|
|
|
د. محمد السيد سعيد
|
أكبر
المكاسب التي حققتها بلادنا في الانتخابات
الرئاسية الحالية هو التغطية الإعلامية
المتميزة للحملات الانتخابية؛ فبغض النظر
عن درجة الحياد الإعلامي نشطت هذه التغطية
العقل السياسي المصري، وقادته لمناقشة
نقدية مثيرة وغير مسبوقة لكثير من القضايا
الكبرى التي انحصرت مناقشتها من قبل في
المنابر الأكاديمية والثقافية الراقية.
قراءة
الحملات الانتخابية
ولأول مرة يمكن لعامة الناس أن يطلعوا على رؤى
مختلفة إلى حد ما لبعض المشكلات القومية
الكبرى، وأن يكونوا بأنفسهم جهات نظر خاصة
بهم، وأن يناقشوها مع غيرهم بقدر كبير من
الاهتمام والسخونة، ولا بد بالطبع من إجراء
بحوث ميدانية للتعرف بدقة على ما ترسب في
الوعي الاجتماعي من عملية التعلم الكبرى هذه؛
حتى يمكننا أن نقدر العائد التعليمي والثقافي
والسياسي لهذه الانتخابات.
أحد
أهم جوانب عملية التعليم هذه هو أن نتعلم
كيف نقرأ الحملات الانتخابية قراءة مقارنة،
وأن نصنع جدلا بينها إن لم يكن هذا الجدل قد تم
بصورة مباشرة وواضحة بذاتها عبر مناظرات
يشاهدها الناس في المنابر الإعلامية الكبرى؛
فمن الطبيعي أن تحاول الحملات الانتخابية أن
تركز عقل الناس ونظرهم على جوانب القوة في
أفكار وبرامج كل مرشح، مقابل إخفاء مناطق
الضعف والانكشاف في أدائه أو برامجه وأفكاره،
هذه هي وظيفة الحملات الانتخابية في
المجتمعات الديمقراطية، أما وظيفة المحلل
السياسي والإعلامي فهي أن يكشف مناطق الضعف
هذه، ليس لكي يدفع الناس للتصويت في اتجاه
معين، وإنما ليعينه على بناء تقدير واقعي
ومتوازن لهذه الحملات من زاوية ما يمكن أو ما
يجب أن يهمه كمواطن، ويقوم هذا المحلل
بوظيفته بامتياز عندما يعلم الناس أيضا أنه
لا يوجد مرشح أو برنامج كامل ولا حل مطلق أو
مجاني للمشكلات الكبرى؛ فهو يصوت في
الحقيقة لحزمة من الأفكار والسياسات التي قد
تحل مشكلة على حساب إهمال أو حتى تعقيد مشكلة
أخرى، وربما تجاهلها كلية، وبذلك يكون
التصويت فعلا واعيا بذاته وبناء لمسئوليات
المواطنة ولثقافتها.
لنفعل
ذلك بأكبر قدر ممكن من الإيجاز والاختصار
مراعاة للمساحة المتاحة برصد جدل الحملات
الانتخابية بصورة كلية.
تهميش
القضية الدستورية
أول
ملامح هذا الجدل هي أن الحملات الانتخابية
انشدت شدًّا إلى القضايا الاقتصادية
الملموسة على حساب القضايا السياسية الكبرى،
وهو أمر نجحت فيه بامتياز حملة الحزب الوطني،
فقد أرغمت بقية الأحزاب على تهميش القضية
الدستورية التي تعد جوهر البرنامج الانتخابي
لحزبي الوفد والغد، لصالح الاشتباك مع
الحزب الوطني حول القضايا الاقتصادية،
وضاعف الحزب الوطني من الاهتمام بالقضايا
الاقتصادية بأن قدم تصورات عن حلول ملموسة
أضفى عليها القيمة العلمية من خلال الأرقام،
وبأن خاطب المشكلات والطموحات الفورية
والمباشرة لسكان محافظات ومدن بعينها، وهو
ما انشدت إليه الأحزاب الأخرى، وبذلك حدد
الحزب الوطني ساحة المعركة الانتخابية
بحصرها في القضايا التي يتمتع فيها بميزة
كبيرة نظرا لوجوده الفعلي بالسلطة وتخفيف
الضوء كثيرا عن القضايا التي تمثل أضعف ما
فيه، وهي قضية الحريات العامة والانتقال
الديمقراطي، أما الأحزاب الأخرى وخاصة
الوفد والغد، فقد فقدت التركيز الإستراتيجي
في حملاتها الانتخابية على أقوى ما لديها وهي
قضية الانتقال الحاسم إلى الديمقراطية من
خلال دستور وبنية سياسية جديدة.
