|

|
|
الرئيس بوش أثناء إلقاء خطابه بقاعدة فورت براغ العسكرية فى 28 يونيو الماضي
|
عندما
بدأت حرب فيتنام في أواخر الستينيات من القرن
الماضي كان الرئيس الأمريكي "جونسون"
يرفع شعار "هزيمة الشيوعية في سايغون قبل
أن تغزو سان فرانسيسكو"، وعندما غزا بوش
العراق في أبريل 2003، رفع شعار "هزيمة
الإرهاب قبل أن يغزو أمريكا"، وعندما قاد
جونسون ومن بعده نيكسون هذه الحرب كانا
يسخران من مقاومة "الفلاحين"
الفيتناميين، وانتهى الأمر بهزيمة
الأمريكيين والاعتراف بقوة المقاومة، وهو
نفس ما يفعله بوش حاليا.. السخرية ثم الاعتراف
بقوة المقاومة.
هذه
المقارنة السابقة هي بالضبط ما بدأ الإعلام
الأمريكي وكبار المحللين هناك يركزون عليه -مثل
ريتشارد كوهين في صحيفة واشنطن بوست 9 يوليو
الجاري - بعدما بدأت واشنطن تستشعر ورطة كبيرة
في العراق مع تصاعد المقاومة وتزايد طوابير
نعوش القتلى والمصابين القادمين من العراق،
والتي كان خطاب الرئيس الأمريكي بوش الأخير
للأمة بمثابة تأريخ في نظر الكثيرين لسيناريو
الاعتراف بالهزيمة؛ حيث كان حديث بوش مماثلا
لحديث الزعماء الأمريكيين إبان حرب فيتنام.
ولم
يقتصر الأمر على تزايد أعداد القتلى التي
تقترب من ألفين، والجرحى (أكثر من 15 ألفا)، ولا
على قدرات المقاومة المتزايدة عسكريا
واستخباريا، ولا اعتراف وزير الدفاع
الأمريكي رامسفيلد بأن المقاومة ممكن أن
تستمر حتى عام 2012، ولكنه تخطى المسائل
العسكرية إلى السياسية، بنجاح المقاومة في
فرض حصار دولي شبه كامل على حكومة العراق
الموالية لأمريكا عبر مقاطعة الدول العربية
السنية لها، ثم من خلال استهداف السفراء
العرب والأجانب في العراق عندما بدأت بوادر
اعتراف عربي رسمي بهذه الحكومة، وإعادة
التفكير بقوة في جدوى نظرية حرب الإرهاب
الأمريكية المزعومة وغزو الدول، بعدما نجحت
القاعدة في نقل الصراع إلى الملعب الأوربي في
أسبانيا ثم بريطانيا في تفجيرات 7/7 الشهيرة،
وظهر أن غالبية القائمين بهذه التفجيرات هم
من أجيال ثانية وثالثة تؤمن بفكر القاعدة
الجهادي.
مطلوب
محاكمة بوش
والأخطر
من كل هذا أن هناك أصواتا داخل الكونجرس
الأمريكي بدأت تجمع الأصوات للمطالبة
بمحاكمة الرئيس الأمريكي بوش بتهمة استغلال
وثائق المخابرات في تضليل الأمريكيين وتبرير
حرب العراق بهدف الانتقام الشخصي من الرئيس
العراقي صدام حسين في صورة العراق، كما ينتظر
أن تفتح تفجيرات لندن ذات الملف في بريطانيا
بعدما يهدأ الأمر ويبدأ التفكير في أسباب
استهداف التفجيرات للندن هذه المرة.
فقد
طالب أعضاء ديمقراطيون في الكونجرس أوائل
يوليو الجاري بفتح تحقيق في "مذكرة داوننج
ستريت" التي كتبها مستشار رئيس الوزراء
البريطاني توني بلير، وتتهم بوش بـ"تكييف"
المعلومات الاستخباراتية عن برنامج أسلحة
الدمار الشامل في العراق لتبرير الحرب، ودعا
النائب الديمقراطي "جون كونيرز" إلى فتح
تحقيق في مضمون المذكرة لمعرفة هل تعمد بوش
تضليل الرأي العام الأمريكي لكسب تأييده
الحرب، وهي التهمة التي قد تقود -في حال
ثبوتها- إلى احتمال التصويت في الكونجرس على
عزل الرئيس من منصبه ومحاكمته.
