|
|
|
مشهد عام لمحطة أصفهان النووية في إيران
|
يؤكد
الأوربيون والأمريكيون أن قدرة إيران على
إنتاج الوقود النووي اللازم لإنتاج سلاح نووي
لن تكتمل قبل عام 2015، أي بعد 10 سنوات، كما أن
خبراء السلاح النووي يؤكدون أن إيران لو
اعتزمت إنتاجه، فسيلزمها 15 عاما على الأقل،
أي حتى عام 2020. ولا تفسر هذه الحقائق بالطبع
"سر" الحملة الغربية المتواصلة على
إيران والسعي لمنعها من استئناف عمليات تحويل
اليورانيوم إلى غاز، لا تخصيب اليورانيوم، في
الوقت الذي تؤكد فيه إيران أن غرضها سلمي وهو
توليد الكهرباء وأنها لا تسعى لإنتاج سلاح
نووي.
ويبدو
أن الأزمة المتصاعدة حاليا بين إيران والغرب،
ومن خلفه الوكالة الدولية للطاقة الذرية،
محورها الأساسي ليس الخوف فقط من إنتاج سلاح
نووي، لكن منع أي دولة من التوصل لمثل هذه "التكنولوجيا
الحديثة" التي يمكن أن تحولها لدولة متقدمة،
خصوصا إذا كانت هذه الدولة "إسلامية" ولا
تسير في ركاب الغرب، فضلا عن أنها استكمال
لخطة حرمان العرب والمسلمين من خبرة
التكنولوجيا المتقدمة عموما سواء كانت نووية
أو في مجال الاتصالات وغيرها، والتي بدأ
تطبيقها منذ عدة سنوات في الجامعات الغربية
تجاه الطلبة العرب والمسلمين، وأصبحت أكثر
صرامة عقب هجمات 11 سبتمبر 2001.
وربما
لهذا وصل الأمر -على حد قول صحيفة "واشنطن
بوست" يوم 9 أغسطس 2005 - إلى أن الأوربيين
عرضوا على إيران اقتراحا بالتعاون معها في
مجالات كثيرة تشمل الأمن الإقليمي، والتجارة،
والمساعدة الفنية في كل شيء بدءا بعلم
الزلازل وانتهاء بأمن الطائرات وتوفير
الوقود النووي لها، مقابل التخلي عن المضي في
عمليات تخصيب اليورانيوم أو تحويله إلى سائل؛
لأن هذه الخطوة ستفضي ضمنا لاقتناء إيران مثل
هذه التكنولوجيا الحديثة التي تسمح لها
بإنتاج سلاح نووي لو رغبت، أو بيع هذه
التكنولوجيا لو أرادت كما فعلت باكستان.
ولهذا
يتوقع أن يبدأ سيناريو الضغط الغربي على
الطريقة العراقية مع فارق وحيد هو مراعاة أن
لإيران مصالح حيوية مع دول مثل روسيا والصين
قد تدفعها لاستخدام الفيتو لو تم تحويل ملف
إيران النووي للأمم المتحدة. ومن هنا يلاحظ أن
السيناريو بدأ بقرار من هيئة الطاقة النووية
أعده الاتحاد الأوربي، والتلويح بالعقوبات
الاقتصادية مع تقديم عروض لتحفيز طهران على
تغليب خيار توفير "الوظائف" لشعبها على
إنتاج "القنابل" النووية لهم.
ويزيد
الأزمة خطورة أنه في الوقت الذي أظهرت فيه
وسائل الدعاية العالمية قيام إيران باستئناف
النشاط النووي السلمي وفض أختام مفاعل "أصفهان"
على أنها تحد سافر للغرب وعلى رأسه الولايات
المتحدة، قرر الرئيس الإيراني "أحمدي نجاد"
تعيين المحافظ المتشدد "علي لاريجاني"
محل "حسن روحاني" أمينا لمجلس الأمن
القومي ورئيسا لوفد إيران في المحادثات
النووية مع الأوربيين لتكتمل بذلك دائرة
المحافظين في إيران، على غرار إدارة بوش
المتشددة. بكلمات أخرى، فإن أي حوار مستقبلي
عن الملف النووي الإيراني سوف ترتفع فيه
أصوات المتشددين في كلا الجانبين، وهو ما
ينذر بإمكانية حدوث عواقب وخيمة.
