تدعو
قوى المعارضة في مصر لتعديل الدستور المصري،
بل إن العديد من القوى والتجمعات تدعو لوضع
دستور جديد للبلاد. وتهدف الدعوة في المقام
الأول لوضع دستور يؤسس للتغيير السياسي إلى
تشكيل نظام سياسي جديد يمنع الاستبداد ويسمح
بالعمل السياسي الحر والتداول السلمي للسلطة.
ومع فتح باب النقاش حول الدستور بدأ الحوار
حول المادتين الأولى والثانية من الدستور،
الخاصتين بأن دين الدولة الرسمي هو الإسلام
وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي
للتشريع. ويتركز الحوار حول وضع الشريعة
الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع، ربما أكثر من
مسألة الدين الرسمي للدولة. وفي هذا الشأن،
نجد مجموعة من العلمانيين اليساريين
والليبراليين وغيرهم، تحبذ إلغاء كل ما يرتبط
بتحديد المرجعية الدينية من الدستور، كذلك
نجد لدى أغلبية من الأقباط نفس الاتجاه.
وعلينا
التعامل مع هذه المواقف بصورة مختلفة؛ فعندما
ينادي تيار سياسي بتعديل الدستور بصورة ما،
فهو يمارس دوره السياسي، وعليه الرجوع
للجماهير لتأييد رأيه، فإذا حصل على التأييد
الجماهيري تحقق له ما أراد، وإذا رفضت
الجماهير ما طالب به، فالرأي النهائي
للأغلبية. ولكن الأمر يختلف عندما نناقش رأي
أقباط مصر؛ لأن موقف الجماعة القبطية من
مرجعية الشريعة الإسلامية يعبر عن قناعة
شريحة من الجماعة المصرية من أن هذه المرجعية
التشريعية تؤثر سلبا على أوضاعها؛ أي قناعتها
بأن هذه المرجعية ستؤدي لوضع تمييزي ضدها.
وهناك احتمال آخر يجب وضعه في الحسبان، وهو أن
يكون الموقف السياسي للأقباط موزعا على عدد
من التوجهات السياسية التي تتفق جميعها في
مسألة إلغاء مرجعية الشريعة الإسلامية من
الدستور. وفي هذه الحالة الثانية، يصبح موقف
الأقباط مرتبطا بموقفهم السياسي، بأن يكون
موقفهم هذا متحيزا للخيار العلماني. والقبطي
المنتمي لتيار سياسي علماني، ينادي بفصل
مرجعية السياسة عن المرجعية الدينية، يمارس
دوره السياسي مثل المسلم المنتمي لنفس
التيار، وهذا أمر طبيعي في التحليل الأخير.
ولكن
المشكلة تظهر عندما يكون موقف الأقباط من
مرجعية الشريعة الإسلامية ليس مرتبطا
بمواقفهم السياسية، ولكن بانتمائهم الديني.
وتزداد حدة المشكلة إذا أيد الأقباط التيارات
السياسية التي تنادي بإلغاء المادة الثانية
من الدستور المصري، لا بسبب انتمائهم السياسي
لهذه التيارات، ولكن تأييدا لموقفهم من قضية
الشريعة الإسلامية فقط. فبهذا يتحدد الموقف
السياسي للقبطي من خلال موقفه في ما يخص تميزه
دينيا، ويصبح دوره مركزا على ما يخص الشأن
القبطي دون الشأن العام.
الشريعة
مطلب شعبي
يركز
بعض المحللين على التيارات الإسلامية بوصفها
التيارات السياسية الداعية لتطبيق الشريعة
الإسلامية. وعلينا في البداية التأكيد على أن
مطلب التحول للنهج الديمقراطي هو المطلب
الأول الذي اتفقت عليه جميع القوى والفصائل
السياسية المصرية. ومن خلال عملية التغيير
والإصلاح التي يدعو لها الجميع ستصبح الأمة
مصدرا للسلطات والتشريع. وعملية تغيير
الدستور ترتبط بتحول النهج السياسي للنهج
الديمقراطي. وفي ظل التحول السياسي المنشود،
لن تطبق الشريعة الإسلامية ولن تبقى المادة
الثانية من الدستور الحالي، ليس بسبب رغبة
التيارات الإسلامية، بل بسبب الإجماع
المتوقع من المسلمين على ذلك. وهنا تبرز
المشكلة الحقيقية؛ فهل يجوز منع المسلمين من
الاحتكام لشريعتهم بسبب وجود الأقباط في مصر؟
بل نقول أيضا ونحن أبناء حضارة التدين: هل
يجوز منع المسلمين من الاحتكام لشريعتهم لو
كانوا أقلية عددية في مصر؟
والإجابة
حاضرة في واقعنا؛ فالاحتكام للمرجعية
الدينية يؤدي لتأسيس الوضع المرجعي للدين في
تنظيم حياة الناس. والمبدأ الأساسي في
الشريعة الإسلامية يقوم على عدم تطبيق أحكام
الشريعة الإسلامية على غير المسلمين إذا
تعارضت هذه الأحكام مع عقيدتهم، وفي هذه
الحالة يكون على غير المسلمين الاحتكام
لشريعتهم. والمثل الواضح والمؤكد لذلك، يتمثل
في قوانين الأحوال الشخصية؛ ففي مصر قانون
للأحوال الشخصية للمسلمين وآخر للمسيحيين.
