والمشكلة
أن بعض القيادات الشيعية والكردية -وليست كل
القيادات بدليل معارضة الزعيم الشيعي مقتدى
الصدر- تروج لمخاوف بأن يعود حكم البعث وسيطرة
السنة مرة أخرى، وترى بالتالي أن الحل يكمن في
فيدرالية شيعية في الجنوب وأخرى كردية في
الشمال يتوافر لهما الأساس القانوني (حق
الإقليم في رفض تنفيذ قرارات المركز)
والمعيشي (تقسيم الثروات)، غير أن هذا يعني
على الأرض انفصال كل منهما فعليا بدولة
مستقلة حتى لو لم ينص الدستور صراحة على ذلك.
وكان
المراهنون على وحدة العراق يعولون على طرح
فكرة الفيدرالية في الشمال الكردي فقط
المنفصل عمليا عن العراق منذ بداية
التسعينيات من القرن الماضي، ولكن يبدو أن
المناقشات حول الدستور العراقي، إضافة إلى
تسرب أنباء عن رغبة واشنطن في انسحاب مبكر من
العراق للخلاص من دوامة القتل التي تطال
جنودها كل يوم، وتعاظم قوة المقاومة العراقية
-كل ذلك أدى للإفصاح أكثر عن نوايا الانفصال،
ليس فقط بالأرض والثروة (النفط)، ولكن أيضا
الانفصال عن العالم العربي.
بل
إن الأمر لم يتوقف على ذلك، فقد زادت دعاوى
الانفصال مؤخرا، وأصبحت أكثر وضوحا وصراحة
تحت شعار الفيدرالية أو الحكم الذاتي، بعدما
بدأت مجموعات عرقية أخرى -بجانب الشيعة
والأكراد- تطالب وسط كل هذه الأجواء بالحكم
الذاتي الكامل، مثل الآشوريين العراقيين
المسيحيين، وغيرهم، وأطلق كل فريق محطات
تلفزيونية خاصة وفضائيات تروج للفيدرالية
بطرق ودعاوى شتى وتعتبرها أمرا واقعا!.
حيث
طالب المؤتمر الآشوري العام (الآشوريون
مسيحيون يتحدثون الآرامية) الذي عقد في المدة
من 5 - 7 أغسطس 2005م بفيدرالية آشورية في سهل
نينوى وسائر مناطق وجود الآشوريين بدعوى أن
تعدادهم قرابة مليون إلى مليون ونصف، كما دعا
إلى "حق العودة للمهجرين الآشوريين إلى
قراهم ومساكنهم التي تركوها، وإدراج رمز
آشوري تاريخي في العلم العراقي الجديد".
أيضا
دعا الأكراد الفيليون (وهم أكراد شيعة
ينتشرون جنوب مدينة السليمانية مرورا بكركوك
ومحافظة ديالي شمال العراق) بالاعتراف
بحقوقهم، فيما طالب "الشبك" (وهم جماعة
تضم في صفوفها خليطا من قوميات عربية وكردية
وتركمانية) بالحفاظ على حقوقهم في الدستور
الجديد، وعدم فرض الانتماء إلى القومية
العربية عليهم، أو الكردية.
ومنذ
عام 1992م، والأكراد يطالبون بجعل العراق دولة
فيدرالية (اتحادية) توفر لهم أكبر قدر من
الحكم الذاتي لمحافظات الشمال التي ظلت تتمتع
عمليا باستقلالية كاملة عن السلطة المركزية
في بغداد منذ 1991م. وكان من الممكن، بدلا من
توسيع دائرة الفيدرالية الانفصالية بهذا
الشكل، استرضاء أو احتواء المطالب الكردية
خاصة بعد تعيين كردي (جلال الدين طالباني)
رئيسا لكل العراق، بيد أن الزعيم الشيعي عبد
العزيز الحكيم أجج مشاعر العرب السنة وغيرهم
بالدعوة إلى إنشاء كيان وحكومة فيدرالية في
المحافظات الوسطى والجنوبية التسع ذات
الأغلبية الشيعية، ما يعني تقسيم العراق إلى
ثلاثة كيانات طائفية هي: كيان شيعي في الوسط
والجنوب، وعربي سني في الغرب، وكردي في
الشمال.
ولأن
ممثلي السنة العرب الذين كانوا القوة
المهيمنة في عهد (الرئيس السابق) صدام حسين،
وكذلك ممثلو بعض الأقليات الأخرى والشيعة
العلمانيون يعارضون فكرة صياغة دستور يسمح
للشيعة في الجنوب بنوع من الحكم الذاتي الذي
يتمتع به فعليا الأكراد في الشمال حاليا، فقد
كان من الطبيعي أن تصدمهم هذه التوجهات
الانفصالية ويرفضون الموافقة على مشروع
الدستور الذي قرر الرئيس جلال طالباني الأحد
28-8-2005 طرحه للاستفتاء.