وقد
اختصر "لاريجاني" المقرب من المرشد
الأعلى للجمهورية "آية الله على خامنئي"
موقف المحافظين المتشددين في إيران بالنسبة
إلى الملف النووي بالقول: "إن العدول عن
الأنشطة النووية الحساسة مقابل تعاون نووي
وتجاري وسياسي يقدمه الأوربيون هو كمبادلة
لؤلؤة بقطعة من السكر".
ولم
يؤخر المعسكر الغربي الرد، فبدأ على الفور
حملة الهجوم على إيران بقرار للوكالة الذرية
يوم 11 أغسطس الجاري يدعو طهران إلى تجميد جميع
الأنشطة المتعلقة بإنتاج الوقود النووي
وخاصة تلك المتعلقة بتحويل الوقود النووي
بمنشأة أصفهان التي استأنفتها طهران يوم
الإثنين 8-8-2005.
ورغم
أن القرار لم يتضمن أي إشارة صريحة حول إحالة
الملف الإيراني إلى مجلس الأمن، فإنه يمكن أن
يمهد لذلك وهو ما يعد البداية الحقيقية
للتصعيد والصراع بين الجانبين.
وتكمن
أهمية هذا الصراع الدائر حاليا بين المعسكر
الإيراني والمعسكر الأوربي- الأمريكي في أن
نتيجته سوف تحسم مستقبلا: هل من حق الدول
الفقيرة والضعيفة والخارجة عن الوصاية
الغربية أن تمارس حقها المشروع مثل باقي
الدول النووية في إنتاج الطاقة النووية
واستخدامها في الأغراض السلمية أم لا؟.
والأهم
أن هذا الصراع سيحسم -ضمن أمور عديدة- ملفات
أخرى مثل صراع الحضارات بين الإسلام والغرب،
والوضع في العراق في ظل تشابك المصالح القائم
حاليا بين طهران وواشنطن، وحقيقة النفوذ
الصهيوني في إدارة "جورج بوش" التي ترى
أن طموحات إيران النووية والإقليمية تشكل
خطرا على "إسرائيل" التي تعتبر أن أمنها
القومي يمتد من باكستان إلى المغرب، لا سيما
أن "إسرائيل" أصبحت في مرمى صواريخ شهاب 3
الإيرانية.
النووي
الإيراني.. هدف قديم
معروف
أن "النووي" الإيراني مستهدف منذ زمن
خصوصا من جانب تل أبيب، وما عرقل إثارة الغرب
له بقوة في الفترة الماضية كان غزو العراق
واحتلاله الذي خلق نوعا من المصالح المشتركة
بين إيران وواشنطن لضرب حكم الرئيس العراقي
السابق صدام حسين، والتمكين لشيعة العراق من
الإمساك بزمام الأمور هناك، وما إن استقر
الأمر حتى عاد الجدل للملف سريعا، تجلى ذلك في
تصريحات تصعيدية أدلت بها مصادر إسرائيلية
على مدى الأشهر الماضية وقالت بموجبها إن
إسرائيل "لن تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي
حيال امتلاك النظام الإيراني أسلحة نووية".
وقد
تزامن هذا مع تقرير مفصل نشرته صحيفة "نيويورك
تايمز" الأمريكية عن فشل الجهود السلمية مع
إيران الذي يؤكد أنه لم يتم إبطاء وتيرة تطوير
الأسلحة النووية الإيرانية والكورية
الشمالية، بل نجحت كلتا الدولتين في تطوير
قدراتهما بصورة جلية خلال السنة الماضية، الأمر
الذي دعا أجهزة الاستخبارات الأمريكية للبحث
عن "طرق سرية" أخرى بغرض تشويش أو تأجيل
مساعي إيران لتطوير أسلحة نووية قدر الإمكان.
وفي
سياق ذات التصعيد أعلن الرئيس بوش في لقاء مع
قناة تلفزيونية إسرائيلية حكومية الجمعة
12-8-2005 "أن كل الخيارات مطروحة على الطاولة
في التعامل مع إيران"، مضيفا: "استعمال
القوة الخيار الأخير لأي رئيس لتأمين بلاده
كما فعلت واشنطن في السنوات الأخيرة"، وذلك
في إشارة إلى غزو العراق.