وكان
بوسع هذه الأحزاب في الواقع أن تحتفظ بزمام
المبادرة الانتخابية؛ بل وأن تكسب أصواتا
أكبر فيما لو قامت بالتركيز على القضية
السياسية والدستورية، وكان الحزب الوطني قد
اتخذ احتياطاته فيما يتعلق بالقضايا
الدستورية بأن ضمن برنامجه الانتخابي
التزاما بإجراء إصلاحات دستورية محددة،
ولكنه فعلها بطريقة دفاعية وبالغة الغموض حتى
يمكنه الرد على نقد الأحزاب الأخرى،
والحركات الإصلاحية والمدنية حول المستقبل
السياسي والدستوري الغامض للبلاد، دون أن
يركز على هذا الجانب إلا بمناسبة الرد، وكان
حزب الوفد قد بدأ حملته بالتركيز على إطلاق
عملية دستورية شاملة، وإن بدون التزامات
محددة، أما حزب الغد فكان قد قدم مشروعا
كاملا بمسودة دستور جديد، كما ركز على أن
الهدف الأساسي لترشيح زعيمه لمنصب الرئاسة هو
تحقيق إصلاح دستوري شامل خلال عامين تبدأ
بعدها انتخابات رئاسية جديدة بدستور جديد.
أما
ما أعاق تركيز هذين الحزبين على قضية
الانتقال الديمقراطي والتجديد الدستوري
الشامل؛ فهو نجاح حملة الوطني في مخاطبة
النخب الإقليمية وخاصة الريفية بحلول
وإجراءات فورية أو التزامات مجدولة زمنيا
بدقة فيما يتعلق بالمشكلات الفورية والحادة
التي تعانيها محافظات أو مدن بعينها، ووجدت
الأحزاب الأخرى نفسها مشدودة إلى نفس دائرة
الموضوعات، وذلك بسبب الفكرة الشائعة بين
المشتغلين بالسياسات الانتخابية اليومية بأن
الاقتصاد هو ما يهم أو يجتذب الجمهور، ونسيت
تلك الأحزاب أنه سيكون من الأفضل للجمهور أن
يحصل على وعود من سلطة مستمرة وقائمة حول
مطالب فورية عن المراهنة على بدائل أخرى على
المدى البعيد.
نقطة
قوة للحملة الانتخابية
أما
أعظم نجاحات حملة الحزب الوطني فهو أن الحملة
تمكنت من إحداث تغيير جذري في طريقة النظر إلى
القضايا الدستورية والسياسية المثارة على
المستوى الوطني العام؛ فجوهر النقاش العام
انصب قبل الانتخابات الرئاسية على ضرورة
استعادة الحد الأقصى على مدد تولي رئاسة
الدولة في ولايتين رئاسيتين، وهو ما كان
دستور1971 ينص عليه قبل تعديلات عام 1980،
وتنبع أهمية هذه المسألة تحديدا في أنها
ستفرض نفسها عاجلا أم آجلا وسواء شئنا أم
أبينا، وأن الفشل أو عدم الرغبة في معالجتها
الآن لا يعني سوى تأجيلها إلى أجل غير محدد،
وحتى تقع أزمة أو مطب سياسي كبير، كما حدث
بالضبط في حالة تونس مثلا عام 1987، وبدلا من
مناقشة كيفية علاج مفارقة الحكم الأبدي نجحت
حملة الحزب الوطني في تركيز النقاش على مزايا
الرئيس مبارك وتفوقه بشرعية التجربة والخبرة
على منافسيه، الذين لم يتولوا مناصب
تنفيذية كبرى من قبل.
مصر
بين إنجاز ماض ووعد مستقبلي
أما
أهم نقاط ضعف الحملة الانتخابية للحزب
الوطني، فهي عدم نجاحه في أن يمنح قوة دفع
كبيرة لشعاره الأساسي وهو معا لصنع المستقبل،
فقد بدت حملة الحزب مشتتة بين التركيز على
مقولة الإنجازات والحديث عن حلول مستقبلية
لمشكلات كبيرة وبعضها استعصى على العلاج في
الماضي، مثل مشكلة البطالة؛ إذ يبرز
السؤال الذي ألقت الصحافة عليه بعض الضوء،
وهو ماذا استجد حتى يصبح من الممكن القضاء على
هذه المشكلات، ومن ناحية أخرى بدا أن الحديث
عن المستقبل قد تفرع إلى مشكلات ملموسة
ومحددة، ولكنها متفرقة ولا يربط بينها رؤية
عامة وطموح لمستقبل الوطن سياسيا واقتصاديا،
أو فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للبلاد
وموقعها في الأحداث العالمية والإقليمية.
الكل
يفشل في طرح برنامج اقتصادي
وعند
الحديث عن الحلول الطموحة لمشكلات محددة حققت
حملة الحزب الوطني نجاحا متوسطا، فبمواجهة
مشكلة البطالة تركزت حملة الوطني على إيجاد
فرص عمل "لازم ولادنا تشتغل"، وهو
بدون شك شعار جذاب للغاية، ونجح الحزب كذلك
في أن يقدم برنامجه للتشغيل بصورة رقمية
ومدروسة علميا، ولكن الفجوة التي كان يجب
علاجها هي أن الحديث عن فرص عمل بدا تجريديا
ومنفصما عن رؤية حول المستقبل الاقتصادي
للبلاد، وكأن القضية هي أن يشتغل أولادنا في
أي وظائف حتى لو كانت مصطنعة وغير مشبعة،
وكان هذا هو النقد الأساسي الموجه للمدرسة
التدخلية (الكينزية) في الاقتصاد، حيث
يبدو أن تخليق فرص عمل هدف بذاته معزولا عن
مستقبل الاقتصاد، وكان من الأجدر بالحملة
أن تتحدث عن رؤية للتقدم والانطلاق الاقتصادي
الذي يصنع مستقبل الوطن في نفس الوقت الذي
يشغل فيه أولادنا، في وظائف أعلى إنتاجية
وأكثر إشباعا للنفس وأكثر قدرة على توليد قوى
دافعة للتقدم العلمي والإنساني، وقد انشدت
بقية الأحزاب إلى نفس المنهجية بالرغم من عدم
الاتساق مع أيديولوجياتها، إذ يشترك حزبا
الوفد والغد في تبني الفلسفة الليبرالية في
الاقتصاد، وهو أمر يتناقض مع الإغراق في
الحديث عن فرص العمل حيث يفترض أن السوق قادرة
بذاتها على القيام بذلك.
الغد
ينتعش والوفد يعود
ومقابل
الفشل في طرح برنامج اقتصادي إيجابي والعجز
عن البرهنة على تفوق البرامج الاقتصادية
للوفد والغد على برنامج الوطني، فقد حقق
الحزبان نجاحات معينة، فتمكن مرشح حزب الغد
من الإفادة من صغر سنه في اجتذاب الأجيال
الشابة، خاصة المنتمية إلى الطبقات العليا،
كما تمكن حزب الوفد من إعادة تجميع بعض أنصار
شرعيته التاريخية من الأجيال التي عاصرتها،
وبث بعض الحماس في هذه الأجيال، ومن الواضح
مع ذلك أن هذا النجاح محدود بطبيعة أو حجم
القوى التي خاطبها.
السياسة
الخارجية: المسكوت عنه
أما
الملمح الأخير -في سياق هذا العرض- للجدل
الانتخابي الراهن، فهو السكوت التام تقريبا
عن قضايا السياسة الخارجية، وهو ما يمثل
نجاحا للوطني من حيث أن أحدا لم يطرح رؤى
بديلة، بالرغم من عمق المعضلات التي تواجه
السياسة الخارجية المصرية في الوقت الراهن
والمستقبل القريب.
اقرأ
أيضًا:
*
نقلا عن جريدة الأهرام، 5 أغسطس 2005.
**
نائب مدير مركز الدراسات السياسية
والإستراتيجية بالأهرام.