|

|
|
رئيس الحكومة اللبنانية الجديد فؤاد السنيورة مصافحا للرئيس لحود بعد أول اجتماع للحكومة اللبنانية الجديدة
|
استطاع
اللبنانيون أخيرا تشكيل حكومتهم المنشودة
بجهد لبناني خالص لأول مرة منذ خروج السوريين
من لبنان في 26-4-2005، وذلك بعد أن نالت الحكومة
التي شكلها "فؤاد السنيورة" 19-7-2005 ثقة 92
نائبا من أصل 128 نائبا بالبرلمان اللبناني،
غير أن هذه الثقة النيابية الكبيرة لا تعني أن
لبنان أصبح على السكة الصحيحة، وأن الطريق
ممهد أمام البرلمان اللبناني الجديد
والحكومة العتيدة لتحقيق ما يصبو إليه
اللبنانيون.
وفي
هذا الإطار يبرز عدد من التساؤلات عن طبيعة
التحديات التي ستواجهها الحكومة الجديدة،
وما هو مستقبل حزب الله؟ وماذا عن ملف
المصالحة الوطنية؟ ومصير ملف العملاء، وماذا
ينتظر اللاجئون الفلسطينيون في لبنان؟
تحديات
الحكومة الجديدة
تواجه
الحكومة اللبنانية الجديدة عدة تحديات، منها
إكمال تطبيق القرار 1559، وكيفية إدارة
العلاقات مع سوريا، ويسبق ذلك طبعا ملفات
الداخل التي لا تقل تعقيدا، وأهمها ترتيب
البيت داخليا عبر الاستقرار الأمني، ومواجهة
المشكلات الاقتصادية الضخمة.
والطابع
المميز لهذه التحديات وغيرها -كما سيأتي
لاحقا- أنها تحمل طابعا مزدوجا؛ إذ لا يمكن
فصل الداخل عن الخارج بسهولة، فكل قضية في
لبنان نجد لها طرفا ما خارجيا أو أكثر يرتبط
بها بشكل أو آخر.
أولا:
مسألة استكمال تطبيق القرار الدولي 1559 بشقه
اللبناني الذي يستهدف سلاح حزب الله
والمخيمات الفلسطينية، مع ما يثيره ذلك من
مخاوف داخلية؛ حيث يكون موقع الحكومة بين
المطرقة الدولية الأمريكية وسندان الداخل
اللبناني؛ الأمر الذي يحتم على الحكومة البحث
عن مخرج لهذا المأزق في ظل إصرار أمريكي
وفرنسي على تطبيق القرار ورفض داخلي، خاصة من
حزب الله له.
ثانيا:
إعادة صياغة سياسة لبنان ومواقفها من دول
الجوار سواء سوريا أو إسرائيل، أو القوى
الدولية (أمريكا وفرنسا) على أسس ثابتة، بعيدا
عن المصالح أو الضغوطات الآنية التي تهدف إلى
استخدام لبنان كورقة في المشروع الأمريكي في
المنطقة، والتي لا تكترث بمصالح اللبنانيين.
وقد
أحسن الرئيس "السنيورة" عندما نبذ بعض
الأصوات التي انتهجت منهجا عصبيا دعائيا
إعلاميا تجاه سوريا، وطالب الجميع بالتصرف
بعقلانية وحكمة حفاظا على المصلحة اللبنانية
السورية المشتركة، وذلك حينما طرح في بيانه
الوزاري ما يطمئن "دمشق" دون التفريط "باللغة
السيادية" التي أنتجتها التحولات الأخيرة،
مثل إشارته إلى إقامة علاقات صحية ومميزة مع
سوريا، والتزام لبنان بعدم السماح باستغلاله
من قبل أي جهة لضرب استقرار وأمن البلدين،
وتغليب مصلحة البلدين، وحل جميع المشاكل
العالقة بنضج وتفهم، ويبدو أن هذا ما فهمته
سوريا أيضا بعد زيارة الرئيس "السنيورة"
لها مؤخرا.
ثالثا:
ترتيب البيت الداخلي وتحقيق الأمن
والاستقرار عبر توفير مظلة سياسية واقية،
وتنفيس الاحتقان الداخلي، وإعادة هيكلة
سريعة لأجهزة الأمن اللبنانية لضمان
استقلاليتها وفاعليتها وخضوعها للسلطة
السياسية وفقا للدستور.