وزاد
من أزمة بوش أن عضوين جمهوريين في الكونجرس
انضما إلى زملائهما الديمقراطيين في مطالبة
الرئيس ببدء سحب القوات الأمريكية من العراق
في أكتوبر 2006، وقول النائب وولتر جونز (جمهوري)
إنه بعد مقتل 1700 جندي أمريكي وجرح 12 ألفا
آخرين، وإنفاق ما يزيد على 200 بليون دولار "آن
الأوان لمعاودة النظر في النقاش من أجل إصدار
قرار في الكونجرس بهذا الصدد".
تعمق
المستنقع العراقي
بدأت
مراكز التحليل الأمريكية الكبرى تتوصل إلى
حقيقة خطيرة ملخصها أن غزو العراق لم يؤد كما
قيل لضرب الإرهاب، ولكنه على العكس فتح الباب
أمام أعداء أمريكا والكارهين لها ولسياساتها
وغطرستها، ووفر مكانا لتدفق هؤلاء إلى العراق
لمنازلة الأمريكيين مباشرة. ويذكر "ريتشارد
هالوران" في صحيفة واشنطن تايمز يوم 7 يوليو
الجاري أنه في الوقت الذي يحتفل فيه
الأمريكيون بذكرى إعلان استقلال الولايات
المتحدة، يمقتهم أغلب سكان الأرض بسبب غطرسة
وجشع وعنف الإدارة التي تحكمهم.
ويشير
"روبرت شير" في صحيفة لوس أنجلوس تايمز
يوم 6 يوليو 2005 إلى حقيقة هذه الحرب عندما قال:
إن "الحرب على الإرهاب" ليست سوى إعادة
صياغة لـ"نظرية الدومينو" المعروفة
بغبائها وخطرها، وإن الطريقة التي يستخدمها
الرئيس الأمريكي تقوم على تبرير مواصلة الحرب
رغم تعمق المستنقع العراقي بزعم "هزيمة
العدو في الخارج قبل أن يهاجمنا في الداخل"
كما كانوا يقولون خلال الحرب الباردة بأنه
إذا لم نهزم الشيوعية في فيتنام فإنها قد تغزو
في المرحلة القادمة سان دييجو.
ويعني
ذلك ببساطة أن غزو العراق مثله في ذلك مثل
احتلال السوفيت لأفغانستان -كما أقرت بذلك
"سي آي إيه" - يعد "وسيلة تجنيد ضخمة
للمتطرفين الإسلاميين عبر العالم أجمع"،
وبقيت "الحقيقة البشعة" المكتومة للحرب
على الإرهاب وهي أن مأساة 11/9 "استغلت
سياسيا من طرف جورج بوش وهاليبرتون
والبنتاجون والدعامات الأخرى للصناعات
التسليحية لأمريكا".
ومن
جانب آخر، يشير آخر استطلاعات الرأي العام
إلى أن غالبية الأمريكيين يعارضون سياسة بوش
في العراق، ويعتبرون أنه ما كان يجب شن حرب،
وأظهر أن شعبية بوش وصلت إلى أدنى مستوياتها
منذ إعادة انتخابه في نوفمبر الماضي، فطبقا
لاستطلاع أجرته قناة "سي بي إس"
الإخبارية وصحيفة نيويورك تايمز ظهر أن 60% من
الأمريكيين يعتقدون أن الأمور تسير نحو
الأسوأ بالنسبة للولايات المتحدة في العراق،
ووصلت نسبة من يريدون الانسحاب إلى 59% من
مجموع الأمريكيين طبقا لاستطلاع صحيفة "يو
إس توداي".
وبدأت
أوساط أمريكية رسمية تقلق لاقتراب الألف
الثانية من القتلى على الاكتمال وتصاعد
الخسائر تدريجيا كما حدث في فيتنام، بعدما
أشارت بيانات "ضحايا التحالف في العراق
Causality Coalition Iraq " -وهي جهة مستقلة غير حكومية
- لوصول عدد الضحايا الأمريكيين في الأسبوع
الأول من يوليو 2005 إلى 1728 بمتوسط 2.09 قتيل
يوميا منذ بدء الغزو، وبلغ عدد الجرحى نحو 12855،
في حين وصل عدد الضحايا العراقيين إلى ما بين
22434 و25426، ولا يعرف عدد الجرحى العراقيين بدقة.
