|

|
|
جارانج هل يكون غيابه في صالح سودان
موحد؟
|
منذ
دخول جون جارانج زعيم الحركة الشعبية لتحرير
السودان في مفاوضات السلام مع الحكومة
السودانية وحتى توليه منصب النائب الأول
لرئيس السودان يوم 9 يوليو الماضي، والأوساط
الرسمية والبحثية السودانية تحلل وتدرس
خطواته ومواقفه وتصريحاته، وتسأل: هل هو
وحدوي حقا كما يقول ويعلن، أم انفصالي وتوسعي،
ويسعى للاستفادة من السلام لتحقيق أجندته
الخاصة في الجنوب أو السودان الموحد؟.
ويبدو
أن تحليل الـ21 يوما التي قضاها جارانج في
الحكم قبل أن تسقط طائرته التابعة للرئاسة
الأوغندية ويقتل في الجنوب مطلع أغسطس الجاري،
والأيام التي سبقتها تشير -وفق مصادر سودانية
رسمية- بوضوح إلى أنه كان يرغب في حكم السودان
ككل، فإن لم يتيسر ذلك فليكن بالانفصال
بالجنوب مع السعي -من خلال اتفاقات السلام-
لتوسيع حدود الدولة الجنوبية بحيث تسيطر على
مناطق النفط والمياه، والحرص على إبعاد أيادي
الشماليين عن الجنوب تماما!.
ولهذا
تجمع الآن الأوساط السياسية في شمال وجنوب
السودان أن مقتل جارانج ربما كان مفيدا أكثر
لوحدة السودان، ليس لأن الشماليين أكثر حرصا
على هذه الوحدة (التي قل حماسهم لها عقب أحداث
العنف والشغب التي قام بها الجنوبيون في
الخرطوم عقب مقتل جارانج)، ولكن لأن
الجنوبيين أنفسهم الذين عانوا من ديكتاتورية
جارانج ورهنه حركة التمرد للغرب ومخططاته
الدولية، ولأن القبائل الجنوبية التي تزيد عن
250 قبيلة، والذين يرتعبون من سيطرة قبيلة
الدينكا على الدولة الجنوبية في حالة
الانفصال، يرغبون في أن يحكمهم إطار أوسع في
ظل دولة سودانية موحدة لا قبيلة واحدة!.
وفي
لقاء مع مسئول سوداني كبير، كشف عن معطيات
وحقائق مهمة ومذهلة تصور حالة الدولة
السودانية في الشمال والجنوب قبل وبعد جارانج
تشير بوضوح إلى أن جون جارانج الذي قضى نحبه
في حادث طائرة كان يرمي للانفصال وتوسيع رقعة
وموارد دولة جنوب السودان رغم دعوته للوحدة..
وأن خليفته في حركة التمرد "سلفا كير"
يميل للانفصال ولكن واقعه والمؤشرات
المتوفرة التي تواجهه في الجنوب تشير إلى أنه
سيضطر أكثر للوحدة!.
فقد
قال المسئول الكبير إن سلوك جارانج قبل
السلام وبعده كان يشير إلى أنه كان انفصاليا
توسعيا وليس وحدويا كما كان يقول عن نفسه، كما
كان سلوكه يشير لرغبته فقط في ترسيخ انقسام
الجنوب عن الشمال وعدم السماح للشمال بأي
تدخل في شئون الجنوب، وأن تحليل أقواله
وأفعاله خلال الـ21 يومًا التي قضاها في
السلطة قبل موته تكشف عن أنه كان يسعى لتوسيع
الجنوب على حساب الشمال وعروبته، وذلك بناء
على الأسس والقواعد الجديدة التي كان يقول إن
السودان الجديد يجب أن يبنى عليها.
ويوضح
أن الدليل على نوايا جارانج الانفصالية أن
جارانج قال لأنصاره ومناصريه الغربيين في آخر
محاضرة له في واشنطن قبل العودة للخرطوم
وتولي منصب النائب الأول للرئيس: "الذين
يريدون انفصال جنوب السودان تحقق لهم الآن
حلمهم وما يريدون"!، كما أن سلوكيات جارانج
كشفت هذا أيضا فيما بعد.