ولا
يجوز في هذا السياق اعتبار التمثيل النيابي
الحالي قاعدة تتخذ الأكثرية منه حجة من أجل
اكتساحها الآخرين؛ إذ يجب الإقرار أن هذا
التمثيل لا يعكس الواقع، وبالتالي يجب أن
ينسحب ذلك على الحكومة بأن يتم تنفيذ
المشاريع المصيرية بالتوافق مع جميع
المكونات بما في ذلك ما يسمى الثلث المعطل
داخل مجلس الوزراء أو النواب، مع العلم أن هذا
الثلث ليس ثابتا، فهو يتغير بانضمام أعضاء من
خارجه وانسحاب أعضاء من داخله بناء على
المواضيع المطروحة وخطورتها.
رابعا:
وضع اليد على المأزق الاقتصادي والمالي
الضاغط الذي يستلزم حلولا جذرية في ظل دولة
تقف على شفير الإفلاس نتيجة تراكم الديون
التي تصل الى 44 مليار دولار، مع ما يترتب
عليها من فوائد تصل إلى حدود 7.3 مليارات دولار.
وربما
سيواجه البرنامج الاقتصادي للرئيس "السنيورة"
الذي يتبع النهج الاقتصادي للحريري معارضة
حتى من داخل أعضاء في تحالف الحريري "الابن"
والذين عارضوا نهج والده الاقتصادي من قبل.
لهذا سيتطلب تنفيذ القرارات الاقتصادية حزما
وجرأة من جانب "السنيورة" حتى يتمكن من
الإصلاح واعتماد الشفافية ومحاربة الفساد
الإداري ومواجهة الديون المتراكمة باعتبارها
الجوانب الأكثر إلحاحا على المستوى
الاقتصادي.
وعلاوة
على هذه التحديات الجوهرية السابقة ثمة
مجموعة أخرى من القضايا التي تواجه الحكومة
الجديدة، وتكمن صعوبتها فيما تحمله من
ازدواجية بحيث لا تبدو لبنان وحدها هي صاحبة
القرار في حل هذه القضايا؛ فالحديث عن حزب
الله ومستقبله وعن وضع اللاجئين الفلسطينيين
في لبنان ربما يكونان أقرب للتدويل أكثر من
المحلية والإقليمية، أيضا يلاحظ أن ملف
العملاء اللبنانيين من القضايا الخلافية
التي ينتظر حلها الكثير من اللبنانيين وهي
قضية لا ترتبط فقط بالمصالحة الوطنية التي
بدأت إشاراتها في لبنان، إنما أيضا ترتبط
برؤية إسرائيل لكيفية التصرف مع هؤلاء
العملاء.
ويمكن
استعراض هذه القضايا في إيجاز كما يلي:
مستقبل
حزب الله
استجاب
حزب الله من جهته للمستجدات والتطورات التي
حدثت مؤخرا في المنطقة، والتي أثرت على وضعه
الداخلي بالضرورة، فأثمر ذلك مشاركة للحزب
لأول مرة في تاريخه في حكومة لبنانية، وعهد
إلى "محمد فنيش" النائب العضو في هذا
الحزب بحقيبة الطاقة والموارد المائية في هذه
الحكومة.
وهذه
ليست المرة الأولى التي يطرح فيها مستقبل حزب
الله على بساط البحث؛ إذ طرح مصير حزب الله في
عدة مرات سابقة: مرة في عهد كلينتون، ومرة
إبان الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، ومرة
أخرى منذ اغتيال "رفيق الحريري" وانسحاب
القوات السورية؛ حيث بدأت تطرح قضية الحزب
بشكل متصاعد داخل وخارج لبنان.
لكن
المستقبل وإن كان من الصعب علينا التنبؤ بما
سيحمله؛ فإنه قد يحمل ثلاثة سيناريوهات لوضع
الحزب مستقبلا فيما يخص مسألة الإصرار على
نزع سلاحه وفق القرار 1559:
-
السيناريو الأول: سحب سلاحه عبر مساومات
داخلية، على أن يتم التمسك باتفاق الطائف
الذي نص صراحة على نزع سلاح جميع الميليشيات
اللبنانية بما فيها تلك التي كانت تقاوم
الاحتلال أيضا مثل أمل والحزب الشيوعي
وغيرهم، ويذكر أن استثناء حزب الله من هذا
النص كان في السابق بناء على قرار سوري ودعم
إيراني، لكن مع مغادرة سوريا أصبح لا وجوب
لهذا الاستثناء، ولا يمكن لحزب الله من الآن
فصاعدا أن يكون ممثلا داخل الحكومة، وأن يكون
لديه جناح مسلح في الوقت ذاته؛ لأن ذلك سيثير
حساسيات الطوائف الأخرى، كما أنه لا يجوز أن
يكون هناك دولة داخل الدولة.