لماذا
يرفضون جدولة الانسحاب؟
والقضية
الأخطر التي يدور حولها الجدل حاليا في
واشنطن هي: هل من المناسب جدولة انسحاب القوات
الأمريكية من العراق كما يطالب العرب السنة
والدول العربية أم لا؟ البيت الأبيض يرفض حتى
الآن وضع جدول زمني للانسحاب من العراق بدعوى
أن "وضع جدول زمني للانسحاب من العراق
سيبعث برسالة جيدة للإرهابيين، وبرسالة سيئة
للعراقيين وللقوات الأمريكية"، أي سيضعف
الروح المعنوية ويفسر على أنه هزيمة أمريكية
أمام المقاومة.
ولكن
المطالبين بجدولة الانسحاب يطرحون عدة
مبررات لذلك ويخشون بوضوح أن يؤدي الاستمرار
في مستنقع العراق لا إلى مزيد من الخسائر بين
الأمريكيين فقط بل إلى تحوله إلى معمل لتفريخ
وتدريب هؤلاء الجهاديين على غرار ظاهرة
الأفغان العرب، والخوف من انتشار هذا "الإرهاب"
في كل العالم.
وقد
لخص السيناتور الديمقراطي "جوزيف بيدن"
في ندوة عقدها معهد بروكينجز في واشنطن عقب
عودته من رحلته الخامسة إلى العراق مبررات
أهمية هذه الدعوة لتحديد جدول زمني في عدة
نقاط، أبرزها:
أولا:
أن "المتمردين" -يقصد المقاومة- ما زالوا
بنفس القوة التي كانوا عليها منذ العام
الماضي، وعلى العكس فمن المتوقع أن هناك
أعدادا أكبر من المقاتلين الأجانب تدخل
العراق عن طريق الحدود السورية؛ مما أدى
لتعظيم خطرهم، ويظهر هذا جليا في ارتفاع
معدلات أعمال العنف، إذ يبلغ عدد هجمات
المتمردين ما بين 60 -70 أسبوعيا.
ثانيا:
قوات الأمن العراقية تتطور مع مرور الوقت،
إلا أنها لا تستطيع أن تعادل قوة المتمردين
رغم دعم قوات دول التحالف لها، ورغم برامج
التدريب التي تقوم بها قوات التحالف والدول
الصديقة، وتدعي الإدارة -كما يقول- وجود 168 ألف
جندي من القوات العراقية المؤهلة، وإذا كان
هذا صحيحا، فلماذا هناك حاجة لوجود 139 ألف
جندي أمريكي في العراق؟!.
ثالثا:
الوضع السياسي في حالة جمود، فرغم نجاح عملية
الانتخابات في نهاية شهر يناير الماضي، فإنه
ليس هناك تقدم على ساحة العمل السياسي، ورغم
تشكيل الحكومة، فإن معضلة غياب التمثيل السني
لم يتم التغلب عليها بعد، إضافة إلى صعوبة
تحقيق التقدم السياسي المتوقع من كتابة
الدستور والاستفتاء الشعبي عليه ثم إجراء
الانتخابات العامة قبل نهاية هذا العام.
رابعا:
عمليات إعادة بناء العراق في حالة كارثة،
ويظهر هذا جليا عند معرفة حقيقة أنه تم صرف
مبلغ 6 مليارات دولار فقط (40% منها للقوات
العراقية) من إجمالي المبلغ المخصص لإعادة
بناء العراق والذي حدده الكونجرس بنحو 18.4
مليار دولار هذا في الوقت الذي تبلغ فيه نسبة
البطالة ما بين 40%-50%.
خامسا:
مقدرة وإمكانيات الحكومة العراقية ضعيفة
جدا، ويظهر ذلك في عدم قدرة الحكومة على بسط
سلطاتها أو عقد اجتماعات خارج المنطقة
الخضراء المؤمنة بالقوات الأمريكية.. لهذا
طالب السيناتور الديمقراطي بتغيير الوضع
السياسي في العراق، وتغيير أسلوب التعامل
الأمريكي مع المسألة العراقية.
واللافت
أن ذلك قد تزامن مع تصاعد الأصوات داخل أروقة
صنع القرار بالكونجرس بضرورة وضع جدول زمني
لسحب القوات الأمريكية من العراق، كان
أبرزها خطوة تجمع أكثر من مائة من النواب عن
الحزبين الديمقراطي والجمهوري في جلسة غير
رسمية الأسبوع الماضي أمام حديقة البيت
الأبيض في محاولة لجذب الانتباه إلى مذكرة
"دواننج ستريت"، ونجحت هذه الجلسة في جمع
نصف مليون توقيع للمطالبة بإنهاء الحرب في
العراق، وبتفسير البيت الأبيض لما جاء في
هذه المذكرة من معلومات، وتمكن النواب من
جمع 561 ألف توقيع على مذكرات المطالبة
بالانسحاب.
تفجيرات
لندن وقتل السفراء زادا الضغوط
وقد
تصاعد الجدل حول ضرورة الانسحاب الأمريكي
والبريطاني عقب تفجيرات لندن وتضييق الحصار
من جانب المقاومة العراقية على حكومة
الجعفري، والاعتداء على عدد من السفراء العرب
والأجانب الذي أدى لإفشال خطة أمريكية لجلب
الشرعية والاعتراف الدولي للحكومة العراقية؛
حيث تحدثت صحيفة "ميل أون صنداي" عن
وثيقة تقول إن الحكومتين البريطانية
والأمريكية تخططان لسحب قسم كبير من قواتهما،
كما أكدت صحيفة "صنداي تايمز" 10 يوليو 2005
أن رئيس الوزراء البريطاني بلير رفض الربط
بين حرب العراق والهجمات على لندن باعتبار
الأخيرة نتيجة مباشرة للأولى، ومع هذا حصلت
الصحيفة على معلومات تفيد بأن بريطانيا في
طور التفاوض مع أستراليا لتتسلم السيطرة
العسكرية على جنوب العراق منها تمهيدا لنقل
القوات البريطانية هناك إلى أفغانستان.
لقد
دفعت تفجيرات لندن الرأي العام البريطاني
لإعادة فتح ملفات مذكرة "دواننج ستريت"
وتوريط بلير لبلاده في حرب ضد الدول العربية
والإسلامية كان نتيجتها انتقال الإرهاب إلى
لندن، وهو نفس الأثر الذي أحدثته خطة القاعدة
لقتل وخطف السفراء العرب والأجانب في العراق
بهدف إجهاض خطة تحدثت عنها وسائل الإعلام عقب
زيارة "كوندوليزا رايس" للمنطقة العربية
مؤخرا بشأن توفير نوع من الشرعية والاعتراف
الرسمي بحكومة العراق، حيث انتهى الأمر -عقب
قتل السفير المصري- لسحب مصر غالبية بعثتها
الدبلوماسية مع العراق وتجميد باقي الدول
العربية خطط زيادة حجم بعثاتها الدبلوماسية
ورفع مستوى تمثيلها، وهو ما سوف يزيد الضغط
على بوش أكثر وأكثر.
بعد
هذا كله يجوز التساؤل: هل يحاكم الأمريكيون
والبريطانيون بوش وبلير على توريطهما لهم في
حرب العراق مما تسبب في ظهور طبعة أوربية
للإرهاب بدأت في إستانبول ثم مدريد وانتقلت
للندن وربما تستمر؟ وهل تؤثر عملية قتل
السفير المصري في العراق وسحب الدول العربية
السنية يدها من المساندة الدبلوماسية للسنة
ولتهدئة الأوضاع في العراق على المستقبل
السياسي لسنة العراق وضعف نفوذهم؟ وهل نجحت
تفجيرات لندن في نسف نظرية محاربة الإرهاب
الأمريكية وكشفت أنها -إلى جانب ما حدث في
جونتاناموا وأبو غريب- جاءت بنتائج عكسية
وزادت حجم الكراهية والغضب العربي للاحتلال
الغربي، مما ينذر بتفريخ المزيد من أجيال
تعتنق فكر القاعدة؟..
اقرأ
أيضًا:
**محلل الشؤون السياسية بموقع إسلام أون لاين.نت.