|
|
|
آثار للدمار الذي خلفته إحدى هجمات شرم الشيخ الإرهابية
|
أحداث
تفجيرات شرم الشيخ المروعة تدعو للتفكير
والبحث؛ فبعد الإدانة والشجب نحتاج للفهم
والتصدي. وما حدث في شرم الشيخ يكمل منظومة
جديدة من العمليات، بدأت في طابا وتوالت في
الأزهر ووسط البلد. كما أن تلك الأحداث تتواصل
مع غيرها من أحداث العنف في العديد من بلدان
العالم. والكثير من التحليلات تبحث عن علاقة
ما جرى بتنظيم القاعدة، وعلاقة تفجيرات شرم
الشيخ بتفجيرات لندن أو طابا، ولكن الأمر
يحتاج لنظرة متكاملة على الظاهرة نفسها؛
ظاهرة العنف المنفلت.
ودلالة
أحداث شرم الشيخ ترتبط بالموقع نفسه؛ فهو
موضع على الحدود الشرقية للبلاد، وفيه العديد
من السائحين الأجانب والإسرائيليين، وهو
المكان الذي شهد المؤتمرات الدولية، ومنها
المؤتمر الدولي حول الإرهاب. والمدينة أيضا
هي العاصمة السياسية الثانية؛ حيث يمارس رئيس
الجمهورية الكثير من أنشطته بها. وهي أيضا
مكان كان محتلا من قبل القوات الإسرائيلية،
وعاد دون أن يسمح بسيطرة القوات المسلحة عليه
سيطرة كاملة. وشرم الشيخ من أهم المدن
السياحية، ولها نصيب متميز من الدخل السياحي.
وكل تلك العناصر معا تجعل المدينة ذات طابع
خاص، وتجعل التفجيرات التي حدثت فيها ذات
مدلول هام.
نمط
للعنف المنفلت
والواقع
يشير إلى أن ما حدث كان عنفا لا يختار الضحايا،
بل يختار المكان الممكن والمتاح. لهذا جاءت
الضربة للمدينة، وكأن كل من يعمل أو يسكن بها،
وكل من يزورها مستهدفا. ومع تزايد الضحايا
المصريين، أصبح الهدف من أحداث العنف غير
مقصود في حد ذاته، وكأنه خارج الحسابات تماما.
فالمطلوب هو تفجير قوي، يهز أركان الأوضاع
الراهنة، ويزلزل الأرض مخلفا القلق والتوتر.
والمكان المختار في النهاية محط الأنظار،
وكاف لإحداث الأثر، كما أنه مكان قريب من
التفجيرات السابقة في أكتوبر عام 2004 في طابا.
وكأنه تحد مباشر لقوات الأمن يؤكد لها عدم
وجود مكان آمن، وبهذا تصبح يد العنف مطلقة.
وعندما
ينفلت العنف بهذه الصورة يصبح أكثر خطرا،
وأكثر قبحا لأنه لم يعد يختار هدفه بحسب
مبررات معينة يراها؛ بل أصبح يختار الأثر
الناتج من أعمال العنف أيا كان الضحية. وهذه
مرحلة لا يمكن السيطرة عليها؛ لأن المستهدف
من أعمال العنف سيصبح أي فرد وأي مكان. ويتمشى
هذا مع حالة الفوضى التنظيمية لجماعات العنف؛
فهي ليست تنظيما واحد، بل عدد من المجموعات
التي قد ترتبط أو تنسق فيما بينها، ولكنها
ليست تنظيما متكامل الأركان. وتلك المجموعات
لن تميزها رؤى سياسية أو تخطيط سياسي مترابط،
ولن تتميز بعمل تنظيري متعمق لتبرير ما تفعل،
بل تتحول تدريجيا لمجموعات عنف منفلت، لا
تهتم إلا بقدر ما تستطيع القيام به من أعمال
عنف.
عنف
يبحث عن المتاح
تلك
هي الرسالة الأولى لتفجيرات شرم الشيخ، وهي
نفس الرسالة التي احتوتها العديد من العمليات
الأخرى داخل وخارج مصر. ولكن البعض لا يريد
فهم الرسالة، ويحاول وضعها في قالب نمطي؛
لتكون نتاج تنظيم إرهابي وفكر ضال، ليتم
مواجهتها بالأمن والإدانة ومحاربة الفكر
الضال. ولكن الرسالة التي نراها من تفجيرات
شرم الشيخ تقول لنا: إن هناك عنفا منفلتا، بل
عنفا أعمى، ينتشر بين بعض الشرائح، وينمو
نموا طبيعيا، ويتغذى من الأجيال الجديدة،
ويجد صدى لدى مجموعات غاضبة. فعندما تندفع تلك
المجموعات لتضحي بكل شيء حتى تعبر عن غضبها في
صورة عنف منفلت قد يلحق الضرر بأشخاص أبرياء،
وقد يلحق الضرر بأقرباء أو أصدقاء المنتمين
لهذه المجموعات، عندئذ علينا إدراك أننا بصدد
ظاهرة اجتماعية قبل أن تكون سياسية، وأنها
ليست ظاهرة دينية أو فكرية كما يرى البعض؛ بل
هي ظاهرة عنف اجتماعي تتشكل داخل أغلفة فكرية
أو دينية؛ لتبرر نفسها وتشرح أهدافها.
وأحداث
شرم الشيخ أرسلت رسالة أخرى؛ مفادها أن العنف
لم يعد يميز بين العدو القريب (الأنظمة
السياسية) والعدو البعيد (الولايات المتحدة
الأمريكية وحلفاؤها الغربيون)، بل أصبح
يستهدف جملة الأوضاع الراهنة، وكأن الوضع
الراهن يمثل تحالف العدو القريب مع العدو
البعيد، وعليه يصبح زعزعة الوضع القائم حربًا
على العدو القريب والعدو البعيد معا. والحقيقة
أن هذا التحول في المواجهة بين جماعات العنف
والأنظمة الحاكمة والقوى الدولية يدل على
مستوى آخر من العنف بدأ بالفعل، ومرشح
للاستمرار.
ففي
الماضي كانت التنظيمات المسلحة الكبرى تضع
لنفسها برنامج عمل يهدف إلى تغيير الأوضاع
الراهنة، وكانت معظم هذه التنظيمات تريد
مواجهة العدو القريب، بغرض تغيير نظام الحكم
في بعض البلاد العربية والإسلامية. وعندما
ظهرت شبكة القاعدة بعد جلاء الاتحاد السوفيتي
السابق عن أفغانستان بدأت فكرة مواجهة العدو
البعيد على أساس أن أمريكا هي رأس الأفعى فيما
تعانيه الأمة العربية والإسلامية من
اعتداءات. وبهذا تحولت المواجهة من العدو
القريب إلى العدو البعيد، ولكن مجموعات
العنف الجديدة التي تتكاثر بصورة واضحة،
ونظرا لقلة رصيدها من التنظير، وميلها للخطط
قصيرة الأجل.. أصبحت تتبع منهج ضرب المتاح،
على أساس أن ضرب الأوضاع السياسية الراهنة هو
ضرب لكل أعدائها معا.
علينا
لهذا فهم رسائل شرم الشيخ؛ لأنها تعني في
تصورنا بداية عنف بلا خطة متكاملة ولا هدف
محدد ولا تحديد لنوع الضحية، هو عنف يهدف
لتحقيق هدف عام؛ فرسالته الأساسية هي رفض
الأوضاع القائمة، وضرب كل سلطة ترتبط
بالأوضاع القائمة، من خلال ضرب قدرتها على
فرض الأمن. وأصبح الهدف من العنف يتحقق بكسر
هيبة الأنظمة وسيادة الدول؛ ليصبح الشارع
خارج سيطرة الأجهزة الأمنية.. إنه عنف قبيح،
يدفع للفوضى.
اقرأ
أيضًا:
**
كاتب ومفكر اجتماعي.