي سلبيا إلى الحد الذي ساعد الرئيس "جلال طالباني" أن يشن هجوما على الدول العربية قائلا: "العراقيون لن يستجدوا أشقاءهم العرب، والعراق لن يموت جوعا إذا قطعت تلك الدول مساعداتها عن العراق.. العرب لم يواسوا العراقيين نفسيا".

لا ينفي ذلك بالطبع ضرورة توجيه العون الإغاثي العربي لمناطق منكوبة خارج المنطقة بغض الطرف عن الدولة التي يوجه إليها، فهذا اعتبار إنساني بالدرجة الأولى. بيد أن الأمر لا بد أن يدرس أيضا بمعيار التأثير الاقتصادي والسياسي والإعلامي، وضرورة وضع الخصائص الاقتصادية للدولة المتلقية للمعونات وحجم الكارثة موضع المقارنة.

وبمعيار التأثير الاقتصادي، فإن مردود ما أعلنته بعض الدول العربية من تقديمها مساعدات إغاثية إلى منكوبي الإعصار كاترينا، ومنها: الكويت 500 مليون دولار، وقطر 100 مليون دولار، والبحرين 5 ملايين دولار، ومصر بمساعدات طبية وغذائية، وأعلنت السعودية عن مساعدات لم تحدد طبيعتها، يقل كثيرا لدى مقارنته بالتأثير المماثل الذي يمكن أن يحدث في حالات مثل العراق أو السودان أو النيجر. فالولايات المتحدة تستطيع تحمل تكلفة إعصار كاترينا التي بلغت أكثر من مائة مليار دولار، وهي نصف موازنة الحرب التي شنتها ضد العراق للسيطرة على موارده النفطية، في حين لا تستطع الدول العربية أو المجاورة أن تتحمل التبعات الاقتصادية لكوارث مماثلة حتى لو انخفض الرقم عن مائة مليار دولار بكثير.

أما المردود السياسي والإعلامي -وهو جزء لا ينفصل عن سياق وأهداف تقديم العون الإغاثي- فيكفى لبيان أهميته تذكر أن الجهود الإنسانية العربية في أزمة دارفور خلال عامي 2004 و2005 أدت إلى تخفيف وطأة تهويل الإعلام الغربي بأن هناك إبادة جماعية في هذا الإقليم من جانب، ومحو الصورة التي يراد ترسيخها من أنه صراع بين قبائل عربية وأخرى من أصل أفريقي من جانب آخر، فالمساعدات كانت تذهب للأفارقة والعرب على حد سواء.

وخلاصة ذلك أنه يمكن للدول العربية أن تفعِّل من دورها الإغاثي فرادى ومجتمعة، وأن تعتبره عاملا محفزا لتحقيق مصالحها الخارجية، وإحداث تقارب عربي عربي وآخر عربي دولي. وهذا لن يكون دون معرفة مكامن الخلل القائم أمام تفعيل هذا الدور ووضع إستراتيجيات ملائمة لمعالجته.

أين الخلل؟

يرجع الخلل في تقدير الأولويات والأجندة الإغاثية العربية بالأساس إلى جملة من العوامل المتشابكة، تبدأ بضعف الدور الإغاثي لدى الحكومات العربية كأحد أدوات تحقيق مصالحها الخارجية، مرورا بكبت مبادرات المجتمع المدني على مستوى الداخل، وانتهاء بضعف ثقافة الإغاثة ومقوماتها المؤسسية في عالمنا العربي. ذلك على الرغم من الحديث الذي لا يمل عن قيم الإحسان والعطاء وإغاثة الملهوف في التراث العربي والإسلامي.

والحكومات العربية تتعامل مع الإغاثة انطلاقا من تاريخها التسلطي الذي ينظر للعمل الإنساني وكأنه ليس له مردود سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي. وهذا عكس الاتجاه السائد عالميا، والذي يسعى لدمج المساعدات الإنسانية في إطار العمل السياسي عند الاستجابة للكوارث. وهو الأمر الذي تم فعليا حينما تعاملت الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي مع أزمات صربيا وجنوب السودان وكوريا الشمالية وأفغانستان ودارفور.