وكشف
المسئول السوداني عن أن طموحات جارانج -كما
أظهرتها تصرفاته- كانت تشير لنوايا أخطر من
مجرد الانفصال وتوسيع رقعة الجنوب على حساب
أرض الشمال، وأنه كان يرمي على ما يبدو
للسيطرة على كل السودان وحكمه شمالا وجنوبا
معتمدا على الانتخابات الرئاسية المقبلة بعد
4 سنوات، وحشد قوى التمرد في أقاليم الجنوب
والغرب والشرق لهذا، بل إن "هناك أنباء عن
سعي جارانج لترتيب انقلاب في الشمال نفسه في
حالة عدم تنفيذ خطته للانفصال وحكم السودان
ككل ولهذا أصر في اتفاقات السلام مع الخرطوم
على وجود وحدات جنوبية في الشمال (1500 جندي من
حركة التمرد وفق اتفاق نيفاشا).
مؤشرات
التوجه للانفصال والتوسع
|

|
|
الرئيس الأوغندي موسيفيني ينظر إلى جثمان جارانج
|
وكشف
المسئول السوداني عن عدة مؤشرات قوية تشير -بالإضافة
إلي محاضرة جارانج في واشنطن التي هنأ فيها
دعاة الانفصال بأنه تحقق- إلي أن جارانج كان
انفصاليا بل وتوسعيا أكثر منه وحدويا على
النحو التالي
:
-
أن جارانج عمل على توسيع حدود الجنوب على حساب
عروبة ووحدة السودان طوال مفاوضات السلام،
واستغرق وقتًا طويلاً في مفاوضاته مع الحكومة
السودانية في الحديث عن أدق تفاصيل الحدود
بين الشمال والجنوب، وأصر على رفض حدود عام 1956
التي أقرها الاحتلال البريطاني بين الشمال
والجنوب، والإصرار على ضم المناطق الثلاث
المهمشة (النيل الأزرق وأبيي وجبال النوبا )
للجنوب لتوسيع حدود الجنوب عن الشمال.
-
حرص جارانج على ضم المناطق الثلاث المهمشة
لدولة الجنوب وتوسيع حدوده للسيطرة على مصادر
المياه؛ لأن المصادر الأساسية للمياه لا تأتي
من الجنوب، ولكن من النيل الأزرق وروافد أخرى
بها خارج الجنوب، ولهذا تعنت في تحديد حدود
الجنوب وتوسيع حدوده ليضمن السيطرة على مصادر
المياه، وهو أمر يضر مصالح الشمال السوداني
ويضر مصالح مصر أيضا، وهو ما يدل على أن
التفكير في الانفصال والسعي للوصول إليه لم
يفارق ذهنه حتى بعد وصوله للسلطة.
-
جارانج خرق اتفاق السلام في أول قرار اتخذه
عقب توليه رئاسة حكومة الجنوب والنائب الأول
لرئيس السودان؛ فهذا القرار خالف فيه نسبة
الـ30% التي أقرها الاتفاق كحصة للشماليين في
حكومة الجنوب، وعين أعضاء حركته الجنوبية فقط
في كل أقاليم الجنوب، ومعروف أنه تم الاتفاق
على توزيع السلطة في حكومة جنوب السودان -خلال
الفترة الانتقالية التي تستمر 6 سنوات عقب
توقيع الاتفاق النهائي- بحيث تحصل حركة
التمرد على 70% من السلطة، مقابل 30% للشماليين
منها 15% للحكومة، و15% للقوى السياسية الأخرى.
-
جارانج كان كثير التحدث عن "الستة ملايين
سوداني الذين استقبلوه في الخرطوم" كما قال،
وكان يُمني نفسه بسلطة أكبر في حكم السودان
كله شمالا وجنوبا، ولهذا راجت أنباء اعتزامه،
وربما، تدبير انقلاب في الخرطوم للسيطرة على
حكم كل السودان لو فشل في حكمه ديمقراطيا.
-
كما أن الزيارة التي قام بها جارانج لأوغندا
ولقي مصرعه في طريق عودته منها للسودان لم تكن
تعلم عنها الحكومة السودانية شيئا، وكذلك
تكشفت أنباء عن نيته زيارة كينيا أيضا للقاء
متمردي دارفور بدون أن يبلغ الحكومة أو
الرئاسة السودانية رغم أنه النائب الأول
للرئيس، كما أن كل لقاءاته مع المسئولين
الأجانب كانت تتم بشكل فردي لا يدخل فيها أحد
غيره، ولا أحد يعرف تفاصيل حسابات حركة
التمرد الجنوبية السرية سوى جارانج.
