بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

ساحة الحوار    -    دليل المواقع

رواق الأفكار

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


هدم منازل غزة.. عقلية إسرائيلية استعلائية

2005/08/11

حسام شاكر**

مشاهد مثيرة ما زالت مرتقبة في سياقات تنفيذ سلطات الاحتلال الإسرائيلي لعملية إخلاء المستعمرات التي أقامتها في قطاع غزة. تأتي هذه المشاهد، وفق التوقعات المسبقة، على هيئة عملية انتزاع مخرَجة إعلاميا، وبطريقة تحقق أغراضا شتى لمعسكريْ معارضي الإخلاء ومؤيديه على السواء في الجانب الإسرائيلي.

إلا أن أحد المشاهد التي تستحق بكل تأكيد وقفة تأملية عندها، يتمثل في عملية هدم بيوت المستوطنين. فإذا كان تفكيك المستعمرات إجراء لا مناص منه باعتباره "تحصيل حاصل"، فإن التأمل في الجدل الإسرائيلي الداخلي الذي أثير في الأشهر والأسابيع الأخيرة بشأن كيفية التعامل مع المنازل المقامة في مستعمرات القطاع، يكشف على الأرجح عن الكثير مما تختزنه الثقافة الجمعية لهؤلاء القائمين على أمر الإخلاء، كما بالنسبة للذين استُزرعوا في هذه المنطقة عبر سنوات الاحتلال.

ففي سياق الإفادات التي رشحت من الجانب الإسرائيلي، فإن هذه البيوت سيتم هدمها بأيدٍ إسرائيلية، ليكون ذلك على الأرجح هو الخطوة الأخيرة في الانسحاب القسري من قطاع غزة.

من ياميت إلى مستوطنات غزة

ربما ستعيد هذه المشاهد إلى أذهان بعض المراقبين ذكرى إخلاء مستعمرة "ياميت"، التي أقامتها سلطات الاحتلال شمال سيناء، على الساحل الواصل بين رفح والعريش، واضطر الجانب الإسرائيلي إلى إخلائها سنة 1982 في سياق تسوية سياسية كبرى بين تل أبيب والقاهرة، بموجب اتفاقيات كامب ديفيد.

ما عرفته "ياميت" تلك كان التخريب بعينه. فقد قام المستوطنون آنذاك باغتنام لحظاتهم الأخيرة فوق تلك البقعة المصرية، في تخريب البيوت الحديثة التي شيدت لهم، بصورة لا يستوعبها الوصف العابر. وقد أمعنوا آنذاك في التدمير إلى الدرجة التي لم يتركوا معها منشأة واحدة أو بيتا دون أن يأتوا عليه بالتحطيم، لترتسم لوحة لما يشبه أحياء سكنية ضربها زلزال عنيف للغاية. أما الحقول الزراعية الملحقة بتلك المستعمرة فقد دمرت أيضا، بما في ذلك محصول البطيخ الذي كان على وشك النضوج آنذاك، والذي تم إحراقه بالكامل، كي لا يقطفه المصريون "الأغيار".

لا يمكن النظر إلى من قام بذلك كله على أنهم مجرد مجموعة هامشية في السياق الإسرائيلي العام، اجتاحتها حالة من التشنج الجماعي في لحظة تاريخية لم يتمكنوا من استيعابها. فهؤلاء، ومن بينهم "تساحي هنغبي" الذي تقلد وزارة الأمن الداخلي في حكومة شارون الأخيرة، ليسوا في واقع الأمر سوى نتاج للتكوين النفسي المتوقع من مشروع استعماري إحلالي وتوسعي، لم يكن مهيئا لتقبل فكرة الانسحاب أو التخلي عن أرض اغتُصبت في لحظة توسع عسكري خاطف.

هذا التكوين هو الذي جعل من "ياميت" بعد ذلك لوحة للتدمير الذاتي النادر. فمن زار المستعمرة بعد ذلك قدر له أن يرى بأم عينه كيف أطيح بالأسقف على الأعمدة المتداعية، وكيف أتت الجرافات والمعاول الإسرائيلية على كل شيء، حتى قطع البلاط المثبتة في طرقات المستعمرة، واحدة تلو الأخرى، وكيف خربت الجدران والنوافذ والمقاعد الحجرية وكل ما يتصور الانتفاع به فيما بعد، بأيدي المستوطنين أنفسهم. وحده كنيس المستعمرة، هو الذي أبقي على جدره منتصبة وسط بلدة غريبة من الأنقاض، لتحمل سقفا يؤوي ذكرى عملية تخريب نادرة.