ولعل هذا التداخل العالمي الحالي بين ما هو إنساني ومصالح الدولة ينعكس على تقدير الاحتياجات الإغاثية بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، تعهدت الدول المانحة بتوفير مبلغ 207 دولارات أمريكية لكل شخص في كوسوفا عام 1999، في حين أنفقت 16 دولارا أمريكيا فقط للشخص في سيراليون في العام نفسه رغم أن الاحتياجات الموضوعية للأخيرة ربما فاقت الأولى بكثير باعتراف المنظمات الإنسانية نفسها.

من هنا ربما يفهم البعض أن العون الخليجي لضحايا كاترينا ينطلق من إدراك طبيعة العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة التي تلعب دور الحامي العسكري لبعض بلدان الخليج، لكن يصعب فهم لماذا لا تقدم كافة الدول العربية الجهود الإغاثية اللازمة لمواجهة حالات تدهور الدولة في الصومال، أو الوفاء بتعهداتها المالية للفلسطينيين، أو دفع جهود العون والإغاثة للشعب العراقي المتضرر الأكبر من الاحتلال والصراعات الفئوية الداخلية؛ فالعراق والسودان وفلسطين -وبإعمال المنطق السياسي المصلحي- هم الأكثر تأثيرا على وضع المنطقة العربية ككل.

وبنفس الطريقة، فقد شاب دور مصر الإغاثي تجاه السودان الكثير من القصور رغم الأهمية الإستراتيجية التي تمثلها منطقة جنوب السودان للمصريين. فالتحرك المصري الإغاثي تأخر جدا وظل محدودا في الثمانينيات، ثم عادت مصر لترسل مرة أخرى معونات أسقطتها جوا عام 1998 لمواجهة المجاعة في الجنوب في إطار برنامج الأمم المتحدة الذي هيمنت عليه منظمات أجنبية غير حكومية مدعومة أمريكيا وأوربيا. وانقطع الأمر بعد ذلك، حتى مساعدات لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء في العامين الأخيرين.

ويرى بعض المراقبين أن مصر لو لعبت دورا إنسانيا فعالا منذ بدء مأساة جنوب السودان لأمكنها بالطبع معرفة ماذا يمكن أن تسفر عنه فترة السنوات الست القادمة -وهي المرحلة الانتقالية التي نصت عليها اتفاقات السلام المبرمة بين الحركة الشعبية لتحرير السودان مع الحكومة في يناير 2005- ولأمكنها أيضا إيجاد بيئة ممهدة لاستقبال استثمارات مصرية وعربية في هذه المنطقة.

والملاحظ أن الإغاثة العربية ما زالت تتأثر بالعلاقات السياسية بين الدول، فأحد أسباب ضعف الدور الإغاثي المصري في جنوب السودان خلال فترة التسعينيات يعود للتوتر الذي شهدته العلاقات بين البلدين، وهو أمر لا يحدث في تعامل الدول بصفة عامة مع مساعدات العون الإنساني. ودليل ذلك مساعدة الولايات المتحدة لإيران عقب "زلزال قم" في بداية عام 2005، وقيام إيران بعرض مساعدة مماثلة عقب الإعصار كاترينا رغم حالة العداء الشديد بين الدولتين. وهكذا فعلت واشنطن سابقا مع الخرطوم؛ حيث ساهمت الولايات المتحدة بتمويل 68% من برنامج "شريان الحياة" الذي يعتبر أكبر عون إنساني لمنطقة جنوب السودان في الفترة من 1989 إلى 2001 وفقا لبيانات الأمم المتحدة.

المجتمع الأهلي والإغاثي

ثمة عامل آخر هام أسهم في ضعف الدور الإغاثي العربي، وهو البنية الهشة للمجتمع المدني العربي الذي يفتقر إلى تقديم مبادرات في هذا المجال، نظرا لارتباط تمويله بالخارج، وممارسته لهذا الدور في النطاق العربي بالأمر المباشر أو غير المباشر من الدولة العربية التي تحتكر الوظائف المفصلية داخل المجتمع، مثل التشريع والأمن والإعلام والتعليم والاقتصاد والثقافة.