ويتوافق
هذا السيناريو مع مغريات أمريكية بالدرجة
الأولى، وفرنسية فيما بعد، بأن يتم إعطاء حزب
الله دورا سياسيا كبيرا في لبنان على غرار
الأحزاب الشيعية في العراق، وذلك مقابل أن
يقوم بالتخلص من أسلحته أو يجد لها مخرجا
ملائما.
-
السيناريو الثاني: سحب سلاحه عبر انسحاب
إسرائيلي من مزارع شبعا إذا فشل السيناريو
الأول، فهناك معلومات تقول: إن أمريكا قد تلجأ
إلى سيناريو تقنع بواسطته إسرائيل بأن تنسحب
من مزارع شبعا بغض النظر عن صاحب الحق
والملكية فيها سواء كانت سوريا أم لبنان،
وبذلك تنتفي حجة حزب الله بأنه يقاوم ويحمل
السلاح من أجل دفع إسرائيل إلى الانسحاب من
أراضيه فقط.
-
السيناريو الثالث: صفقة أمريكية إيرانية تنهي
وضع الحزب العسكري: ليس من المستبعد أن تقوم
الولايات المتحدة الأمريكية بعقد صفقة مع
إيران، تقدم واشنطن بموجبها تنازلات لطهران
فيما يتعلق بملف برنامجها النووي وعدم إحالته
لمجلس الأمن الدولي، مقابل أن توقف إيران
دعمها القوي خاصة اللوجستي لحزب الله،
وبالتالي يؤدي ذلك لإضعافه وسهولة الضغط عليه
باتجاه نزع أسلحته.
وضع
اللاجئين الفلسطينيين في لبنان
برز
مجددا على السطح وبقوة ملف اللاجئين
الفلسطينيين في لبنان إثر إصدار وزير العمل
اللبناني "طراد حمادة" مذكرة "تستثني
الفلسطينيين المولودين على الأراضي
اللبنانية والمسجلين بشكل رسمي في سجلات
وزارة الداخلية اللبنانية من حظر ممارسة
المهن المحصورة باللبنانيين"، علما بأن
ذلك لا يكفي في ظل حالتهم المتردية جدا في
لبنان، والتي زاد من سوئها إعادة فتح ملفاتهم
عبر إقحامهم بالقرار 1559.
هذا
ويرى الفلسطينيون في لبنان أن موضوع السلاح
مضخم جدا على أساس أنهم قد سلموا أسلحتهم
الثقيلة والمتوسطة إلى السلطات اللبنانية؛
بل وتقديمها هدية إلى الجيش اللبناني بعد
قرار حل الميليشيات في عام 1991، وأن السلاح
الذي تبقى معهم هو السلاح الخفيف الذي بقي
أيضا مع جميع اللبنانيين، كما أن هذا السلاح
الفردي ليس ظاهرة بل هو مقصور على مخيمي صيدا
وصور فقط. لذلك فهم يتخوفون من أن يؤدي نزع
سلاحهم الخفيف هذا إلى فقدان الحماية،
وبالتالي يمهد لارتكاب مجازر جديدة ضدهم سواء
من إسرائيل أومن غيرها. ومن هذا المنطلق هم
يجادلون بعدم نزع أي شيء ما دامت لا توجد أي
ضمانات واضحة وقطعية.
وبناء
عليه هناك شكوك ومخاوف متبادلة بين اللاجئين
الفلسطينيين والدولة اللبنانية؛ مخافة
التهجير والحرمان من العودة، ومن التمتع
بالحقوق للفئة الأولى، ومخافة التوطين
بالنسبة للثانية. ويمكن القول بأن التطورات
الحالية تصب في اتجاه عدة سيناريوهات، من
بينها:
-
سيناريو إعطاء اللاجئين حقوقهم مقابل سحب
سلاحهم: وهو ما بدا من خلال مذكرة وزير العمل
اللبناني "طراد حمادة" في 28-6-2005 الذي
تحدثنا عنها أعلاه، على أن يعطى للفلسطينيين
كافة الحقوق المسلوبة منهم تحت شعار منع
التوطين، لكن يبدو أن هذا السيناريو بعيد
الحدوث؛ نظرًا للمخاوف المتبادلة بين
الجانبين بوجه عام.
-
سيناريو التهجير أو التوطين: وفي هذا الإطار
يتم حاليا تسريب عدة مقترحات عن التوطين في
مراحل متعددة دائما، من بينها مشروع يقتضي
إجراء توطين في لبنان يقتصر على 150 ألف لاجئ
فقط، على أن تمنح للأعداد الباقية هوية السفر
إلى أي دولة أوربية أو أمريكية يختارونها من
بينها الدنمارك والسويد وكندا مقابل
المساعدة على سداد ديون الدولة اللبنانية، أو
تجنيس بعض المهاجرين في الخارج من أصول
لبنانية وهم في معظمهم من المسيحيين، وبذلك
يعود التوازن من جديد.
هذا
إضافة إلى وجود أكثر من مشروع وسيناريو لدى
الجهات الدولية لتمرير التوطين، أهمها مشروع
النائبة الأمريكية "إليانا روس ليتنن"
الذي أقره الكونجرس في 28-10-2003، وإعلان المدير
العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية "رون
بروسور" في 14-2-2004 عن مشروع تعده وزارته
لتوطين الفلسطينيين في لبنان.
المصالحة
الوطنية وملف العملاء
درج
مصطلح "المصالحة الوطنية" خلال حملة
إطلاق زعيم "القوات اللبنانية" سمير
جعجع من السجن، وبالفعل تم الإفراج عنه في
26-7-2005 بعد اعتقال دام 11 عاما أدين خلالها
باغتيال رئيس وزراء لبنان السابق "رشيد
كرامي"، وعدد من الجرائم الأخرى. وعلى
الرغم من أن الإفراج عنه كان تحت "شعار
المصالحة الوطنية"، فإن ما شهدته الساحة
اللبنانية من سجالات بعد خروجه يوحي بأن
الأمر كان لمصلحة فئوية بدلا من أن يكون
مصالحة وطنية؛ حيث رفضت العديد من الجهات ربط
العفو عن مدان بالعفو عن أبرياء "مجدل عنجر"
الذين اعتقلوا لتجارة إعلامية بخصوص الحرب
على الإرهاب، كما أكدت عائلة الرئيس "رشيد
كرامي" أن الإفراج كان لمصالح انتخابية
سياسية على حساب دم رئيس وزراء لبنان ودوره
الوطني؛ إذ جاء في رسالة للمجلس النيابي من
السيد عمر كرامي "نشكر المجلس الكريم على
إهدار دم الرئيس رشيد كرامي"، وأيد هذا
الموقف شريحة كبيرة من اللبنانيين الذين
اعتبروا أن دم كرامي لا يقل عن دم الرئيس
الحريري، متسائلين: هل سيطلق الحريري "الابن"
قاتل أبيه إذا تعرف عليه تحت عنوان المصالحة
الوطنية؟
كذلك
كان موقف الرئيس "سليم الحص" الذي اعتبر
الإفراج عنه "فجورا سياسيا بامتياز"، إن
خروجه كان من منطق الصفقة التي تحكم الحياة
السياسة في لبنان.
لقد
دفع هذا اللغط تحت عنوان "المصالحة الوطنية"
البعض لفتح ملف العملاء اللبنانيين الذين
لجئوا إلى إسرائيل بعد تحرير الجنوب في عام 2000،
وطرح وزراء "العماد ميشال عون" في
الحكومة هذا الموضوع الشائك، وطالبوا
باسترداد هؤلاء اللبنانيين؛ خوفا من أن يصبح
في إسرائيل جيل لبناني بكامله يحمل الجنسية
الإسرائيلية، خصوصا أن رئيس الوزراء
الإسرائيلي "إريل شارون" وضعهم أمام
خيارين: إما منحهم الهوية الإسرائيلية، وإما
ترحيلهم وتوزيعهم على بعض الدول التي توافق
على استضافتهم كلاجئين.
وهذا
الموضوع الشائك قد يكون أيضا من القنابل
الموقوتة المزروعة داخل مجلس الوزراء، خصوصا
أن هناك عددًا من اللبنانيين يعتبرون هؤلاء
عملاء لإسرائيل، ويفترض التعاطي معهم
قانونيا من هذه الزاوية؛ لأنهم ارتكبوا
الجرائم بحق أهلهم ووطنهم خدمة للعدو
الإسرائيلي، مع العلم بأنهم ينتمون إلى كل
الطوائف وليس فقط إلى الطائفة المسيحية
باعتبار أن جيش لبنان الجنوبي كان يضم 60% من
الشيعة.
على
أي حال، فإن مستقبل لبنان يظل متوقفا على حسم
بعض العناصر والتحديات الخطيرة والرئيسية
التي تواجه لبنان واللبنانيين، والتي على
ضوئها سيتم تحديد وجهة سير لبنان والخط الذي
يلتزم به.
اقرأ
أيضًا:
**باحث
سياسي متخصص في الشئون اللبنانية.