|
|
|
د. عبد المنعم سعيد
|
صباح
يوم الخميس القادم سوف يستيقظ المصريون وقد
انتهت أول انتخابات رئاسية تنافسية في تاريخ
مصر، وبغض النظر عن النتيجة فإن الانتخابات
سوف تستغرق وقتا غير قليل من المحللين حتى
يمكن فهمها، وربما يؤجل بعضنا التقييم كله
حتى تنتهي الانتخابات النيابية لكي تكتمل
الصورة، أو يرى البعض الآخر عدم وجود مدعاة
للاهتمام من الأصل لأن المقاطعة كانت سبيله
إلى السياسة.
ولكن
أيًّا كان التوجه السائد فإن هناك مجموعة من
القضايا الكبرى التي لم يعد بوسعها الانتظار،
والتي أصبحت أكثر إلحاحا على رئيس الجمهورية
بفعل فصول المعركة الانتخابية، وما جرى فيها
من مناقشات وحوارات جرى بعضها في مؤتمرات
المرشحين، وجرى بعضها الآخر على شاشات
التلفزيون، وجرى بعضها الثالث من خلال
الصحافة الحزبية والقومية والمستقلة.
وببساطة وأيا كان الفائز في الانتخابات
المقبلة؛ فإن الرئيس المنتخب عليه أن يبدأ
فورا في البناء على ما جرى خلال المعركة
الانتخابية، ويستمر في حشد الناس وتعبئتهم
وراء جدول أعمال لم يعد ممكنا تأجيله.
الدستور:
المهمة الأولى
وربما
لم يوجد توافق وطني على أمر خلال المرحلة
المقبلة قدر ضرورة التعامل مع الدستور الحالي
للبلاد، ومراجعة المسألة الدستورية في مصر
بحيث تقود العملية كلها إلى نظام سياسي جديد
يقوم على أسس دستورية تختلف عما تعودناه منذ
عام 1971 وحتى الآن. ونقطة البداية في الموضوع
هي أنه لم يعد هناك في بر مصر من يعتقد في
كفاءة الدستور الحالي، وقدرته على إدارة
الحكم في البلاد بطريقة تكفل مشاركة الناس في
اتخاذ القرارات السياسية. ونقطة النهاية هي
أن المراجعة للدستور عليها أن تأخذ بيد
البلاد لكي تقيم نظاما ديمقراطيا على الطريقة
التي تعرفها دول العالم المتقدم
الديمقراطية، وليس دول العالم المتخلف التي
باسم الخصوصية تقيم نظما تسميها
بالديمقراطية الشعبية تارة، وديمقراطية
العمال والفلاحين تارة أخرى، وديمقراطية
الكادحين أحيانا ثالثة. وما بين نقطة البداية
والنهاية توجد المهمة الأولى لرئيس
الجمهورية صباح اليوم التالي لفوزه وحصوله
على شرعية أصوات الناخبين وتفويضهم في القيام
بأهم خطوات الإصلاح السياسي في الدولة.
وبصراحة
كاملة فإن المهمة لم تعد عملية تعديل إضافية
للدستور، فقد جربنا كيف أن تعديل مادة واحدة
رقم 76 قد أدى ليس فقط إلى كثير من الغضب
والمقاطعة من قبل قوى سياسية معارضة، وإنما
أيضا أدى إلى مخالفة التقاليد الدستورية
الأصيلة للدول المتقدمة، فلم يعد لدينا مادة
عادية من مواد الدستور وإنما "سوبر مادة"
تجمع ما بين المبادئ والقواعد والإجراءات.
ولما كان هناك تخوف من أن القانون الخاص
بالانتخابات الرئاسية المستند إلى هذه
المادة قد يتعرض للطعن بعدم الدستورية فقد
جاءت عملية عرض القانون لعملية الرقابة
المسبقة غير المسبوقة في التقاليد الدستورية
والمهددة لسلطة المحكمة الدستورية العليا.
وبالفعل فإن المحكمة المحرجة وجدت نفسها تقر
بوجود سبع مواد في القانون يشتبه في عدم
دستوريتها وردتها إلى مجلس الشعب لتعديلها.
والحقيقة
أن القصد هنا ليس العودة إلى قصة الشهور
الماضية وما جرى فيها، ولكن الدرس الذي
نتعلمه منها هو أن الدستور كيان عضوي له
فلسفته ومبادئه الأساسية وبنوده وتفاصيله
وشروحه. ورغم أن كل دساتير العالم يجري
تعديلها، فإن وجود تعديلات جوهرية لها علاقة
بفلسفة الدستور وأصوله تستدعي في العادة وضع
دستور جديد. وخلال الحملة الانتخابية
الرئاسية جرى توافق وطني واسع على هذا
الموضوع، وكانت الدعوة الأساسية لحزبي الوفد
والغد هي وضع دستور جديد للبلاد، ورغم أن
الرئيس مبارك والحزب الوطني الديمقراطي لم
يتبن مباشرة الدعوة إلى دستور جديد للبلاد،
فإن المبادئ الأساسية التي وضعها الرئيس في
أكثر من خطاب هي من الجوهرية والعمق بحيث إنها
تقدم لعملية تغيير عميقة في الدستور يستحسن
معها أن تكون جزءا من عملية شاملة بدلا من أن
تكون جزءا من عملية "ترقيع" لا تتحملها
وثيقة باتت فلسفتها القادمة من قلب الستينيات
والحرب الباردة والاشتراكية التي عفَّى
عليها الزمن لا تتناسب مع مقتضى الحال
واحتياجات البلاد.
وإذا
كان الأمر كذلك فإن الرئيس المنتخب عليه فورا
تشكيل لجنة قومية مكونة من شخصيات قانونية
وتشريعية مرموقة، تنتمي إلى كافة الاتجاهات
السياسية في الحكم والمعارضة، تكون مهمتها
الأساسية ليس وضع دستور للبلاد، وإنما إدارة
الحوار الوطني حول الموضوع بين الأحزاب
السياسية وجماعات المجتمع المدني خلال فترة
زمنية محددة بحيث تنتهي اللجنة إلى تقرير
يحدد مبادئ التوافق الوطني حول المسألة
الدستورية في جوانبها المختلفة، والمسار
التشريعي الواجب من أجل وضع دستور ديمقراطي
جديد للبلاد. إن تشكيل هذه اللجنة ومضيها قدما
في اتجاه فحص الموضوع خلال الفترة القصيرة
المقبلة هو الذي سيعطي المصداقية لوعود
الحملة الانتخابية، بل ويعطي للحوار الذي جرى
خلال الحملة معنى حقيقيا.
لجنة
قومية لمواجهة الإرهاب
وإذا
كان الموضوع الدستوري قد أخذ الكثير من الوقت
والاهتمام خلال الفترة التي مضت منذ إتمام
التعديل الدستوري وحتى انتهاء الانتخابات
الرئاسية، فإن قضية الإرهاب لم تأخذ ما
تستحقه. فرغم حدوث عدد من العمليات الإرهابية
خلال هذه الفترة كان أكثرها بشاعة تلك التي
جرت في مدينة شرم الشيخ، فإن موضوع الإرهاب لم
يلق ما يستحقه من مناقشة وحوار خلال الحملات
الانتخابية المختلفة. ولولا أن الرئيس مبارك
طرح مسألة وضع قانون خاص بالتعامل مع
الإرهاب، مع رفع حالة الطوارئ، لكان الموضوع
قد تم تجاهله. ورغم الاستيقاظ ذات صباح من
أيام الحملة الانتخابية على وجود حملة عسكرية
تجرى على أرض سيناء تجاه عدد غير معلوم من
الإرهابيين، يحتلون جبالا وكهوفا، ويقودون
معارك سقط فيها شهداء من الشرطة جنودا وضباطا
برتب رفيعة فإن المرشحين المختلفين لم يعطوا
المسألة ما تستحقه من اهتمام. وإذا كنا سوف
نعتبر معركة الانتخابات الرئاسية المصرية،
وما سيتلوها من انتخابات نيابية، وإصلاحات
سياسية ودستورية، بداية انطلاق عظمى لمصر نحو
الإصلاح الشامل والتقدم؛ فإن المطلوب الآن هو
وضع قضية الإرهاب والتخلص منه مرة أخرى على
رأس أولوياتنا الوطنية.
ومرة
أخرى ففي صباح اليوم التالي لانتخاب رئيس
الجمهورية نحتاج إلى لجنة قومية للتحقيق في
الأسباب التي أدت إلى عودة الإرهاب مرة أخرى
إلى مصر بعد أن كانت أول بلاد العالم في
التخلص منه. ومنذ حادث الأقصر البشع في نوفمبر
1997، وحتى حادث طابا في أكتوبر 2004 كانت مصر
تفاخر الأمم بنجاحها في مقاومة الإرهاب
والتخلص منه. فما الذي جرى حتى عاد الإرهاب
مرة أخرى إلى مصر، وهل الإرهابيون الجدد هم
الإرهابيون القدامى أم أن هناك جماعات جديدة
من الإرهابيين؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن هم؟
ومن أين يأتون؟ وكيف تحولوا من مواطنين
صالحين إلى إرهابيين يقتلون المصريين،
ويقتلون اقتصاد مصر؟ وهل لدى الشرطة ما يكفي
من الموارد والأموال والقدرات والتدريب لكي
تقوم بمهمتها المقدسة للدفاع عن أمن مصر؟ وهل
صحيح ما ورد في تقرير المجلس القومي لحقوق
الإنسان عن حدوث مخالفات كبرى لحقوق البشر في
سيناء إلى الدرجة التي خلقت نوعا من الرغبة في
الانتقام؟.
وبالتأكيد
فإن هناك أسئلة كثيرة تتعلق بالموضوع، وتحتاج
إلى إجابة حقيقية عليها حتى يمكن تكوين جبهة
وطنية تواجه الإرهاب، وما لم تتكون هذه
الجبهة فإن الشرطة وحدها -كما هو الحال في كل
بلاد العالم- لا تستطيع مواجهة الخطر.
وبالتأكيد فإن القضية هنا ليست إلقاء اللوم
على طرف أو أطراف، وإنما القضية هنا هي خطورة
الموضوع وتأثيراته الكبرى على حياة المصريين
واقتصادهم. وهنا تحديدًا تكمن أهمية اللجنة
القومية لمقاومة الإرهاب؛ فمهمتها ليست فقط
البحث عن جوانب القصور في إجراءاتنا الحالية
للتعامل مع الإرهاب، وإنما البحث في كيفية
تعبئة الجماهير والناس للمشاركة في المواجهة.
فالإرهابي لا يولد بين يوم وليلة، وهو لا يظهر
مثل الطبيعة مع ظهور الصباح، وإنما هو تكوين
بشري يجري تدريبه وتركيبه فكريا وبدنيا عبر
فترة من الزمن تحت أعيننا وأمام بصيرتنا،
ولكننا لا نراه، ولا نهتم به حتى يقوم
بتفجيرات أو يفجر نفسه عبورا من الحياة إلى
الموت.
الإفراج
عن المعتقلين
وإذا
كانت اللجنة القومية للإعداد لدستور جديد
لمصر هي التي ستؤشر في اتجاه مصداقية الإصلاح
السياسي وعزم مصر الأكيد على أن تعبر من
التخلف إلى التقدم، ومن اللاديمقراطية إلى
الديمقراطية، ومن الماضي إلى المستقبل؛ فإن
اللجنة القومية لمقاومة الإرهاب هي التي
ستحمي هذه التحولات العظمى من عمليات التدمير
المنظمة للعقول والبشر والموارد. وعندما يذهب
رئيس الجمهورية إلى مكتبه بعد إعلان انتخابه؛
فإن أصوات المصريين التي كانت معه لم تكن
للمبايعة الشخصية، وإنما من أجل رسم الطريق
إلى مصر مختلفة عن مصر التي نعرفها؛ تحقق
معدلات عالية للنمو، ويتمتع فيها الأفراد
بالحرية والأمان وحماية القانون. ولذلك
فلماذا لا يكون واحد من أول القرارات التي
يوقعها الرئيس قرار الإفراج عن جميع
المعتقلين الذين لا توجد أحكام عليهم، أو
انتهت فترة عقوباتهم، أو هؤلاء الذين لم توجه
لهم اتهامات محددة من قبل النيابة العامة؟
فإذا كان واحد من شعارات الحملة الانتخابية
أن يكون المصريون أحرارا في وطن حر.. فلماذا لا
يكون تطبيق هذا الشعار أول قرارات الرئيس؟
اقرأ
أيضًا:
*
نقلا عن جريدة الأهرام، 5 أغسطس 2005.
**
مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.