ويؤكد ذلك أن المبادرات الإغاثية العربية للولايات المتحدة رسمية بالدرجة الأولى أو تصدر بأوامر رسمية للجمعيات الخيرية، كما أن التحركات الإنسانية في دارفور جاءت بتوجيه من قبل الدولة.

وحتى إذا قاوم المجتمع المدني هذا الاحتكار السلطوي، سيجد أمامه ثلة من القوانين المقيدة لأي مبادرات فردية للعمل الخيري التطوعي يشهد عليها تلك الشروط التي تضعها الدول لتأسيس جماعة أهلية غير حكومية. والنتيجة الحتمية أن يركن الناس إلى الخلود والانفصال عن قيمهم في مساعدة الجار العربي بعد أن تم التضييق على حقهم الطبيعي في التنظيم والتحرك.

ومن جانب آخر يهيمن على المؤسسات الخيرية العربية ناشطون محترفون غالبا ما ترتبط أجندتهم بأولويات الممولين الغربيين والتي لا تعكس في النهاية المشكلات الحقيقية للمجتمع العربي.

وحتى إذا ما تم القيام بأي شكل من أشكال الغوث العربي، تبرز مشكلة أخرى هي غياب أدنى قدر من التنسيق الرسمي أو غير الرسمي في المناطق التي يتم إغاثتها. وعلى سبيل المثال، سمحت ليبيا للقوافل الأمريكية بفتح ممرات إغاثة لمرور القوافل "الإنسانية" الأمريكية من أراضيها صوب إقليم دارفور في فبراير 2005، لكن تم ذلك دون التشاور مع الحكومة السودانية.

وكان مبعث القلق السوداني أن عمليات توزيع الإغاثة من قبل المنظمات الغربية يتخذ طابعا سياسيا انتقائيا؛ وذلك عبر التركيز على معسكرات النازحين الذين ينتمون لقبائل المتمردين على حساب المعسكرات الحكومية، في محاولة لتقوية موقف المتمردين المناوئ للحكومة في إقليم دارفور.

وبالإضافة إلي ما سبق، فإن هناك غيابا للكفاءة الإغاثية العربية، فلا يكفي إرسال مساعدات إنسانية للمنطقة المنكوبة للعب دور إنساني يحقق مصالح الدول، فعملية الإرسال تسبقها عمليات أخرى تبدو غائبة في العالم العربي من قبيل التأهب للإغاثة؛ أي رصد مناطق الأزمات والأماكن المعرضة لحدوث نكبات، وتوفير المؤن، وتدريب أعضاء الفريق، ومعرفة الاحتياجات المتوقعة للمنكوبين، ثم الاستجابة للإغاثة أي السرعة في الإرسال، ثم مرحلة ما بعد الإغاثة التي يجنى فيها جني الثمار واستمرار التواصل.

ويرتبط تلافي سلبيات العون الإغاثي العربي بتطوير مفهوم العمل الإغاثي العربي من مجرد رد الفعل الوقتي إلى التواصل التنموي المستديم؛ فإعمار بعض المناطق في العالم العربي كزراعة الأراضي السودانية قد تدخل في باب العون الإغاثي للعرب كلهم وليس للسودان وحده. وكذلك فإن مساعدة العراقيين في هذه الأثناء تنزع الشكوك حول عروبة العراق وإن نص الدستور على غير ذلك.

كما أن الدولة العربية مطالبة بإيجاد رؤية إغاثية عربية تقوم على الترابط والتنسيق الرسمي والأهلي بين الجمعيات التي تعمل في مناطق الكوارث، وتوفير تسهيلات للعمل الأهلي، وإعطاء مزايا لمن يعمل في مناطق الكوارث.

إن العون الإغاثي أصبح أحد أدوات رسم مناطق النفوذ الاقتصادي والسياسي والثقافي في العالم. وإذا لم ندرك ذلك فسنفاجأ بمواقف لم نكن نحسب لها حسابا سواء في العراق أو السودان أو غيرها من المناطق التي تمس مصالحنا العربية المباشرة.

اقرأ أيضًا:


** باحث وصحفي.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع