وترجع
خلفية معظم هؤلاء الضباط إلى فئة التجار "البازار"
ومنهم "أحمدي نجاد" الذي لم يخلق انتخابه
يأسا لدى الإصلاحيين فقط لكنه مثل خيبة أمل
للرموز المعتدلة مثل كروبي ورافسنجاني
اللذين اتهما العسكريين بالتدخل في
الانتخابات لكن "خامنئي" تجاهل هذه
الادعاءات ووجه لهما الأمر بالسكوت من أجل
مصلحة النظام. أي إن الانتخابات قد دفعت
الإصلاحيين والمعتدلين ليكونوا فعليا خارج
الخارطة السياسية الإيرانية.
لكن
هذا الخنجر الذي استخدمه "خامنئي" ليحقق
أهدافه كان طعنة له في الخلف، فالأصوليون
الجدد وحلفاؤهم يمكن أن يكونوا مصدر تهديد له
باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة
لأنهم يسعون إلى عسكرة الحكومة الإيرانية عبر
تلك الفرص السياسية التي منحت لهم من المرشد
الأعلى، ما يعني أن هذه العسكرة يمكن أن
تقتطع جانبا أساسيا من القاعدة الدينية
والسياسية التي ترتكز عليهما شرعية النظام و"خامنئي"
ذاته.
ولسوء
حظ "خامنئي" فإنه غير قادر على أن يستجيب
لمطالب هذه الزمرة العسكرية، ولا يمكنه أيضا
استبدال غيرها بها على طريقة "الشاه"
الذي تخلص من القادة العسكريين مخافة
الانقلاب أو الاغتيال أو الحرب الأهلية.. مع
ذلك فثمة أقاويل -يمكن قبولها- حول عزم "خامنئي"
على استبدال آخرين ببعض قادة الحرس الوطني
الثوري، وأول من يحتمل استبدال غيره به هو "محمود
باكير ذو القادر" نائب رئيس الحرس الثوري،
إضافة إلى معظم العسكريين الأقوياء الذين
يقفون خلف "أحمدي نجاد".
|
|
|
المرشد الأعلى والرئيس الجديد توافق ظاهر أم صراع خفي
|
بدأ
نزاع آخر فعليا في قمة السلطة الإيرانية
الداخلية بين مؤيدي "آية الله" وبين زمرة
الرئيس الجديد حول الاستعداد لانتخاب "مجلس
الخبراء" في عام 2006. ويحتاج "نجاد" دعم
هذا المجلس الذي وإن كان يتميز بالسلبية طوال
60 عاما ماضية ولا يوجد به عضو واحد يعارض "خامنئي"
في أي فعل أو قرار، فإنه يبقى الكيان الوحيد
الذي يملك حق انتخاب المرشد ويملك بموجب
الدستور سلطة تقييد صلاحياته أو عزله إن
اقتضى الأمر.
ويتضح
هذا النزاع إذا ما تم النظر إلى ما يمثله "آية
الله مصباح يازدي" من مدينة "قم" من
تهديد للمرشد، فهو نصير للزمرة الأمنية
العسكرية، ويرأس بعض المؤسسات الدينية مثل (مؤسسة
الإمام الخوميني للتعليم والأبحاث، ودار روح
الحق، ومؤسسة بحر العلوم...)، وله ارتباطات
اقتصادية حكومية قوية بسبب تجارته في السكر
وبعض المصادر الأخرى، كما أن "يازدي"
يعتبر أن إدارة "نجاد" هي الإدارة
الإسلامية الأولى في تاريخ الجمهورية
الإسلامية.
وتستطيع
هذه الإدارة الجديدة أن تشكل تحديا لـ"خامنئي"
حيث يبذل "يازدي" والزمرة العسكرية
جهودا للتحكم في "مجلس إدارة الحوزات
الدينية"، الأمر الذي يدل على تطور جوهري
لأن المرشحين الذين يسمح لهم مجلس صيانة
الدستور بالتنافس في انتخابات مجلس الخبراء
لا بد أن يكونوا من "الاجتهاديين" وهى
أكبر درجة دينية في إيران.
وتقليديا
كان يتم منح درجة الاجتهاد لخريجي "كلية
الاجتهاد" مباشرة من المرشد الأعلى "الخوميني"،
لكن "خامنئي" جعل التحقق من الوضع الديني
عملية حكومية تقوم بها مؤسستان فقط هما مجلس
صيانة الدستور ومجلس إدارة الحوزات الدينية،
لذا يمكن أن تسمح الظروف الجديدة بعد انتخاب
"أحمدي نجاد" لهاتين المؤسستين بتقييد
شروط عملية تحقق "الاجتهاد" لتضمن مكانا
للأصوليين الدينيين وتبعد من هم أقل تشددا
سياسيا.