وعى جمعي عنصري

أما عملية التخريب التي تجري هذه الأيام على قدم وساق في قطاع غزة، فتعكس هي الأخرى الكثير من الإشارات، بل تكاد تشي بكوامن عنصرية تتفاعل في الوعي الجمعي لهؤلاء المستوطنين وللدولة التي تقف وراءهم، وللمزاج العام لجمهورها.

ولم يكن الكاتب الإسرائيلي "شالوم يروشالمي" وحده الذي أفصح عن بعض تلك الكوامن، عندما سطر في صحيفة "معاريف" العبرية في عدد 12 يوليو 2005: "يبدو من الأحاديث التي كانت لي مع مستوطنين في غوش قطيف، أن كثيرين كانوا يريدون بالذات أن يهدموا بيوتهم. لقد أقسم لي أحد السكان في نافيه دكاليم، بأنه عندما تقعد زوجه وأولاده في شاحنة الإخلاء، فإنه سينزل للحظة ويشعل النار في دارته الخضراء، فهو لا يريد أن يرى عائلة فلسطينية تجلس في زاوية الأكل التي أبقاها"، كما جاء في المقال.

هكذا يتضح أن المسألة تتجاوز بالتأكيد مجرد غرض الحيلولة دون إتاحة المجال للآخرين كي ينتفعوا بعقارات ما. فمن سكنوا هنا يرون أنفسهم في موقف استعلائي لا يتيح لهم هضم حقيقة الهزيمة والانسحاب القسري المترتب عليها، الذي تتولى المؤسسة السياسية الإسرائيلية تغليفه شعوريا بعبارة "فك الارتباط"، وكأن الأمر لا يتعدى تنازلا عن أعباء، بدلا من تسمية الخطوة باسمها الصحيح، أي الانسحاب القسري تحت ضغط المقاومة التي لا تهدأ، أو ربما الفرار جراء ضرباتها الموجعة.

لقد ثار جدل إسرائيلي داخلي بشأن مصير منازل "غوش قطيف"، التجمع الاستيطاني الأكبر في قطاع غزة، إن كان من الأجدى هدمها أم نقلها إلى الفلسطينيين، وإذا نقلت، أتهدَى للجانب الفلسطيني أم تباع له، وإذا بيعت أيتم ذلك بواسطة أم بغيرها؟.

نحن نهدم وهم يزيلون

ومن الواضح أن التردد الإسرائيلي، فيما يتعلق بمسألة هدم بيوت المستعمرات، والذي تواصل حتى الأسابيع الأخيرة قبل أن يحسم، إنما يعود أساسا للكلفة المالية الباهظة المترتبة على إجراء الهدم، وعلى المدة الزمنية اللازمة للتدمير واسع النطاق هذا، علاوة على كيفية التصرف مع جبال الأنقاض المنتظرة، وهي بحد ذاتها معضلة مادية وزمنية وبيئية عويصة. وإلى جانب العامل المادي، ثمة كلفة إعلامية ستتكبدها الدعاية الإسرائيلية حول العالم إذا ما ترك الأمر لقطعان من المستوطنين يهدمون بيوتا خصصت لسكناهم، أو يكتفون بإشعال النار فيها، خاصة مع حضور عدسات المصورين لالتقاط تلك المشاهد المثيرة التي تعشقها الكاميرات.

وعندما ثار ذلك الجدل الإسرائيلي الداخلي، أمكن ملاحظة النزعة الاستعلائية المشوبة بروح عنصرية، الحاضرة بقوة في دوائر النخب والأوساط الإعلامية وفئات الجمهور بالدولة العبرية. ويمثل ذلك استمرارا لسوابق من الإفصاح عن تلك النزعة، كان منها التصريح الشهير لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "إسحق رابين" عندما أفصح عن أمنيته في أن يستفيق ذات صباح وقد غرقت غزة في البحر. وبمعنى آخر، أن يشهد القطاع عملية إبادة جماعية بلا كلفة تذكر على مشروع الاحتلال، ودون أن تحمل عنوان "الهولوكوست" مثلا.

وفي حالة الانسحاب الحالي، فإن ما يزيد من إبراز النزعة الاستعلائية، أن الحاضر الغائب في الجدل الخاص بمصير منازل المستوطنين، هو الشعب الفلسطيني، أو مجرد "الفلسطينيين" في التعبير الإسرائيلي الرائج، ذلك الشعب الذي يحلو لأطراف التجاذبات الإسرائيلية أن تصوره أحيانا كمن يتأهب لالتقاط فتات المشروع الاستيطاني المنهار في القطاع. بل إن الأمر يبلغ حدا يفوق التصور عندما يعمد ساسة ومسئولون إسرائيليون إلى طرح خيار: نحن (الإسرائيليون) نهدم وهم (الفلسطينيون) يزيلون، وهو ما أفصح عنه وزير الحرب الإسرائيلي شاؤول موفاز ذاته أيضا.

وما يؤسَف له بعمق، أن السياسة الفلسطينية الرسمية لم تمنح حتى الآن الانطباع بأنها معنية بكبح جماح هذه النزعة، أو إبداء شيء من التحدي الأدبي لهذا الخطاب الاستعلائي، وهو ما ينسجم على أي حال مع نمط التعاطي المتبادل بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، المطبوع بتوازنات "حقبة أوسلو"، والتي لا تسمح بأكثر من تصريحات باردة أو مواقف فاترة في غالب الأحوال. وما هو أدهى، هو تلك الأنباء التي وردت عن محاولة شركة عقارية عربية، في الربيع الماضي، شراء منازل المستوطنين الذين تقرر إجلاؤهم من غزة، قبل أن تلوذ الفكرة بالذوبان وقبل أن يتدثر أصحابها بالصمت. إلا أن الخطوة الموفقة تماما، قد تمثلت بالمبادرة الإماراتية لإقامة مدينة فلسطينية على أنقاض مستعمرات القطاع، وهو توجه يستدعي تثميرا عربيا وإسلاميا ودوليا.

الفلسطينيون يرفضون منازل المستوطنين

فالمدينة الفلسطينية هي الأصل، لا المستعمرة التي تقام ثم تفكك بعد ترحيل المستجلبين إليها إلى نقطة أخرى على خارطة الاحتلال. والبيت الفلسطيني، بمواصفاته المعروفة، هو الخيار، لا منزل المستوطن الإسرائيلي الذي استجلب يوما تحت حراب الاحتلال إلى هذه البقعة من الأرض الفلسطينية، واضطرته مقاومة الشعب الفلسطيني إلى الفرار تحت حماية الحراب ذاتها. إذ ليس البيت مجرد جدر ترفع سقفا، بل هو استجابة لاحتياجات السكنى بما يراعي خصوصيات الهوية والثقافة والسلوك الاجتماعي، وهو تعبير عن تلك الخصوصيات أيضا؛ ولذا فإن ما أقيم يوما لمستوطنين إسرائيليين استُجلبوا إلى المستعمرات ذات الأسقف القرميدية، ليس مؤهلا لأن يكون بيتا لأسرة فلسطينية، فضلا عن أن تكون عربية أو مسلمة، علاوة عن أن يكون ذلك لائقا بها من الناحية الأدبية.

ومن هنا يسود الاعتقاد، بأن المستوطنين لو لم يقرروا تخريب "بيوتهم" بأيديهم، أو لم تقرر سلطات الاحتلال تنفيذ هذه المهمة بذاتها حسب ما تقرر أخيرا، فإن الفلسطينيين ربما كانوا هم الذين سيحملون المعاول، المدفوعة بروح التحرر، ليأتوا على ما أقيم على أرضهم المغتصبة من بيوت ومنشآت تمثل في وعيهم الجمعي رموزا للعدوان وشواهد عليه.

المؤكد أن المواطنين الفلسطينيين، ومن قبلهم مواطنو شمال سيناء المصرية، ليسوا مكترثين ببيوت المستوطنين، لكنهم برهنوا ويبرهنون على تشبثهم بأرضهم المغتصبة، ولا يجدي في تغيير ذلك الموقف إيراد معطيات عددية عن القيمة العقارية المفترَضة لتلك البيوت، ذلك أن الأمر يتعلق بالإحساس بالكرامة ابتداء، الذي يتجاوز الحسابات المادية المجردة من الأبعاد الإنسانية.

إن عملية تخريب البيوت في مستعمرات القطاع، تشي بالكثير، ولعل المشهد القاسي بالنسبة لمن سكنوا في تلك المنازل أن يروا حشود الفلسطينيين وهي تتسابق إلى هذه الأبنية لتحيلها إلى ركام، رافعة راياتها، ومستذكرة بيوتا لها اغتصبت قبل ستة عقود، بل إن بعضها ما زال قائما على حاله الأصلية، وراء السجن الكبير المسمى قطاع غزة.

 اقرأ أيضًا:


**  باحث وصحفي مقيم في فيينا.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع