|

|
|
الأستاذ سمير مرقس العضو المؤسس للفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي
|
بدأ
ملف الشأن القبطي من ضمن كثير من الملفات يبرز
على سطح الحياة السياسية والفكرية في مصر منذ
السبعينيات، وهي الفترة التي عرفت تاريخيا
بحقبة التوترات والاحتكاكات الطائفية، والتي
بدأت تحديدا من حادثة الخانكة في نوفمبر من
عام 1972م؛ أي منذ ما يقرب من 35 عاما. وعندما بدأ
الاهتمام بهذا الملف لم يكتفِ بدراسة ما يحدث
في السبعينيات وما تلاها فقط حول العلاقات
الإسلامية المسيحية في مصر، ووضع الأقباط
السياسي والقانوني، وإنما طال أيضا المراحل
التاريخية السابقة؛ في محاولة للتأصيل
والفهم حول أسباب وجذور ما حدث في السبعينيات.
المواطنة
مدخلا لفهم الشأن القبطي
وفي
تناولنا للشأن القبطي فإننا نحاول دوما أن
ندرسه من منظور المواطنة التي تعني لدينا
الآتي:
أ.
التزام السياق التاريخي لحركة المواطنين
المصريين، المسلمين والأقباط؛ فبغير ذلك
تكون الرؤية مبتورة. وسوف يتم التعامل مع
الأقباط وكأنهم يتحركون في فضاء اجتماعي
وسياسي منفصل عن الواقع ككل، وأتصور الحال
كذلك بالنسبة للمواطنين المسلمين، فعلى سبيل
المثال، إذا أردنا الحديث عن ظاهرة "عزوف"
الأقباط عن المشاركة السياسية؛ فإننا لا
يمكننا الحديث عنها وكأنها ظاهرة تخص الأقباط
وحدهم من دون قراءة الظاهرة في إطار سياقها
التاريخي العام كونها إشكالية مصرية عامة.
ب.
إن الأقباط مواطنون في المقام الأول وأعضاء
في الجماعة الوطنية المصرية لا يشكلون "جماعة
مستقلة" أو "كتلة مغلقة" وهو ما
نبهنا عنه مبكرا عشية انتخابات 1984، فالأقباط
غير متماثلين من حيث الانتماء الاجتماعي
والسياسي، فهم منتشرون في جسم المجتمع رأسيا
ومنهم العامل والفلاح والمهني والحرفي ورجال
الأعمال والتجار، ولا يربط بينهم سوى
الانتماء إلى مصر من جانب، والانتماء الديني
من جانب آخر، وبين هذين الانتماءين تفترق
المصالح والتحيزات والرؤى.
ج.
إن المواطنة التي هي تعبير عن حركة المواطن
على أرض الوطن تتجاوز مفاهيم الطائفة والملة
والذمة حيث إن الوطن يستوعب كل ما سبق، كما
تتجاوز المواطنة مفهوم الأقلية بتداعياته.
في
ضوء ما سبق، سنحاول الاقتراب من الشأن القبطي
وما يترتب عليه من علاقات مسيحية إسلامية في
محاولة لتفسير الإشكاليات الآنية -المزمنة
بعض الشيء- وكيفية علاجها، وهو ما يلزم أن
نمهد له تاريخيا من أجل حضور فاعل للأقباط على
قاعدة المواطنة، أي إننا ندرس الشأن القبطي
في إطار دراستنا للمسار التاريخي للمواطنة،
ونقصد بذلك حركة المصريين، ومن ضمنهم
الأقباط، في سعيهم نحو بلوغ المواطنة التي
تعني مركبا متعدد العناصر (المشاركة،
والمساواة، والحقوق بأبعادها، واقتسام
الموارد)، وهو تعريف يتجاوز الدستوري
والقانوني إلى الاجتماعي والاقتصادي
والثقافي؛ فهذه العناصر هي التي تعكس مدى
تحقق المواطنة أو تراجعها، وما هي المقومات
التي دفعت إلى تحققها، أو المعوقات التي تؤدي
إلى تراجعها.
فالمواطنة
شأنها شأن أي عنصر من العناصر المكونة
للعملية السياسية في إطار العلاقة بين الحكام
والمحكومين، تتأثر إيجابا وسلبا بالمنظومة
المجتمعية العامة؛ لذا فإن مسيرة المواطنة -في
تقديرنا- مرت منذ تأسيس الدولة الحديثة في مصر
بمراحل عدة، وذلك كما يلي:
أولا:
مرحلة بزوغ المواطنة وإقرارها من أعلى (محمد
علي).
ثانيا:
مرحلة "تبلور" المواطنة والالتفاف
القاعدي حولها (ثورة 1919).
ثالثا:
مرحلة المواطنة "المبتسرة" أو المواطنة
في بعدها الاجتماعي (ثورة 1952).
رابعا:
مرحلة "تغييب" المواطنة أو تديين الحركة
السياسية (1971 – 1981).
خامسا:
مرحلة محاولة استعادة المواطنة (1981 حتى الآن).
وتجدر
الإشارة هنا أن هذه المسيرة كانت تضم كل
المصريين دون استثناء. وإذا كان تحركها
البارز واللافت بدأ مع مطلع القرن التاسع
عشر، فإن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك إرهاصات
لهذا التحرك قبل ذلك خاصة على المستوى
القاعدي الذي وفر قدرا من التضامن الاجتماعي
بين المحكومين قاعديا وبخاصة أن المعاناة لم
تفرق بين مصري أو آخر، فالتوافق الديني بين
الحاكم وجانب من المحكومين لم يعط أي ميزة
إضافية لهؤلاء المحكومين، فالجميع وبخاصة
الفقراء كان عليهم دفع المال وتلبية احتياجات
الحكم العثماني ثلاثي العناصر (الوالي ـ
المماليك ـ الأوجاقاط "العسكر"). وكان
المصريون مستبعدين تماما من الجيش الذي يمثل
النموذج الوطني للانصهار بين مكونات الجماعة
الوطنية، ومع محمد علي تأسس الجيش الوطني من
المصريين المسلمين أولا ثم تبعهم الأقباط.
إن
القراءة التاريخية هامة للغاية خاصة عند
تناول إشكاليات الواقع لأنه لم يعد مقبولا
البدء من جديد كل فترة زمنية، كذلك فإن
الانقطاع عن وقائع التاريخ يجعل البعض يستدعي
أفكارا أو نماذج خارج الخبرة الوطنية المصرية
عند حدوث مشاكل أو توترات طائفية مثل الحديث
عن نظام الذمة باعتباره النظام المثالي
بالرغم من أن الخبرة المصرية لم تعرفه.
الشأن
القبطي بين ثورتي 1919 و 1952
القارئ
لتاريخ مصر الحديث على مدى المائتي عام
الأخيرة، لا بد أن يقف كثيرا عند ثورة 1919
باعتبارها نقطة تحول كيفية في مسيرة الحركة
الوطنية المصرية وذلك من زاويتين: الأولى:
تعدد القوى الاجتماعية والسياسية المشاركة
في الثورة والثانية: تحقق التكامل
الوطني بين المسلمين والأقباط بصورة غير
مسبوقة في تاريخ مصر. بالنسبة للزاوية
الأولى، نجد مصر قد شهدت تحركا جماهيريا
شاملا من أجل الاستقلال، الأمر الذي يعني في
تاريخ المجتمعات والشعوب المدخل لتكوين
الجماعات السياسية الوطنية، فما التحرك
الجماهيري والشعبي إلا مدخل نحو بدء الانطلاق
لتأسيس هذا التكوين تكوينا مصريا ومزج
الأهالي في كيان سياسي واحد وإيجاد الصيغة
الملائمة لتأكيد قوة التماسك بين الأهلين.
وعليه لم يكن غريبا أن يعتبر الباحثون ثورة 1919
"ثورة نموذج" من حيث قدرتها على استيعاب
القوى الاجتماعية المختلفة وطرحها شعارات
التف حولها الناس مثلت تعبيرا حيا لحاجة
طالما اشتاق لبلوغها المصريون.
إن
تطور المجتمع المصري إبان الحرب العالمية
الأولى قد كشف عن ظاهرتين أولاهما: الضغط
الهائل وغير الطبيعي على جماهير الشعب المصري
من الفلاحين الفقراء والمتوسطين إلى جماهير
المدن من البروليتاريا والحرفيين وصغار
التجار منضما إليهم جماهير المتعلمين
والموظفين وصغار الضباط، وبالتالي فإن
التنافس كان حادا وعدائيا بين هذه الفئات
وبين الإمبريالية المتمثلة في الاحتلال
والحماية.
والظاهرة
الثانية أن تطور البرجوازية المصرية أثناء
الحرب وتوسعها إلى حد ما وزيادة ثروتها قد أدى
إلى نمو وعيها وإحساسها بأهمية السوق
الوطنية، أو بتعبير آخر، فإن مصر في
العشرينيات لم يعد بالإمكان إخضاعها للأنظمة
الإمبريالية لأن صناعتها الناشئة جعلتها في
موقف المعادي للاتفاقات التجارية
الاستعمارية وهذا هو التنافس العدائي الثاني
بين البرجوازية من جهة والاحتلال من جهة أخرى.
وأما
الزاوية الثانية،
يمكن القول إن ثورة 1919 قد استطاعت أن تضع على
بؤرة الحدث حركية جديدة مثلت ذروة في العلاقة
بين مكوني الجماعة الوطنية، حيث اتجهت بها
نحو تحقيق الاندماج الوطني الذي بات مثالا
يقاس عليه وهو ما يؤكد عليه "أبو سيف يوسف"
بقوله عن ثورة 1919 إنها ارتفعت بقضية التكامل
الوطني ـ القومي بين المسلمين والقبط إلى
مستوى لم تبلغه من قبل، فقد استطاعت أن تبلور
المواطنة من خلال الالتفاف القاعدي من جموع
المصريين حولها والتي أعطت للمواطنة مضمونها
جماهيريا واجتماعيا.
والراصد
التاريخي يمكنه أن يسجل كيف انعكس ما سبق
إيجابا على المشاركة السياسية للمصريين عامة
وللأقباط خاصة في الفترة من 1919 إلى 1952؛ وهو ما
ترتب عليه إيجاد حلول لمشكلات كانت تصطبغ من
قبل بصبغة دينية أو طائفية، وتكفي مراجعة نسب
المشاركة السياسية والحضور القبطي في
انتخابات: 1924، 1925، 1926، 1929، 1931، 1938، 1942، 1945، 1950؛
فلقد لاحظ "طارق البشري" في مؤلفه (الأقباط
والمسلمون في إطار الجماعة الوطنية) أن
الانتخابات التي كان يحصل فيها الوفد على
الأغلبية باستثناء انتخابات 1950، كانت هي التي
يصل فيها عدد الأقباط أكثر ما يكون بنسبة
تتراوح بين 8% و10.5%، والعكس بالعكس، ودلالة ذلك
تأكيد الصفة السياسية للانتخابات وليس
الدينية.
الشأن
القبطي وثورة يوليو
بداية
وبحسب رأي الكاتب "محمد حسنين هيكل"،
رحبت أوسع قطاعات من الجماهير الشعبية
والوطنية بقيام النظام الجديد، وكان موقف
القبط في مجموعهم -باستثناء كبار ملاك
الأراضي الزراعية وكبار الرأسماليين- هو أن
ينسجموا مع أقرانهم من المسلمين، ويشير "أبو
سيف يوسف" صاحب كتاب "الأقباط والقومية
العربية" إلى موقف أبناء الفئات الوسطى،
والوسطى الصغيرة القبطية، هؤلاء الذين كانت
مصالحهم ترتبط موضوعيا بتحقيق أهداف النضال
الوطني والاجتماعي ضد تحالف الاستعمار
والسراي والبرجوازية المصرية الكبيرة بمختلف
أجنحتها، بيد أن عددا من الإشكاليات برزت على
سطح الحياة السياسية المصرية فيما يتعلق
بعلاقة الثورة بالأقباط، بعضها يخص الجانب
المدني، وبعضها يخص الجانب الديني للأقباط،
وذلك كما يلي:
1
– إشكالية أولى: تتعلق بغياب الأقباط عن مجلس
قيادة الثورة.
2
– إشكالية ثانية: حول علاقة جماعة الإخوان
المسلمين ببعض العناصر المشاركة في الثورة.
3
– إشكالية ثالثة: تتعلق بإلغاء المحاكم
الشرعية والمجالس الملية.
4
– إشكالية رابعة: تتعلق بهوية مصر.
وبالرغم
من اهتمام الثورة بالجانب الاجتماعي للفئات
الوسطى والدنيا والتي كانت تضم الأقباط، فإن
الإشكاليات العامة سابقة الذكر قد خلقت مناخا
قلقا، ساهم فيه تغييب الديمقراطية لصالح "الحاكم
الزعيم" والتنظيم السياسي الواحد؛ حيث تم
دمج السلطات لصالح جهاز الحكومة ومع السلطة
الفردية، كما تم استغناء التنظيم السياسي
للدولة والمجتمع عن مبدأ الحزبية في عمومه..
فصار جهاز الدولة هو الجهاز السياسي والإداري
معا. وفي محاولة لعلاج غياب الأقباط فكر
النظام بمنطق بيروقراطي
لحل هذا الأمر، ووصل
إلى أمرين مثلا معا محطة أولى أتصورها أحد
أسباب ما نحن فيه الآن، يضاف إليها "محطة"
ثانية تكاملت مع ما قبلها في تأجيج
الإشكاليات الآنية، وإن كان تاريخها يعود إلى
السبعينيات.
الأقباط
كجماعة سياسية ثم كجماعة دينية
المحطة
الأولى: النظر إلى الأقباط كجماعة سياسية:
لم
تستطع ثورة يوليو أن تستمر فيما أسسته ثورة 1919
بالنسبة للاندماج الوطني بين المسلمين
والقبط، وفي محاولة منها لحل الغياب القبطي،
فكرت فيما عرف عام 1957 "بإغلاق الدوائر"؛
أي تخصيص عدد من الدوائر للأقباط واقتصارها
عليهم. ثم استحدثت مبدأ التعيين بحسب المادة 49
للدستور 1964؛ حيث نصت على أنه "لرئيس
الجمهورية أن يعين عددا من الأعضاء لا يزيد
عددهم على عشرة أعضاء" (وأدرج هذا النص في
دستور 1971، ولم يزل معمولا به حتى الآن)، وعلى
الرغم من عدم النص على ديانة العضو المعين فإن
العرف جرى بأن يستفاد من هذا النص في تعويض
غياب الأقباط؛ فبدلا
من أن يعالج غياب القبط بالجهد السياسي
الشعبي على طريقة الوفد، عولج بمنهج
بيروقراطي، وخطورة هذا النهج أنه جعل من
الأقباط جماعة سياسية ذات مصالح واحدة لا بد
من تمثيلها السياسي من خلال عدد معين؛ كونهم
أقباطا وليسوا مواطنين.
وليس
صدفة أن تأميم العمل السياسي امتد إلى كل شيء؛
فالمجلس الملي تم تجميده في مطلع الستينيات،
وتم وضع لائحة لانتخابات البطريرك، ألغي منها
الانتخاب الحر المباشر لصالح ما يعرف بالقرعة
الهيكلية. وفي محاولة لخلق شخصيات مدنية
قبطية من طراز (مكرم عبيد وويصا واصف) تم
الاستعانة بالتكنوقراط الأقباط من جهة
وبالأنتلجنسيا (النخبة المثقفة) القبطية من
أبناء الطبقة الصاعدة، بعضهم من اليسار
وبعضهم من أبناء حركة مدارس الأحد؛ بمعنى أن
النظام السياسي قد استعان بكل من التكنوقراط
الأقباط وبالأنتلجنسيا القبطية ليكونا
بمثابة جناحين يتعامل معهما مع الشأن القبطي.
وذلك كما حدث مع العمال عندما تم اختزالهم في
الاتحاد العام لعمال مصر مثلا، أي نفس المنهج
الذي يقوم على تقسيم المجتمع إلى فئات نوعية
واختزالها في وسطاء قد يكونون أفرادا أو
مؤسسات.
المحطة
الثانية: التعامل مع الأقباط كجماعة دينية في
السبعينيات:
مع
مطلع السبعينيات بدأ الحديث عن الوضع الفقهي
للأقباط، ومن ثم برز مفهوم "أهل الذمة"،
وتوافق ذلك مع إعلان رئيس الدولة أنه رئيس
مسلم لدولة إسلامية، وهو ما يثير السؤال ضمنا:
وماذا عن غير المسلمين؟، وما
ترتب على ذلك ما أسميته منذ وقت مبكر "تديين
الحياة السياسية"، أي التحرك في اتجاه
السياسة على أساس ديني، أو بلغة أخرى: تيار
إسلامي وتيار غير إسلامي... وهكذا. وفي هذا
المقام استبدل النظام الكيان الديني
بالوسطاء؛ ليكون معبرا عن الأقباط.
وقد
دعم ذلك انسحاب الدولة من كثير من الواجبات
التي من المفروض أن تقوم بها مثل: التوظيف
والعلاج، حيث وجد الفرد أنه لا مناص من العودة
إلى المسجد أو الكنيسة بحثا عن العلاج أو
الدرس الرخيص، وهكذا وهنت الرابطة التي تربط
بين الفرد/ المواطن والجماعة الوطنية لصالح
الانتماءات الفرعية. إنها عودة إلى "دولة
ما قبل المواطنة" كما أوضحنا فيما سبق.
وبالطبع تعددت وتنوعت "الهموم"، وهو
تعبير نؤثر استخدامه منذ وقت مبكر (راجع
دراستنا: "هموم الشباب القبطي"،
القاهرة، 1992، وكتابنا "الحماية والعقاب..
الغرب والمسألة الدينية في الشرق الأوسط"
2000)، حيث رصدنا نوعين من الهموم هما:
أ
– هموم مؤسسية:
ونقصد
بها الهموم التي تخص الكنيسة والدولة، وتتضمن
الأوقاف وبناء الكنائس.
ب
– هموم حياتية:
ونقصد
بها تلك الهموم التي يتعرض لها الأقباط في
حياتهم اليومية بصفتهم الدينية مثل: عدم
تكافؤ الفرص، والتشكيك في العقيدة الدينية،
والتراجع عن المواطنة، وتداعيات ذلك على مدى
الاندماج الوطني.
بالطبع
فاقم من هذه "الهموم" التعامل
البيروقراطي مع الشأن القبطي، وهو تعامل غير
مبدع ويكرس ما هو قائم؛ فعلى سبيل المثال لا
الحصر إشكالية بناء الكنائس مطروحة منذ حادثة
الخانكة 1971 وطرحت حولها حلول كثيرة، وكتبت
الكثير من الكتابات (راجع تقرير العطيفي 1972،
وتقرير مريت غالي 1979، وكتابات وليم سليمان
قلادة، وميلاد حنا، وسمير مرقس حول هذا
الموضوع)، ولكن إلى يومنا هذا لم تزل مشكلة
قائمة وهما جاثما.
كذلك
فاقم الإحساس بالأزمة هجمات الجماعات
الإسلامية المسلحة التي استهدفت الأقباط
بشكل مباشر، وعدم قدرة الكيانات السياسية
القائمة من أحزاب ونقابات من ابتكار وسائل
تفتح آفاقا لاستعادة الأقباط كمواطنين في
مسيرة المواطنة المصرية.
يضاف
إلى ما سبق وبالعودة مثلا إلى المحاضر
الأمنية للأحداث الدينية يذكر دوما "الطائفة
الأرثوذكسية"، في إشارة -ربما تكون غير
مقصودة- إلى نظر البيروقراطية المصرية إلى
الشأن القبطي، بالرغم من أنه في مراجعتنا
لوضع الأقباط في الفترة العثمانية وجدنا أن
مصر لم تعرف نظام الملل بالمطلق كما هو الحال
في مناطق الشام (راجع "الأقباط في العصر
العثماني" في القسم الثالث من كتابنا "الحماية
والعقاب: الغرب والمسألة الدينية في الشرق
الأوسط").
صفوة
القول أننا نحتاج إلى قراءة الشأن القبطي من
جميع جوانبه وعلاجه علاجا جذريا، خاصة مع
دخول لاعبين جدد على خريطة هذا الموضوع،
يسعون منذ فترة إلى تدويل هذا الشأن مع تحولات
كونية تدعم هذا التوجه،
وهو ما تم تناوله تفصيلا في دراستنا حول قانون
الحريات الدينية الأمريكي الذي درسناه منذ
وقت مبكر، بالإضافة إلى النزعة الأمريكية
الإمبراطورية (راجع "الإمبراطورية
الأمريكية.. ثلاثية الثروة والدين والقوة").