وأضاف
بوش: "لا أريد أن أستخدم القوة إلا كخيار
أخير من أجل ضمان أمن البلاد ومنح الناس فرصة
العيش في مجتمعات حرة"، معتبرا أن إيران
"ترفض الانصياع لمطالب العالم الحر بألا
يكون لديها بأي شكل كان برنامج قد يقود إلى
سلاح نووي".
والحقيقة
أن التلميحات الأمريكية باستخدام القوة ضد
طهران والتهديدات العسكرية الإسرائيلية بضرب
المفاعلات النووية الإيرانية أملا في
تدميرها كما حدث مع المفاعلات العراقية عام
1981، ونوايا القيام بعمل عسكري بتفويض أو
مشاركة أمريكية -سبق أن تكررت عشرات المرات
منذ بدء إيران بناء مفاعل بوشهر في
التسعينيات من القرن الماضي، إلا أن العام
المنصرم وما مضى من العام الحالي حملا أنباء
تشير إلى استكمال كل طرف استعدادات قد تعجل
بالصدام المنتظر على النحو التالي:
1-
ظهور بوادر جني إيران حصاد سياسة "توافق
المصالح" في العراق في صورة الحديث عن دولة
شيعية على لسان كبار القادة الشيعة الموالين
لإيران في مجلس الثورة الإسلامية في جنوب
ووسط إيران؛ ما أغضب واشنطن التي تعاني فشلا
متزايدا في منع المقاومة السنية، وربما تتهيأ
للهرب من العراق بخطط لحفظ ماء الوجه عبر
تخفيض تدريجي للقوات أو إسباغ الشكل الدولي
على الوضع الجديد في العراق لتبرر انسحابها.
2
- نجحت إيران في تطوير صاروخ شهاب -3 الذي يحمل
ثلاثة رؤوس حربية دفعة واحدة بشكل يمكنه من
تضليل الدفاعات الأرضية والصواريخ المضادة،
ويصل مداه إلى 1700 كيلومتر تجعله قادرا على
بلوغ الأراضي الإسرائيلية والقواعد
الأمريكية الموجود في الشرق الأوسط، وهو ما
يعني تهديدا مباشرا لتل أبيب ومصالح أمريكا،
خاصة إذا ما تمكنت إيران من تحميل هذا الصاروخ
بسلاح نووي.
3
- هدد الإيرانيون صراحة باستهداف مفاعل "ديمونة"
الإسرائيلي ووجهوا رسالة عبر رئيس الحرس
الثوري الإيراني تقول للإسرائيليين إنه في
حالة استهداف مفاعل بوشهر، فعليهم أن ينسوا
تماما مفاعل ديمونة، كما هددوا ضمنا بضربة
استباقية ضد القوات الأمريكية في الخليج.
4
- لأن إيران سترد بضرب تل أبيب بهذه الصواريخ
في حالة قصف مفاعلاتها فقد كان من الطبيعي أن
ينتظر الإسرائيليون لحين تطوير صاروخ مضاد
فعال، وهو ما نجحوا فيه في أغسطس الماضي 2004
عبر إنتاج واختبار صاروخ "حيتس"
بالتعاون مع أمريكا والذي نجح في اعتراض
صاروخ "سكود" اعتيادي، وقالوا إنهم
سيحاولون في التجربة المقبلة اعتراض صاروخ
"سكود" الأكثر تطورا، وهو الصاروخ الذي
يشبه كما تقول الصحف الإسرائيلية صاروخ شهاب-
3 الإيراني الذي صمم بشكل يمكنه من تضليل
أجهزة الدفاع المضادة للصواريخ. واستمرت هذه
المحاولات الإسرائيلية خلال العام الجاري 2005
الذي شهد تصريحات متواصلة لقادة إسرائيليين
عن امتلاك "رادع قوي" للرد على أي
تهديدات إيرانية ترد على أي عدوان إسرائيلي.
هل
يقع صدام عسكري؟
وفي
حالة فشل مجلس الأمن في تبني قرار ضد إيران
يجبرها على وقف أنشطتها النووية السلمية بسبب
عدم وجود دليل على إنتاجها للسلاح النووي أو
بسبب الفيتو الروسي الصيني المتوقع، فلن يكون
في مقدور واشنطن سوى اللجوء للحل العسكري
وقصف المفاعلات الإيرانية.
ولأن
ضرب واشنطن لإيران بشكل مباشر من شأنه أن يثير
أزمة ويفتح باب الحرب بين طهران وواشنطن على
مصراعيه، فهناك شبه إجماع بين الخبراء
العسكريين على أن واشنطن سوف تضرب مفاعلات
إيران عبر وكيلها المعتمد في المنطقة (تل أبيب)
بعد أن توفر لها التكنولوجيا والحماية
والتعويضات المناسبة.
ولكن
هل يعني ذلك أن نتوقع ضربة جوية إسرائيلية
مدعومة من أمريكا التي تسيطر على المجال
الجوي العراقي ويسهل عليها فتح الأجواء لضرب
إيران؟.. الواقع يشير لصعوبات ومعوقات أخرى
للقيام بعملية الضرب، بعضها صعوبات فنية
وعسكرية، وبعضها الآخر إستراتيجية وسياسية
يمكن تلخيصها فيما يلي:
1
- يقول مسئولو استخبارات وعسكريون: إن هناك
صعوبة في ضرب المنشآت النووية الإيرانية بسبب
توزعها في مناطق عديدة وفي أماكن سكنية عكس
البرنامج العراقي الذي تم ضربه بسهولة لأنه
في مكان واحد ومنطقة معزولة، ويؤكد "روبرت
جيتس" المدير السابق لوكالة الاستخبارات
المركزية الأمريكية "أنه من غير المحتمل أن
تكون مثل هذه الضربة فعالة بل قد تضر بالمصالح
الأمريكية؛ لأن إيران لديها عدد من المنشآت
النووية منتشرة في البلاد؛ مما سيجعل من
الصعب على إسرائيل استهداف مواقع نووية
إيرانية رئيسية تقع في المدن أو بالقرب منها
ويزيد من فرص إيقاع ضحايا من المدنيين".
2
- من غير المضمون نجاح أي ضربات جوية بدقة في
تصفية هذه المنشآت الإيرانية، بل إن عواقب
الضربات قد تدخل المنطقة في صراع أوسع وتتطلب
تدخلا أمريكيا لحماية إسرائيل في ضوء
التهديدات الإيرانية بالرد وتدمير المدن
الإسرائيلية، كما أن ضرب إيران سيثير
التساؤلات حول الانتقائية الأمريكية في ضرب
إيران دون كوريا الشمالية رغم أن برنامج
الثانية أخطر من الأولى وتجري معها مفاوضات
يسيرة للغاية.
3
- التورط الأمريكي الحالي في العراق لا يسمح
بفتح جبهة جديدة في إيران تثير غضب شيعة
العراق والمنطقة على الوجود الأمريكي عموما
وتضعف موقف القوات الأمريكية في العراق، وهو
ما ألمح له الرئيس الإيراني السابق بقوله "إنهم
متورطون في العراق".
الحلول
الوسط والصفقات
يبقي
بالتالي سيناريو الحلول الوسط والصفقات أو
سياسة الحصار الأمريكية لإيران بهدف رضوخها،
سواء عبر قرارات مجلس وكالة الطاقة الذرية أو
عبر قرارات متدرجة لمجلس الأمن. وقد ذكر
دبلوماسيون في طهران أن واشنطن ستدفع على
الأرجح بقوة في اتجاه إدراج آلية تقود إلى
إحالة الملف النووي الإيراني لمجلس الأمن،
وهو ما بدأ بقرار الوكالة الدولية للطاقة
الذرية يوم 11 أغسطس 2005 .
وعلى
ذلك، فثمة صعوبة لدى إيران في استبعاد
الرسائل الأمريكية بشأن تحويل الملف لمجلس
الأمن ما لم ترضخ إيران وتقدم تنازلات في
الملف النووي وملف العراق (تهدئة الشيعة)
وتتوقف عن توعد إسرائيل إذا قامت الأخيرة
بمهاجمة مفاعلها النووي "بتلقي ضربة لم
يحلم بها أي سياسي إسرائيلي".
التصعيد
سيستمر على الأرجح بين الطرفين، ويزداد بهدف
نقل رسالة تهديد للقيادة الإيرانية الجديدة
المحافظة. ولكن الملف لن يحسم قبل أن تتضح
حقيقة نوايا كل طرف وقدرته على الوصول إلى
نهاية المطاف، والسقف الذي يمكن أن يصل إليه
كل طرف جراء التصعيد والتصعيد المتبادل.
اقرأ
أيضًا:
** محلل الشئون السياسية بموقع "إسلام أون لاين.نت".