وننبه هنا إلى أن هذا الوضع يتعارض مع مفاهيم
المساواة الكاملة والمواطنة الكاملة،
ويتعارض مع النظام العلماني القائم على نفي
المرجعية الدينية من النظام العام.
وإذا
أردنا الخروج من إطار المرجعية الدينية
للمرجعية العلمانية غير الدينية، فسوف نلجأ
لقانون ينظم الزواج والطلاق المدني، وهو أمر
مرفوض كلية من المسلمين والمسيحيين.
نقول
بأن تطبيق الشريعة الإسلامية مطلب شعبي، ولكن
تطبيق الشريعة المسيحية في مسائل الأحوال
الشخصية مطلب شعبي قبطي أيضا، ولا نعتقد أن
هناك من الأقباط من يقبل أن يكون الزواج مدنيا.
وعلينا الحذر من مسألة تأييد الأقباط للحل
العلماني، فصحيح أن هذا الحل يحاول تحييد
الإسلام عن حياة المسلمين، ولكنه هو أيضا
الحل الذي سيفتح المجال لتراجع دور الدين
عموما في مصر، بما في ذلك تنحية المسيحية عن
مكانتها المركزية في حياة الأقباط. ونضيف
لذلك استحالة تطبيق الحل العلماني في مصر؛
فنحن نعيش في منطقة عمادها التدين.
مخاوف
الأقباط المشروعة
الواقع
يؤكد تزايد مخاوف الأقباط من تطبيق الشريعة
الإسلامية بدعوى أنها ستؤدي للتمييز ضدهم.
ولهذا يجب البحث في المصادر المحتملة أو
المتوقعة للتمييز. والحقيقة أن المبدأ القائل
باحتكام الأقباط لعقيدتهم -وهو مطبق فعلا في
قانون الأحوال الشخصية- يؤسس لعدم التمييز
السلبي، ويؤسس لحالة من التميز الإيجابي،
فلكلٍّ عقيدته وتنتظم حياته من خلالها.
ويلاحظ هنا أن اختلاف الأساس القانوني التي
تشكل على أساسه الأسرة لم يؤدِّ لحالة فرقة
اجتماعية، بل تحول لنوع من التنوع الإيجابي.
ولكن
في العديد من الجوانب الأخرى من الشريعة
الإسلامية لن نجد تعارضا مع العقيدة
المسيحية، وبهذا ستطبق هذه الأحكام والقواعد
على الجميع، تحقيقا لمقاصد الشريعة
الإسلامية، والتي لا تختلف عن مقاصد التدين
عامة. ولكن تطبيقها يرتبط أولا باتفاق
العلماء عليها، واتفاق نواب الأمة، وربما
اتفاق أغلبية جمهور الأمة، إذا كانت مسألة
تتعلق بالدستور. وفي كل هذه الأحوال فإن
المعروض يكون قانونا مستمدا من مرجعية
الشريعة الإسلامية، ولكنه يناقش ويتم تداوله
ككل القوانين ويقر في النهاية بالأغلبية.
فإذا كان القانون لا يتعارض مع العقيدة
المسيحية، وأقر من الأغلبية، فلا وجه للمخاوف
القبطية، ما دامت المساواة في الحقوق
والواجبات أقرت كحق دستوري.
لهذا
علينا أولا أن نحقق القواعد العادلة للجميع
كأساس للتعديل الدستوري، فإذا تحقق نظام عادل
للحقوق والواجبات في ظل مرجعية الشريعة
الإسلامية، يحفظ حق الأقباط في حرية الاعتقاد
والعبادة وتأسيس دور العبادة؛ تنتهي بذلك
مبررات المخاوف. والحقيقة أن هناك اجتهادات
فقهية تثير مخاوف الأقباط، واجتهادات أخرى
تؤسس وضعا عادلا لهم. ومن الأفضل أن يعمل
الأقباط على تأييد تيار التجديد الفقهي، ضد
تيار الجمود الفقهي، بدلا من تأييد تيار
إقصاء الدين عن الحياة الذي يفرق بين
الأغلبية المسلمة المتدينة والأغلبية
المسيحية المتدينة، بدلا من أن يجمع التدين
بينهما.
اقرأ
أيضًا:
الأقباط
وحالة الحراك السياسي
الأقباط
والتيار الإسلامي.. الركود في المربع رقم
واحد
قبل
انفراط العقد الفريد في مصر
الأقباط..
تساؤلات مشروعة حول ملف ساخن
طارق
البشري.. الحقيقة الغائبة
الدولة
الإسلامية.. وجدالاتها (ملف خاص)
**
مفكر وباحث
اجتماعي