وينتج
عن ذلك أن مجلس الخبراء الذي سينتخب عام 2006 -وبتأثير
من يازدي ونجاد والعسكر- يمكن أن ينتهي إلى
أغلبية أصولية متجانسة مع الزمرة العسكرية ـ
الأمنية لتصبح مراقبا حقيقيا لسلطات المرشد
الأعلى "خامنئي".
إشارات
للصراع بالمجلس
لا
يبدو البرلمان (مجلس الشورى) موحدا كما يتصور
البعض رغم نجاح "خامنئي" في إبعاد
الإصلاحيين في انتخابات عام 2004.. وأول
محاولة قام بها المرشد الأعلى لاستخدام هذا
المجلس الجديد كانت محاولة إخماد الصراع الذي
ثار بين التقليديين (المتمسكين بخط الزعيم)
والعسكر خلال انتخابات الرئاسة في يونيو
الماضي عندما رشح التقليديون "علي
لاريجاني" ممثل "خامنئي" في المجلس
الأعلى للأمن القومي ضد رغبة العسكريين في
تأييد "أحمدي نجاد".
ويؤكد
هذا التطور أن شهر العسل بين المرشد الأعلى
والرئيس الجديد قد انتهى بأسرع مما توقعه
المراقبون، فقد تبع تنصيب "نجاد"
رئيسا رسميا لإيران في 4 أغسطس 2005 نزاع على
اختيار أعضاء الحكومة الجديدة عندما رفض هو
ورجاله اقتراح "خامنئي" ترشيح رجله "علي
أكبر ولايتي" لوزارة الخارجية، وأيضا
تحفظهم على من رُشحوا لوزارات التجارة والنفط
وجهاز المخابرات.
التوتر
أيضا ظهر بين الرئيس الجديد وبين المجلس
عندما سعى "نجاد" وديا لأخذ رأي المجلس
في قائمة مرشحيه للحكومة الجديدة لكن رفض
التشريعيون إعطاءه الإجابة. وواقعيا، فإن نحو
120 عضوا من أعضاء البرلمان البالغ عددهم 290
يتبع تيار الرئيس الجديد، أما الباقون
فيتوزعون كالتالي: 90 عضوا ترجع خلفيتهم
لجماعة التقليديين، 15 عضوا محسوبون على
الرئيس السابق "محمد خاتمي"، و65 من
المستقلين.
ويحتاج
"نجاد" إلى دعم النواب التقليديين إلا
أنهم لن يفعلوا حتى تتم تلبية مطالبهم، خاصة
الإصرار على إعطاء مرشحهم السابق للرئاسة "على
لاريجاني" مناصب أكثر أهمية إلى جوار
مسئوليته عن إدارة المفاوضات مع الأوربيين
بشأن الملف النووي الإيراني.
خلاصة
أصبح
التنافس السياسي سمة مميزة للجمهورية
الإسلامية منذ رحيل "الخوميني". ولا يحمل
هذا التنافس صيغة المنافسة المفتوحة بين
مصالح متصارعة، والتي هي جزء من العملية
الديمقراطية، إنما استبدل بهذه الصيغة صراعا
خفي على السلطة قد يعرقل أداء الحكومة
لوظائفها. وسيخبرنا الوقت بما إذا كان
المرشد الأعلى "خامنئي" يمكنه الاحتفاظ
بسلطاته وحمايتها من الزمرة العسكرية ـ
الأمنية التي لم يتمكن من توثيق قيودها
لاسيما أنها تحالفت مع الأصوليين.
والحاصل
الأخير أنه بينما ينصب الاهتمام الأوربي الآن
على برنامج إيران النووي، تبدو طهران في وضع
سياسي داخلي معقد يميل إلى التركيز على
المساومات الداخلية إلى القدر الذي يعوق
إمكانية التقدم على صعيد المفاوضات الخارجية
المتعلقة بالبرنامج النووي؛ بحيث أن أي
انشقاق داخلي سيخلق صعوبات أمام الغرب في شأن
تقديم الوعود، كما أن خصومات الداخل تجعل
الانتقاد لأي تنازل من أجل التوصل إلى اتفاق
بشأن الملف النووي أمرا لا مفر منه!.