وشدد
المسئول السوداني على أن انفصال الجنوب في ظل
الاتفاقيات التي تم توقيعها بين الحكومة
والجنوبيين وجهود جارانج كانت تشير إلى أنه
يبدو وشيكًا؛ حيث سيخلو جنوب السودان من أي
وجود للجيش الوطني، وسيصبح له جيش خاص به
يقترب من 100 ألف جندي، وتمويله مضمون من قبل
الولايات المتحدة.
مؤشرات
الوحدة في عهد سلفا كير
|

|
|
سلفا كير يؤدي اليمين نائبا أول للرئيس السوداني خلفا لجارانج
|
وعلى
النقيض تماما، أكد المسئول السوداني الكبير
لـ"إسلام أون لاين.نت" أن سلفا كير
خليفة جارانج يبدو أكثر ميلا للانفصال كرجل
عسكري في خلفيته، ولكنه أكثر توجها للوحدة
بين الشمال والجنوب بحكم عدة معطيات على
النحو التالي:
-
خلفاء جارانج عموما همهم واهتمامهم -على عكس
اهتمام جارانج العالمي- يعتبر "همًّا
جنوبيا" أكثر منه "دوليا"، ولهذا
ستتحول الحركة الجنوبية (الحركة الشعبية)
لحركة أكثر محلية بسيطة تستهدف توفير مصالح
الجنوبيين وتقلص توجهاتها الخارجية التي ركز
عليها جارانج، وسيقوي هذا التوجه أن "كير"
زعيم جنوبي محلي بسيط وعسكري منخرط بين شعبه
ويدرك حاجته للاستقرار الذي سيتوافر أكثر
بالوحدة مع الجنوب.
-
في حالة تخلي "كير" عن اتفاق السلام أو
السعي للانفصال بالجنوب سوف يفقد على المستوى
الشخصي المناصب الكبيرة الرسمية التي آلت له
بعد موت جارانج مثل النائب الأول لرئيس
السودان ورئيس حكومة الجنوب، خاصة أن طموحه
الذي كان ينافس جارانج عليه كان فقط تولي
رئاسة حكومة الجنوب.
-
سلفا كير أكثر حوارا وقبولا من جانب قبائل
الجنوب التي كانت تعادي جارانج، ولهذا يتوقع
أن تتم في عهده اتفاقات لتوحيد قوى الجنوبيين
ورافعي السلاح الجنوبيين الرافضين لاتفاق
السلام، وخصوصا القبائل التي تعادي قبيلة
جارانج وكير (الدينكا) مثل قبائل "الشلك"
و"النوير" و"اللاتوكا" والمفزوعين
من فكرة الانفصال وتولي قبيلة الدينكا حكمهم،
كما أن كير في حاجة لهذا التحالف مع القبائل
الجنوبية الأخرى مثل "النوير" التي
تسيطر على مناطق وجود النفط في الجنوب.
-
المصالحة بين القبائل الجنوبية يصب في نهاية
الأمر في صالح وحدة شمال وجنوب السودان؛ لأن
غالبية الجنوبيين (250 قبيلة في الجنوب) يرفضون
سيطرة قبيلة واحدة على الجنوب خصوصا قبيلة
الدينكا التي يؤمن غالبية أفرادها أنهم خلقوا
للحكم، ولهذا سيفضل الجميع اللجوء لسلطة أعلى
وأشمل هي سلطة الدولة التي تضم الشمال
والجنوب، ويفضلون الوحدة.
-
مطلب الانفصال يعد مطلبا "نخبويا" أكثر
منه مطلبا "شعبيا"، ومن يطالب بالانفصال
هم النخبة الجنوبية التي تعلمت في الغرب
وارتبطت به، وهناك صراع تاريخي وثأري بين
سلفا كير كزعيم عسكري تعليمه متواضع، وبين
نخبة المثقفين الجنوبيين الذين سيطروا علي
الحركة فترة طويلة، والمتوقع أن يتخلص سلفا
كير من مجموعة المثقفين التي أحاطت بالزعيم
الجنوبي الراحل جارانج وكانوا كثيري السفر
والارتباط بالخارج عن الداخل.
-
إصلاح حركة التمرد بعد جارانج الذي كان يشتهر
بالديكتاتورية والسيطرة على القرار، أصبح
أكثر الأهداف المطلوبة الآن لجمع شمل
الجنوبيين وتوحيدهم، وغياب جارانج أصبح هذا
الأمر أكثر إلحاحا ويصب في النهاية في صالح
وحدة السودان.
أثر
اضطرابات الخرطوم على الوحدة
من
ناحية أخرى، ألمح المسئول السوداني إلى أن
الاضطرابات وأحداث العنف التي وقعت في
الخرطوم والعديد من مدن السودان عقب وفاة جون
جارانج من جانب الجنوبيين في اليوم الأول، ثم
الشماليين في اليوم الثاني، جعلت الحديث عن
الوحدة بين الشمال والجنوب "مؤجل الحديث
عنها" خصوصا في الشمال، وزادت الحديث عن
الانفصال بين الشماليين أنفسهم خصوصا أن
أطروحات انفصال الجنوب أصبح يتبناها أناس في
الحكومة وحزب المؤتمر الشعبي الحاكم وتراجع
الحديث عن الوحدة الجاذبة.
وقال
المسئول السوداني إن الحكومة كانت تتوقع عقب
مصرع جارانج مثل هذه الاضطرابات والشغب من
جانب الجنوبيين، خصوصا أن شغبا مماثلا وقع
عندما عاد جارانج للخرطوم يوم 8 يوليو 2005،
ولهذا اجتمعت قيادات الأمن لتدارس الأمر عقب
أنباء اختفاء طائرة جارانج وقبل إعلان وفاته
وتم الاتفاق على تخفيف مظاهر الأمن في
العاصمة تماما لمنع توفير فرص الاستفزاز
للجنوبيين، وعدم التدخل، وهو ما يفسر لماذا
تأخرت الشرطة في التدخل في اليوم الأول
والثاني.
ورغم
الحزن والغضب على ما حدث من شغب وعنف في
الخرطوم وغالبية مدن السودان خصوصا ضد مسلمي
جنوب السودان، فقد نتج عن هذه الأحداث ما يوصف
-وفق المسئول السوداني- بأنه "توازن رعب"
في الخرطوم بين الجنوبيين والشماليين بعدما
قام الشماليون بمهاجمة وضرب الجنوبيين في
اليوم الثاني للأحداث بعدما بادر الجنوبيون
للشغب في اليوم الأول، وألغى هذا ضمنا الفكرة
التي كان يتحدث عنها بعض الجنوبيين دوما عن
إمكانية حرقهم الخرطوم وإشعالها، حيث
سيتحسبون مستقبلا لرد فعل الشماليين العنيف
على أي اضطرابات جديدة في العاصمة.
دور
أوغندا في قتل جارانج
وقد
تساءل المسئول السودان عن الدور الذي يمكن أن
يكون الرئيس الأوغندي موسيفيني قد لعبه في
مقتل جارانج -لو ثبت من التحقيقات أن هناك
شبها جنائية في قتله وليس حادثا- قائلاً: هل
يعتبر الرئيس الأوغندي مسئولاً عن مقتل
جارانج، خاصة أن المعلومات الأخيرة أظهرت أن
الرئيس الأوغندي كان يُلح عليه بشدة لزيارته؟
وأجاب: "هذا الأمر أكثر من وارد، فقبل عدة
شهور أخبرني أحد الوزراء المسلمين بالحكومة
الأوغندية أن رئيسه ناقم بشدة على جارانج؛
لأنه (موسيفيني) يستعجل انفصال جنوب السودان
لإقامة دولة كبرى تضمه هو وأجزاء أخرى من
الدول الإفريقية إليها، في الوقت الذي كان
يسعى فيه جارانج لتنفيذ أجندته الخاصة التي
ترى أنه ليس من المفيد التسرع في تنفيذ هذا
الأمر".
ونوه
المسئول برغبة موسيفيني في ضم مناطق عديدة من
جنوب السودان لأوغندا بما فيها المنطقة
الاستوائية، وحتى مناطق من غرب كينيا، مشيرا
إلى أنها "طموحات" كانت مؤجلة بسبب
طموحات جون جارانج المضادة بشأن انفصال
وتوسيع جنوب السودان وربما حكم السودان
الموحد، وهو ما يطرح سؤال: هل كان صراع جارانج/
موسيفيني على النفوذ وراء مقتل جارانج؟.
اقرأ
أيضًا: