|

|
|
الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين فى
مصر
|
يعد
موقف جماعة الإخوان المسلمين من الأقباط من
الموضوعات التي يدور حولها الجدل في الربع
قرن الأخير. ورغم الأحداث والمواقف المتوالية
حول هذا الموضوع فإن السؤال ما زال مطروحا.
ويرى بعض الأقباط أن مواقف وتصريحات الجماعة
لم تحسم القضية؛ بل ألقت عليها قدرا من
الالتباس والغموض. واستمرار هذه القضية دون
حسم نهائي تدركه مختلف الأطراف يترك مساحة من
التأزم الأهلي بين شرائح الأمة، نعتقد أنه
يضر جميع الأطراف. يضاف لهذا دلالة اللحظة
الراهنة التي تعيش فيها مصر، وهي لحظة تغيير
في التحليل الأخير، ومثل هذه اللحظات تحتاج
لأكبر قدر ممكن من الوحدة بين فئات الأمة
لتتوحد حركتها نحو المستقبل.
ونؤكد
أن قضية المساواة في الحقوق والواجبات بين
المسلمين والأقباط ليست قضية تخص جماعة
الإخوان المسلمين دون غيرها، بل هي قضية تخص
الأمة كلها؛ لأنها تؤسس لوضع أبناء الأمة
داخل نظامها العام. ولكن الاهتمام بموقف
جماعة الإخوان المسلمين مرده لدور الجماعة
البارز على الساحة السياسية، ودورها كهيئة
إسلامية جامعة تؤثر على مسار الفكر الإسلامي.
لهذا يمكن أن تلعب الجماعة دورا مؤثرا على
أكثر من صعيد لتؤسس لوحدة الأمة على المستوى
الاجتماعي والديني والسياسي. ولعل الدور
التاريخي للجماعة بعد أكثر من 75 عاما من
التأثير في الحياة المصرية يلقي على الجماعة
عبئا أكبر للقيام بمسئوليتها التاريخية لحسم
أي أوضاع تمييزية تجاه فئة من الأمة، كما أن
التواجد الواسع للجماعة في الدول العربية
والإسلامية يضيف عليها مسئولية أخرى لتأسيس
وحدة الأمة مع تنوعها، سواء بين المسلمين
والمسيحيين، أو بين السنة والشيعة، وغيرها من
التنويعات.
الهيئة
الإسلامية الجامعة
عندما
أسس الإمام الشهيد حسن البنا جماعة الإخوان
المسلمين، قامت الجماعة بوصفها هيئة جامعة
تتأسس على شمولية رسالة الإسلام، وتقوم
بدورها في مختلف المجالات. ولم يكن للجماعة
موقف معادٍ للأقباط في أي مرحلة من المراحل.
ولكن مواقفها الأولى من الأقباط كانت مواقف
تقليدية تقوم على الآراء الفقهية التقليدية،
ولهذا كان التعامل مع الأقباط بوصفهم أهل ذمة
-بالمعنى الإيجابي لا السلبي- هو السائد لدى
الجماعة. والمقصود بأهل الذمة حسب التعريفات
السياسية السائدة الآن، أن واجبات وحقوق
الأقباط تختلف عن واجبات وحقوق المسلمين،
فليس عليهم الدفاع عن الأمة، وبالتالي فعليهم
الجزية كبديل للجهاد.
وفي
التاريخ الممتد لجماعة الإخوان المسلمين، لم
تكن تهتم بالأقباط كقضية من قضايا عملها؛
خاصة أن الجماعة كانت تركز بالأساس على إحياء
دور الإسلام في حياة المسلمين. وظل التاريخ
على هذا النحو متميزا بموقف تقليدي للجماعة،
دون الدخول في أي أحداث للعداء أو الصراع.
وفي
بداية الثمانينيات من القرن الماضي بدأت
الجماعة مرحلة جديدة من تاريخها بالعمل في
الجامعات والنقابات، وبدأت تؤسس لدورها
العام، ومن هنا طرحت مسألة الموقف من
الأقباط، وكان الموقف التقليدي هو الغالب حتى
بدأ ظهور موقف آخر جديد مدعوما بحركة التجديد
الفقهي التي قادها أعلام الفقه الإسلامي.
وتأكد هذا الموقف الجديد في بيانات عام 1994،
وفي مبادرة الإصلاح في عام 2004.
ولكن
المراقب لحركة الجماعة وتكوينها الداخلي
يعرف أن الخطاب الاجتماعي والديني والسياسي
الجديد للجماعة عبر عن توجه جديد بداخلها.
وككل خطاب جديد يكون له أنصاره، ولكن يقف
أمامه فريق ما زال مؤمنا بالخطاب القديم ولم
يحول فكره عنه. والشاهد أن بداخل جماعة
الإخوان اتجاهين: الاتجاه الدعوي الإصلاحي،
والاتجاه الإصلاحي السياسي؛ الأول تقليدي
والثاني تجديدي. ولهذا يصبح الأمر غامضا على
المراقب الخارجي، خاصة الأقباط. فالمتابع من
الأقباط لحركة الجماعة، يرى أن المواقف
الجديدة غامضة أو غير حاسمة. ونظن أن السبب
الرئيسي في ذلك هو استمرار فاعلية الرأي
القديم والرأي الجديد معا.
وحتى
تتضح الصورة نقول: إن الرأي الجديد في أوراق
الإخوان هو الرأي الرسمي للجماعة؛ بل هو أيضا
الرأي الرسمي لكل جماعات الإخوان المسلمين
خارج مصر. ولكن المشكلة في تعدد الاتجاهات
تكمن في احتياج الرأي الجديد لفترة زمنية حتى
يصبح منهجا للتعليم داخل الجماعة، وبالتالي
ينتشر بين كل أعضائها. وهنا نؤكد على أن
بيانات الجماعة تصدر عن الأجهزة القيادية
وتعلن على الرأي العام، ولكن يتأخر تحويلها
إلى منهج للتربية، أو يتأخر تغيير مناهج
التربية طبقا لها. ونرى ضرورة أن تعيد الجماعة
مناهجها الداخلية لتقدم رؤية متكاملة
ومتناسقة، بين منهج التربية الداخلي
والإعلانات السياسية الخارجية. خاصة أن
التنوع في مناهج العمل ممكن وربما مفيد، أما
التنوع في المبادئ الأساسية للجماعة فإن أثره
سلبي على الجماعة نفسها. لهذا لا نرى مشكلة في
التعدد المنهجي بين الاتجاه الدعوي والاتجاه
السياسي، ولكن المشكلة تحدث إذا تنوعت هذه
الاتجاهات في موقفها من النهج الديمقراطي
مثلا، أو موقفها من الأقباط.
الفصيل
السياسي
منذ
الثمانينيات من القرن الماضي تأسس داخل جماعة
الإخوان المسلمين فصيل سياسي، بدأ كنواة في
الجامعات والنقابات، ومارس السياسة في
المساحات المسموح بها، ثم بدأ منذ نهاية
الثمانينيات في التفكير في إنشاء حزب سياسي.
وكان الاتجاه التجديدي -أي اتجاه الإصلاح
السياسي- هو صاحب هذا التوجه، لهذا دفع كثيرا
نحو تأسيس الحزب السياسي، وكان الاتجاه
التقليدي -أي اتجاه الإصلاح الدعوي- أقل ميلا
أو قبولا لهذه الفكرة.
وعندما
بدأ الإخوان المسلمون في تأسيس تيارهم
السياسي، بدءوا فعلا في تأسيس دور جديد لهم،
وهو إقامة مؤسسة سياسية تحمل البرنامج
السياسي للجماعة، وتعمل للوصول للسلطة. وموقف
الحزب السياسي من فئات الأمة المختلفة يختلف
عن موقف الهيئة الإسلامية الجامعة؛ حيث يفترض
أن تكون أبواب الحزب مفتوحة للجميع. ومن هنا
تبدأ مسئولية تاريخية جديدة على جماعة
الإخوان؛ حيث هناك العديد من التساؤلات عن
دور غير المسلمين في التيار السياسي
الإسلامي، وأيضا دور المسلمين من غير
المنتمين للفكر الديني للإخوان في هذا التيار.
والسؤال يخص في الواقع كل التيارات الإسلامية
وليس جماعة الإخوان فقط، ولكننا نرى أن
الجماعة هي الأقدر على الإجابة على هذا
السؤال، ومرة أخرى نرى أن عليها مسئولية
تاريخية، ولا أعتقد أنني أحملها ما لا تحتمل.
والمراد
هنا أن يتقدم الفصيل السياسي لجماعة الإخوان
المسلمين ببرنامج عمل سياسي، يرى فيه شريحة
سياسية من المصريين أنه البرنامج المعبر
عنهم، وهذه الشريحة يفترض أن تكون متنوعة
اجتماعيا واقتصاديا ودينيا ومذهبيا، وتكون
متجانسة سياسيا. والواقع أن هذا الدور أصبح
ملحا مع دخول مصر في مرحلة التغيير السياسي
الشامل، فهذه المرحلة تحتاج أساسا لتأسيس
أوضاع التيارات السياسية المعبرة عن مجمل
توجهات المصريين؛ لأن هذه التيارات هي التي
سيكون عليها مسئولية تأسيس نظام سياسي جديد.
اقرأ
أيضًا:
**
مفكر وباحث
اجتماعي