حيث
قال صالح المطلك العضو السني في مجلس الحوار
الوطني معلقا على مطالبة الشيعة بإقليم
فيدرالي في الجنوب: "نتمنى ألا يأتي هذا
اليوم. نحن نعتقد أن العرب في العراق بسنتهم
وشيعتهم هم كيان واحد؛ لذلك فإن أي محاولة
لإثارة موضوع طائفي لتقسيم العراق موضوع
مرفوض كليا"، فيما قال عبد الكريم هاني
الناطق الرسمي باسم المؤتمر التأسيسي
العراقي المعارض: "إن هذا الطرح للأسف يؤدي
إلى تمزيق العراق عرقيا وطائفيا ولا يخدم
مصلحة البلد إطلاقا".
لكن
رد الفعل السني قوبل بهجوم مفاده أن العرب
السنة يخشون أن تنفصل المناطق الكردية
والشيعية في الشمال والجنوب الغنيين بالنفط،
ويتحول السنة العرب في الوسط إلى فقراء ولهذا
يطالبون هم فقط بالوحدة!.
وظهرت
خطورة الانفصال وتقسيم العراق بشكل فعلي
عندما جرى النص على أن تتكون الأقاليم من
محافظة أو أكثر ويحق لإقليمين أو أكثر أن
ينتظموا في إقليم واحد بناء على طلب
بالاستفتاء عليه يقدم بإحدى الطريقتين: طلب
من ثلث أعضاء كل مجلس من مجالس المحافظات التي
ترى تكوين الإقليم، أو طلب من عُشر الناخبين
في المحافظات التي تريد تكوين الإقليم؛ ما
يعني وضع بذور الانفصال داخل الدستور.
وقد
حاولت الحكومة العراقية برئاسة زعيم حزب
الدعوة إبراهيم الجعفري إقناع السنة العرب
ببعض المكاسب لحثهم على الموافقة على مشروع
الدستور، مثل الإيعاز لجيش الاحتلال
الأمريكي بالإفراج عن 1000 معتقل سني من سجن أبو
غريب استجابة لمطالب العرب السنة الذين
يشعرون باستياء بالغ لطول فترة الاحتجاز دون
توجيه اتهامات، بيد أن خطر الانفصال والتقسيم
الواضح في الدستور كان سببا مباشرا لرفض
السنة للدستور.
وإذا
كانت قضية الفيدرالية تنذر بعواقب وخيمة على
وحدة أراضي العراق، فإن هناك بنودا أخرى في
الدستور تمس هويته الدينية والقومية، في
مقدمتها عدم النص صراحة على أن الإسلام هو
المصدر الأساسي للتشريع، ويبدو أن الائتلاف
العراقي الموحد الذي يشكل غالبية في البرلمان
الذي طالب بذلك في البداية على لسان مرجعيته
آية الله العظمى علي السيستاني، رضخ لتحفظ
الحزبين الكرديين الرئيسيين العلمانيين على
ذلك، وحصل في المقابل على بند يكرس عمليا
الطائفية، حيث إنه يصبغ الهوية الإسلامية
بصبغة شيعية من خلال النص على أن للمرجعية
الدينية "مقامها الإرشادي".
ووصل
الأمر بمسعود بارزانى (رئيس إقليم كردستان
العراق) للقول: "إن أكراد العراق لن يقبلوا
بفرض هوية إسلامية على العراق"، كما رفض
الدعوات التي تطالب بأن يكون العراق
بالكامل جزءا من الأمة العربية، معتبرا أن
ذلك من حقوق الأكراد التي "لا مساومة عليها".
وقال:
"ليكن الجزء العربي من العراق جزءا من
الأمة العربية، ولكننا لسنا جزءا من الأمة
العربية" ليفرض الأكراد رأيهم ويتم النص في
الدستور على أن "الشعب العربي في العراق هو
جزء من الأمة العربية"، بما يعني استبعاد
عروبة باقي أرض العراق في الشمال والجنوب!.
أيضا
طالب الأكراد العلمانيون بنسبة 35% من
العائدات النفطية فيما دعا الشيعة إلى توزيع
العائدات على أساس عدد السكان في كل محافظة،
وطلب الأكراد جعل العربية والكردية لغتين
رسميتين للعراق وهو ما أقره الدستور.
كذلك
كان النص على أن جزءا من العراق (أي أرض السنة
العرب) -وليس كل الأرض- ينتمي للعالم العربي
ضوءا أحمرَ أشد خطرا لدرجة أن عمرو موسى
الأمين العام لجامعة الدول العربية طلب
تفسيرا عاجلا من الحكومة العراقية حول هذا
النص "الذي سبب الكثير من عدم الارتياح
والقلق لدينا"، على حد قوله.
فالعراق
عضو مؤسس في الجامعة العربية، وهذا النص في
الدستور يعني أن العراق لم يعد دولة عربية
وأنه غير هويته إلى "فيدرالية" تضم العرب
والتركمان والأكراد والشيعة وغيرهم ولم يعد
له علاقة بالعالم العربي.
فهل
أصبح التقسيم واقعا، ويتحول في الدستور
الجديد إلى أمر قانوني، بعدما جرى تنفيذه على
الأرض بنشاط كبير منذ بداية الاحتلال
الأمريكي للعراق؟ أم ينجح العرب السنة في
تعطيل صدور الدستور الانفصالي في استفتاء
أكتوبر المقبل؟.